في الأسابيع الأخيرة من عام 2016، اجتمعت في فيينا مجموعة دعم سوريا الدولية وأصدرت بياناً ثم بياناً آخر يرسم طريقاً لحلّ المسألة السورية. وتشكّلت تلك المجموعة من روسيا والولايات المتحدة، والصين، وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا، وتركيا وإيران، ومصر والسعودية وقطر والإمارات وعمان والعراق والأردن ولبنان… اعتبرت تلك المجموعة شاملة لكلّ أصحاب المصلحة في سوريا. وتحوّل – من ثمّ- ما اتفقت عليه إلى قرار جماعي لمجلس الأمن، حمل الرقم 2254.
حين ابتدأت كرامات ذلك الإنجاز بالظهور، تمثلّت بعد شهرين باتّفاق روسي – أمريكي، حمل توقيع لافروف وجون كيري، لوقف إطلاق النار في سوريا، وتنظيم العلاقة والاشتباك على الأرض وفي الجوّ، كان يعني المنطقة الشمالية خصوصاً.
نصّ الاتّفاق على أن «وقف الأعمال القتالية» لن يشمل تنظيم الدولة، وجبهة النصرة، أو أية منظمات أخرى يحددها مجلس الأمن الدولي، وأن «أي طرف مشارك في العمليات العسكرية وشبه العسكرية في سوريا عدا المنظمات المذكورة سابقا، عليه أن يلتزم ويعلن قبوله شروط وقف الأعمال القتالية في موعد لا يتجاوز الساعة الثانية عشر بتوقيت دمشق يوم 26 فبراير الجاري».
لم يكن هنالك التزام بنصّ الاتّفاق، خصوصاً من الجانب الروسي، الذي وجّه ضربات مهمة إلى جبهة النصرة- وبعض داعش- لكنّ تركيزه العملياتيّ كان منصبّاً على كسر شوكة ما كان يُطلق عليه اسم المعارضة المعتدلة وفصائلها المسلّحة يومذاك. وفي ظلّ ذلك الاتّفاق واستثناءاته، شنّت تركيا عملية درع الفرات ضد داعش- وضدّ قوات سوريا الديمقراطية كذلك- ابتداءاً من 24 أغسطس، التي استمرت بضعة أشهر سيطرت إثرها على المنطقة ما بين الفرات ومدينة أعزاز وما حولها. ضمن أجواء الاتفاق أيضاً، اندلعت معارك إنهاء وجود المعارضة المسلّحة في مدينة حلب والسيطرة على الطرق الرئيسة، وإجلاء المقاتلين من جبهة النصرة وحلفائها عنها عموماً.
في يوليو من ذلك العام، و»سدّاً للذرائع»، وفي «مواجهة المخططات الأمريكية – الروسية، أعلن قائد جبهة النصرة تغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام، وفك ارتباطها مع القاعدة، كاشفاً عن وجهه أمام الكاميرا للمرة الأولى، بثوب عسكري عادي، من دون التخلّي عن العمامة في البداية. ابتدأت بذلك مسيرة الاعتدال والانتظام في النمط العاديّ أو الأقرب إلى «العاديّة» إن جاز القول. لكنّ ذلك لم يمنع حلب – شرقها بشكل أدقّ- من السقوط في أيدي قوات الأسد والميليشيات الداعمة له. وحدث ذلك تدريجياً كرّ وفرّ وهجمات متبادلة أمالت الكفة لمصلحة النظام آنذاك، حتى أنجزت الأمم المتحدة في 13 ديسمبر وقفاً لإطلاق النار، واتفاقاً على خروج المقاتلين- ونخبتهم من جبهة فتح الشام- سلماً، ومعهم من يرغب بذلك. رغم تلك التحوّلات الأولية، والسفور عن الوجه، استمرت رؤية الوضع كمواجهة بين السنة وأعدائهم الطائفيين، كما ظهر في مقابلة 17 سبتمبر ذلك العام مع قناة «الجزيرة»، مع الجولاني (الشرع)، لكنّ ذلك لم يمنع من تطوير حالة أكثر «مدنية»ً في إدلب، من خلال المجالس المحلية وبدء حركة نشيطة للتحوّل الإداري ثم الاقتصادي فالاجتماعي، انطلقت من مبادرة ثمّ بمؤتمر سمي بالمؤتمر السوري العام في سبتمبر 2017، لتأسيس» إدارة مدنية في المناطق المحررة»، شاركت فيه شخصيات سورية معروفة، بينهم أكاديميون وممثلون للهيئات والمجالس المحلية. ونتج عن المؤتمر وضع أنظمة وتأسيس لجنة لبناء حكومة جديدة نتيجة الحاجة إلى «نظام حكم سياسي عسكري اجتماعي اقتصادي ثقافي تعليمي موحد، يمثل الثورة السورية في المناطق المحررة»، وفق ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، الذي نصّ على أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع»، وعلى «وجوب الحفاظ على هوية الشعب السوري المسلم».
