لم يكن البيان الذي أصدره مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سورية في ختام دورته العادية الخامسة، في 27 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) مجرد بيان تقليدي يصدر عن قيادة تنظيم سياسي في نهاية اجتماع دوري. فقد جاء في سياق مركب. فمن جهة، ثمة نقاش متزايد حول المشاركة السياسية والتعدّدية الحزبية واستفهامات حول مدى الاستئثار بالدولة والسلطة من القيادة الحالية وهياكل هيئة تحرير الشام المنحلة، ومدى جدّيتها في تنظيم المجال العام وإصدار قانون للأحزاب، في وقت تقترب فيه المرحلة الانتقالية السورية من منتصفها. ومن جهة أخرى، الضغوط التي مورست على الجماعة لحل نفسها، النقاش الذي دار في العامين الماضيين في مستقبل الجماعة، وقد اختار البيان الكلمات بعناية فائقة وحذر شديد، لكنها تكفي لفهم أنها باقية وستعود للعمل السياسي، ويبدو أن الجماعة قررت مغادرة موقع الانتظار والذهاب إلى اختبار البيئة السياسية، ولأن الجماعة هي التنظيم الإسلامي العريق والوحيد المتبقي، بتاريخ طويل من المشاركة السياسية ومواجهة نظام الأسد، فإن خبر عودتها يمكن أن يشكل حافزاً كبيراً للآخرين.
يتضمن البيان 19 بنداً، لكن أهم ما في البيان هي البنود: 2،3،6، لأنها تناقش علاقتها بالسلطة، وتحدد دورها في المرحلة الانتقالية. في البند الثاني يؤكد بيان مجلس الشورى أن الجماعة “ستبقى جماعة وطنية مستقلة القرار”، وجملة “مستقلة القرار” هنا لها دلالة مزدوجة. فمن جهة، تعني أنها تملك قراراً مستقلاً، أي ترفض الضغوط التي تمارس عليها لحل نفسها، لذلك هي “ستبقى جماعة وطنية”، الكلمة “ستبقى” أكثر وضوحاً بأن الجماعة لا تتحدّث عن إعادة تأسيس نفسها، ولا عن تنظيم جديد، ولا حتى عن مجرّد تغيير الاسم وانتقال إلى إطار سياسي آخر. إنها تقول إن التنظيم القائم سيستمر. ومن جهة أخرى، تؤكد بجملة “مستقلة القرار” الاستقلال التنظيمي، أي إنها تريد أن تُفهم أنها تنظيم سوري وطنيّ يعمل وفق حسابات السياسة السورية، لا بوصفها فرعاً عابراً للحدود ينتظر توجيهات من تنظيم دولي، وهذه محاولة مهمة من الجماعة لتخفيف أحد الاعتراضات الرئيسية التي يمكن أن تواجه عودتها إلى المجال العام.
وفي البند الثالث ترحب الجماعة بأعمال مجلس الشعب الذي انعقد أخيراً، لكنها تدعو إلى “إرساء التعددية السياسية المنظمة”، وهي دعوة إلى إقرار قانون الأحزاب وحزمة القوانين المنظمة للحياة السياسية، لذلك هي في البند نفسه تدعو أيضاً إلى “إعداد دستور دائم يعبّر عن تطلعات السوريين، ويُطرح للاستفتاء الشعبي”. وفي هذا السياق، يجب أن تفهم هذه الدعوة بأنها تستعد لخوض المعركة الانتخابية المترتبة على الدستور الدائم الذي سيقرّر النظام السياسي، وتجري وفقه انتخابات لبدء المرحلة الدائمة.
أما البند السادس، فيذهب إلى الدعوة الضمنية إلى الاعتراف بحقها قوة سياسية في المشاركة، إذ جاء فيه: “إن بناء سورية المستقرة يتطلب مشاركة جميع مكوناتها في الحياة السياسية والتنمية وبناء مؤسسات الدولة في إطار تعددي قائم على سيادة القانون، وضمان الحريات السياسية وتنظيم العمل الحزبي”، وهو ضمناً ينتقد الاستفراد ببناء مؤسسات الدولة وتهميش القوى السياسية الأخرى. وهنا تظهر أهمية البيان باعتباره رداً سياسياً، على النقاش الذي دار خلال العامين الماضيين حول مستقبل الجماعة، وعلى الضغوط الممارسة عليها، وإظهار رغبة في العودة باعتبارها فاعلاً سياسياً.
