إن كنت كاتبًا، أو كاتبة، وتعمل في الصحافة، هل شعرت يومًا أنك خسرتُ اللغة الأدبية؟ أو إن إحدى لغتيك الصحافية، أو الأدبية، بسطت سلطتها الفكرية؟ هذه الأسئلة القاسية هي أول ما واجهني بعد أن أخذتُ استراحة قصيرة من العمل الصحافي.
أربعُ سنواتٍ غرقتُ فيها في الصحافة على نحوٍ متطرّف: عملٌ مكتبي، أخبارٌ سريعة يجب مجاراتها، مقابلات، ومقالاتٌ سياسية وتحليلية.
ولم تعد المسألة مسألة أسلوب، بل نظرة كاملة إلى العالم، وطريقة تفكير تقودها الصحافة!
مساحاتٍ لغوية تحتل حياتي
إذًا، استهلكتني الكتابة الصحافية لغويًا ونفسيًا، وأعادت تشكيل تفكيري وإيقاعي الداخلي. فالغرق الطويل في لغة الصحافة اليومية أبعدني تدريجيًا عن الكتابة الأدبية، حتى غدت قصائدي تعرج، وروح لغتي غير واضحة، ووقفتُ أمام الشعر كأنني لا أعرفه.
وفي موازاة ذلك، لم أنتبه إلى ضرورة الموازنة بين اللغتين، فتركتُ اللغة الشعرية والأدبية تذوي شيئًا فشيئًا.
عندها فقط أدركت حجم التغيّر الذي أصابني، وأنني في حاجة إلى تنظيفٍ عاجل لروحي وتفكيري من أثر الصحافة، وإلى إعادة التوازن بين اللغات التعبيرية التي أملك.
ورغم استشعاري في السنوات الماضية لهذا الأثر، لكنني اعتقدت، وبسذاجة الواثقة، أنه سيزول بمجرد ابتعادي عن العمل الصحافي، وربما لم أكن لأدرك ذلك لولا إتاحة الفرصة لأخذ استراحة كشفت لي أنني أمام تحدٍّ حقيقي، وهو الكتابة الأدبية نفسها.
وحتى لا يُساء فهم موقفي وكأنني أهاجم الصحافة، أو أنتقص منها عند أول استراحة لي منها، أقول بوضوح: هذا ادعاء لا أساس له، فلولا شغفي بها لما غرقتُ فيها أربع سنوات كاملة من دون أن أنتبه حتى!
لم أنظر إلى الأمر بوصفه تنافسًا، أو خسارة لغة على حساب أخرى، بل بوصفه مساحاتٍ لغوية تحتل حياتي، وسؤالًا عن حجم المساحة التي تحتاجها كل لغة لتناسب مشروعي الأدبي وحياتي اليومية.
كتّاب وصحافيون
اختبر كتّاب كُثُر العمل في الصحافة والأدب، ومنهم من بدأ بالصحافة، ثم انتقل إلى الأدب، مثل ألبير كامو، وغابرييل غارسيا ماركيز، ومنهم من كان أديبًا، ثم انتقل إلى الصحافة.
وبطبيعة الحال، ترافق العلاقة بين العالمين أوهامُ التنافس. غير أني أراه تنافسًا على احتلال الحياة نفسها، فالكتابة، بكل أشكالها، فعلٌ أنانيّ يسعى إلى بسط وجوده، سواء تجلّى في الصحافة، أو الرواية، أو الشعر.
لطالما ردد غابرييل غارسيا ماركيز أن الصحافة أفضل مدرسة للكاتب، وحتى واقعيته السحرية خرجت من عين صحافي يعرف كيف يرى التفاصيل.
غير أن هذا التفاؤل لم يكن مشتركًا لدى جميع الكتّاب الذين اختبروا العالمين معًا، جورج أورويل، وطوال مسيرته المهنية، قلّل باستمرار من شأن كتابته الصحافية، وكان ينظر إلى الأدب بوصفه شكلًا أرقى. وفي مقاله الشهير “السياسة واللغة الإنكليزية”، يحذّر أورويل من أثر القوالب الجاهزة على اللغة والتفكير.
وفي منحى قريب، وإن من زاوية مختلفة، جاءت تجربة الروائي الفرنسي ألبير كامو، الذي دخل عالم الصحافة بدافع الضرورة، إذ حالت إصابته بالسل دون عمله مدرسًا.
خلال مسيرةٍ صحافية امتدّت قرابة عشرين عامًا، شغل كامو وظائف صحافية متعدّدة. ورغم هذا الحضور الكثيف في الصحافة، نعرّفه اليوم قبل كلّ شيء بوصفه أحد أبرز روائيي العبث في القرن العشرين.
غير أنّه، ومع امتداد تجربته الصحافية، ازداد نقده لحدود هذا العمل، فقد رأى أن ضيق الوقت، وغياب المسافة النقدية، وتبسيط الحقائق، كثيرًا ما تفضي إلى السطحية وسوء الفهم، وهو ما يتناقض مع العمق الفكري الذي يتطلّبه الأدب، وهو ما عبّر عنه في كثير من افتتاحياته في صحيفة Combat.