وابتدأ مسار لا يحاول التمايز عن السلطة البعثية وحسب، بل عن سلطة الائتلاف وحكومته، التي بقيت موجودة بالتوازي مع الإنقاذ، مع أفضلية داخلية للإنقاذ، التي لا ينكر أحد أنها تمتّعت بحيوية أعلى، رغم كلّ القيود الأيديولوجية والعسكرية.
كان ذلك تأسيساً للتحوّل باتّجاه مدني، يعمل على حجب الوجه المتشدّد فكرياً وعسكرياً وأمنياً، ويساعد على تقديم أفضل من السابق لجبهة النصرة، على الرغم من بقاء الحالة العسكرية على ما هي عليه بوجود شرائح أكثر تطرّفاً بالأصل، مع ضغوط خاصة من «الغرباء».
بالتوازي مع ذلك، ابتدأت روسياً نشاطاً خاصاً لتشجيع مشروعها المتمركز في آستانة، وحاولت تطويره من خلال مؤتمر كبير (بالحجم) انعقد في مدينة سوتشي على البحر الأسود في مطلع عام 2018، كان تركيزه على المسألة الدستورية، والدفع باتجاه تشكيل لجنة لكتابته، تحوّلت بعد التنسيق مع الآخرين إلى خطة تشكيل «اللجنة الدستورية» على هامش الجهود الأممية لإنقاذ ما بقي مشروع بيان جنيف1 الذي انتهى إلى القرار 2254. كانت تلك المباراة ودية غالباً، أو مُتفّقا على قواعدها- وقواعد الاشتباك فيها- على الأقل. أما الطرف الثالث، صاحب التأثير الكبير عملياً فكان تركيا، التي بقيت على صلة بالمشروعين، انطلاقاً من عملها مع موسكو في الآستانة واشتراكها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مدّاً وجَزراً. ومن الطبيعي أن يكون رهانها على المعارضة – مهما اعتدلت- أشدّ ضعفاً، بتأثير رهانها الأساسيّ على النظام والتحالف مع إيران. ترافق ذلك من جهة أخرى مع جهود مصرية- خليجية – أردنية لإعادة التعامل مع نظام الأسد، في ما أطلق عليه من قبل مراقبين «إعادة تأهيله»… وهو مسار دعمته أوروبا إلى هذا الحدّ أو ذاك، وربّما بشكل متفاوت سلباً وإيجاباً. اعتمد ذلك المسار على عدة أسس: فهو يقوم من جهة على فرض تراجع النظام عن تجارة المخدّرات وصناعتها، واقترابه بشكل ملموس من روح القرار 2254. كان الأردن صاحب دور مهم في إدارة هذا المشروع، الذي حمل أيضاً عنوان « خطوة- خطوة».
بقي ذلك المشروع حياً، على الرغم من استمرار العمل على السيناريوهات الأخرى، بينما كان نظام الأسد يتآكل من داخله حتى النهايات الدنيا، من دون أن يتخلّى عن عصبويّته وعنجهيته التي أصبحت فارغة تماماً، بحيث أن إيران فقدت الحماسة على استمرار الاستثمار فيه وبدأت بسحب ميليشياتها؛ وهذا كان موازياً لما حدث مع الروس أيضاً، إذ وصل استثمارهم إلى ذروته وعاد إلى سفح الجهة المقابلة، مع تفسّخ النظام وقدرته على إقناع حتى أهله به.
مع وصول الحالة السورية إلى حيث وصلت وانكشاف سلطة الأسد وتهتّكها، و»بشائر» وصول ترامب الجديد إلى البيت الأبيض من جديد، وتطوّر جاهزية إدلب وكفاءتها وتصميمها مع فاعلية عقيدتها القتالية، كان طبيعياً ما حدث خلال أحد عشر يوماً ابتدأت في 27 نوفمبر 2024، وانتهت بشكل فاجأ الجميع وأدهشهم.
عشر سنوات مرّت على ذلك العام الأغبر 2016، ذهب معه أحد الأطراف- في إدلب – باتّجاه محاولة بدت شبه مستحيلة وما زال استكمالها مشوباً بحذرٍ وشبهات كثيرة، وخرج طرف مقابل «ديمقراطي» من معادلة المعارضة وفشلها المحتوم، ليبحث لاهثاً وفاشلاً حتى الآن في طرائق استعادة نبض ونهضة عام 2011 ، وكشف الطريق إليهما!
كاتب سوري