يمكن فهم الضغوط التي واجهتها الجماعة آنذاك من عدة زوايا، أُولاها، أن الإخوان المسلمين يمثلون، تاريخياً، التنظيم الإسلامي السوري الأكثر خبرة في العمل السياسي المنظم. فالجماعة تأسست عام 1945، ولها تاريخ طويل في الحياة السياسية السورية، بما في ذلك المشاركة البرلمانية والحكومية في المراحل السابقة، ثم النضال العسكري والسياسي في مواجهة نظام الأسد. وثانيتها، أن المرحلة الانتقالية بدأت من مركز سياسي وأمني تهيمن عليه قيادة خرجت من تجربة هيئة تحرير الشام، وهي تجربة ذات خلفية إسلامية جهادية، وإن كانت مختلفة عن “الإخوان”، لكنها تنتمي إلى المجال الاجتماعي والديني نفسه، وتتنافس على الجمهور ذاته تقريباً. وبالتالي، كون المنافس تنظيماً سياسياً إسلامياً قديماً يمتلك خبرة تنظيمية وشبكات اجتماعية وسياسية، نُظر إليه باعتباره عاملاً قد يعقّد عملية بناء النظام السياسي الجديد.
ثالثتها، أن الجماعة نفسها ليست غريبة عن فكرة الفصل بين الدعوي والسياسي. فقد طُرحت داخلها في مراحل سابقة أفكار لإنشاء حزب سياسي مستقل عن الجماعة، ومنها نقاشات تعود إلى عام 2005. كذلك إن تجربة الإخوان السوريين خلال المفاوضات مع نظام الأسد قبل الثورة شهدت نقاشاً حول الاسم وطبيعة العودة إلى سورية. وفي فبراير/ شباط 2011، نقل عن المراقب العام السابق رياض الشقفة عرض لاستئناف النشاط السياسي في سورية تحت حكم الأسد، يتضمن القبول بعدم النشاط السياسي والتفرغ للعمل الدعوي والإصلاح الاجتماعي، وبتغيير اسم الجماعة إذا كان هذا جزءاً من الثمن الذي عليها دفعه للسماح لها بالعمل داخل سورية، وهذه الوقائع تجعل خيار إنشاء حزب سياسي جديد، وترك الجماعة باعتبارها إطاراً دعوياً واجتماعياً، خياراً قابلاً للنقاش داخل التنظيم، ولكن أن تكون فكرة مفروضة من الخارج، مسألة مختلفة، في وقت لا تجد الجماعة أنها مضطرة إلى ذلك.
رابعتها، العامل الإقليمي. فسورية الخارجة من الحرب تحتاج علاقات وثيقة مع دول عربية وإقليمية مؤثرة، وبعض هذه الدول تنظر تاريخياً إلى جماعة الإخوان المسلمين على أنها تهديد سياسي أو أمني. لذلك، كان يمكن أن يُنظر إلى استمرار الجماعة باسمها القديم ونشاطها التنظيمي الكامل بوصفه ملفاً إضافياً في علاقات سورية الخارجية. لكن الجماعة، على ما يبدو، توصلت إلى نتيجة مختلفة: أنّ حل نفسها قد يكون أكثر خطورة على مستقبل المرحلة الانتقالية من بقائها، إذ يبدو أن الجماعة لا تبدو واثقة من الشكل الذي ستستقر عليه سورية الجديدة، ولذلك فإن التخلي عن بنيتها التنظيمية الآن يعني التخلي عن أداة سياسية قد تحتاجها البلاد لاحقاً.
أدّى ذلك كله إلى شعور الجماعة بالغبن الفاحش. فبعد عقود من العمل السياسي والمعارضة والتضحيات، قد لا يكون سهلاً على تنظيم من هذا النوع أن يقبل بأن ينتهي في اللحظة التي سقط فيها النظام الذي خاض ضده صراعاً طويلاً، هذا كرس شعوراً عميقاً بالتهميش، بالانتقال من موقع الشريك في مسار طويل من المعارضة إلى موقع التنظيم الذي يُطلب منه الانسحاب من المشهد.