من جهة أخرى، وضعه العمل الصحافي في تماسٍ يومي مع العنف، وأدخله في صراعٍ أخلاقي دائم. كان كامو يميل إلى اعتبار الأدب المجال الأوسع لطرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية من دون الخضوع إلى منطق الإجابات الجاهزة، ولكن هذا لم يعنِ أنه فقد إيمانه بالصحافة، بل جعله أكثر وعيًا بعمله.
العودة إلى المصدر
بالعودة إلى “ديتوكس” الصحافة الذي أقوم به، فهو ليس تخلّصًا من الصحافة بقدر ما هو محاولة لفهم مكانها في حياتي اليومية.
قال الروائي الأميركي إرنست همنغواي، صاحب “العجوز والبحر”: إن الصحافة تلائم الروائيَّ كثيرًا، لكن يجب عليه أن يعرف متى يعتزلها، فلا يجب أن يبقى فيها طويلًا، ولا أن يتأخر في تركها!
“حسنًا يا همنغواي، لنرَ ماذا يجب أن نفعل؟”. قلتُ لنفسي، بكل الأحوال ليس علي الرحيل حرفيًا، هذا شيء واضح، علي إعادة التموضع بين لغاتي.
كان الجواب واضحًا بالنسبة لي: أريد أن أكون كاتبة. فالجانب الأكبر مني يعيش داخل الأدب، يكتبه ويقرؤه، ويؤمن بأنه الطريقة الأعمق لاختبار التجربة الإنسانية. أمّا الصحافة، فهي مساحة المواجهة الأخلاقية والإنسانية اليومية، تلك التي لا تحتمل التأجيل.
وهكذا غدا “التنظيف الذاتي” من آثار الكتابة الصحافية بحثًا عن توازنٍ صحي بين لغتين متجاورتين ومختلفتين في آن: لغة الصحافة ولغة الأدب، لا بوصفه قطيعةً مع الأولى.
وقد يسأل سائل: ما خطة “الديتوكس” التي وضعتها ككاتبة كي لا أعود إلى الشعور بالاغتراب عن الأدب، ولكي أعيد ضبط طريقة تفكيري باتجاه سؤالٍ أدبي وشعري، أكثر منه سؤالًا يوميًا عابرًا؟
ببساطة اتجهت إلى المصدر، قرأتُ الشعر بكثافة، ووضعت القراءة اليومية للشعر كأساس للدخول إلى لغتي مجددًا، بوصفها فعلًا يوميًا لا ترفًا مؤجّلًا.
وقرأتُ أيضًا كتبًا في الكتابة أعادتني إلى استذكار فعل الكتابة ذاته، وإلى إعادة التواصل معه، فقرأتُ “أخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة”، و”الزن في فن الكتابة”، وأدركت أنه من الجيد أن تعيد اكتشاف الكتابة من زوايا الكتابة ذاتها، من خلال كتّاب يتحدثون عن علاقتهم بها، وحين تصغي لعلاقة كاتب مع الكتابة تستذكر تلك التي تخصك.
بدأتُ أعود إلى الكتابة الشعرية، وإلى النصوص، وأسجّل في مفكّرتي سؤالًا واحدًا يتكرّر: كيف يمكن أن أقول هذه العبارة المباشرة بطريقةٍ شعرية؟ ولماذا أشرح هنا، بينما أستطيع أن أترك شعورًا يقودني إلى المعنى؟ قمت بتمارين شعرية صغيرة خلال يومي من دون خطة مسبقة، مثل وصف شعور، أو حدث، أو لحظة، بعبارة شعرية، وصرت أفكر كيف يمكن أن تكون لحظة واحدة هي جملة شعرية، أو عبارة صحافية.
العودة إلى لغة الشعر والأدب ليست عودة إلى كتابة مختلفة، بل إلى طريقة مختلفة في النظر، كانت دومًا موجودة في مكان ما.
في النهاية، لا يعني هذا المسار بالضرورة عودةً إلى نفسي قبل امتهان الصحافة، إذ أنّ الصحافة، وقد باتت جزءًا من عملية التفكير والكتابة، تمثّل تراكمًا معرفيًا جديدًا منحني امتيازات لغوية وحدسية وشغفًا خاصًا بها. كما أنه مسارٌ مليء بالاحتمالات وتقلبات الكتابة نفسها، وبالتعامل مع سحرها الذي يظهر في أوقات ولحظات غير متوقعة، ويشدّك إلى كل ما قد يكون مجرّد فرضية في عملية تفكير أوسع.
مصادر:
ــ Albert Camus, Actuelles I: Chroniques 1944–1948
ــ Albert Camus, Discours de réception du Prix Nobel, 1957
ــ George Orwell, Politics and the English Language, 1946
ــ غابرييل غارسيا ماركيز، “أعيش لأروي”.