هناك قضية أخرى تعزّز هذه المشاعر لدى الجماعة، وهي بقاء القانون 49 لعام 1980، الذي جرّم الانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين وعاقب عليه بالإعدام، فأصبح القانون رمزاً لأحد أكثر أشكال التجريم السياسي قسوة في عهد الأسد. وفي يوليو/ تموز 2025 طالبت الجماعة رسمياً بإسقاط القوانين التي أقرّها النظام السابق، وفي مقدمتها هذا القانون. المشكلة السياسية الحالية تكمن في أنه بالرغم من أن الإعلان الدستوري ألغى القوانين الاستثنائية ومفاعيل أحكام محكمة الإرهاب، لكن مسألة الوضع القانوني التفصيلي لبعض التشريعات السابقة، ومنها القانون 49، ظلت مرتبطة بمسار التشريع اللاحق، مع الإشارة ذات الدلالة الرمزية الإيجابية في اختيار المادة رقم 49 في الإعلان الدستوري التي تطابق رقم القانون لتجريم تمجيد الأسد، لكن هذه الإشارة الإيجابية لم تحل دون بقاء القانون واستمراره، رغم تجميد العمل به.
أصبح الوضع شديد الحساسية مع مرور نحو عامين على بدء المرحلة الانتقالية، فالجماعة التي كان مجرّد الانتماء إليها جريمة تستوجب الإعدام في عهد الأسد، لا تزال تحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد وضعها في الدولة التي جاءت بعد سقوط ذلك النظام، وهذا القانون منع بعض قيادات الإخوان من العودة أو زيارة سورية، إذ يعتقدون ألّا ضمانات يمكن الاعتماد عليها بعدم تفعيل القانون في أي لحظة، ما دام لم يُلغَ، ولذلك فإن إلغاء القانون 49 بصورة صريحة لا يمثل بالنسبة إلى الإخوان مجرد تصحيح قانوني لتشريع صادر عن النظام السابق، بل اختباراً لنيات السلطة السياسية تجاه الجماعة، وإذا ظل الملف مؤجلاً من دون أفق واضح، فستقرأه الجماعة على الأغلب باعتباره إشارة إلى أن المشكلة لم تعد قانون الأسد القديم، بل استمرار الرغبة السياسية في إبقاء الجماعة خارج المجال العام.
لا تبدو البيئة الإقليمية كلها جاهزة لاستقبال عودة الإخوان المسلمين إلى السياسة السورية، لكن الجماعة قد ترى أن الظروف الإقليمية ليست مغلقة أمامها بالدرجة التي يجري تصويرها، قد ينطبق ذلك على تنظيمات جماعة الإخوان المسلمين في بلدان أخرى، لكنه لا ينطبق عليها، فالبيان نفسه يبدو محاولة لتأكيد شبكة علاقات سياسية إقليمية لم تنقطع مع الجماعة: إشادة بتركيا، وتقدير لدور السعودية وقطر والأردن، وترحيب باتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب موقف حاد من إيران، وهي عموماً مواقف ليست جديدة للجماعة، وعلاقاتها بجميع البلدان المذكورة قوية لم تضعف ولم تختلف منذ عقود، لكنها في هذا السياق تعني ربما رسالة للسلطة السياسية في البلاد، بأن المزاج الإقليمي الذي يضم أهم دول حليفة للحكم الجديد في سورية، هي حليفة أو على علاقة طيبة وعميقة مع الجماعة، أي إنها تقلل من الارتدادات الإقليمية لعودة الإخوان المسلمين، وتفتح هامشاً للمناورة حول ذريعة المواقف الإقليمية.
ويبدو أن الجماعة تريد القول إن قبول المجتمع الدولي بقيادة هيئة تحرير الشام سيكون أقل حدّة مع صعود الإخوان المسلمين، وتريد أن تأخذ الجماعة فرصتها، ولو كانت فرصاً محدودة. لذلك، إن بيان العودة هو لاختبار السلطة السياسية بدلاً من إعلان الانسحاب النهائي، ليس فقط اختباراً بقبول الجماعة، بل أيضاً يمكن أن يكون أحد الاختبارات المبكرة في ما إذا كانت السلطة الانتقالية جدية في الانتقال نحو تعددية سياسية حقيقية.