في أعقاب انهيار نظام الأسد -الذي استمر 53 عاماً- في كانون الأول 2024 وتشكيل حكومة جديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، دخلت سوريا مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، فالمسألة لم تعد تقتصر على تغيير السلطة، وإنما باتت تتعلق بإعادة بناء دولة جديدة ونظام سياسي واقتصادي جديدين.
يطرح هذا الانتقال مجموعة من الأسئلة المصيرية: هل يمكن الحفاظ على وحدة البلاد كدولة واحدة في ظل الانقسامات الإثنية والطائفية، فضلاً عن استعداد القوى المجاورة للتدخل واحتلال أراضٍ جديدة من سوريا؟ وهل تستطيع هذه الحكومة دمج كافة الفصائل المسلحة التي شاركت في عملية إسقاط النظام في جيش وطني جديد ومنضبط يخضع لسيطرة الحكومة؟ وهل بمقدورها إعادة ما يكفي من السلام والنظام وسيادة القانون للسماح ببدء عملية إعادة الإعمار الاقتصادي وتأمين شروط حياة الحد الأدنى للسوريين؟
بعد نحو احدى وعشرين شهراً على إسقاط الأسد، ورغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها الحكومة السورية، خاصة على مستوى العلاقات الخارجية بما تتضمن رفع العقوبات بأشكالها العديدة، ما تزال سوريا تواجه في هذه الفترة تحديات خطيرة، أولها، الخطر الخارجي المتمثل في سياسة إسرائيل العدوانية، التي ترى فرصة ذهبية لها ضمن الظروف الحالية في قضم أراضٍ جديدة من جهة، ومن جهة أخرى منع تشكيل جيش سوري جديد يمكن أن يشكل عنصر ردع لتلك السياسة العدوانية. وثانيها، يتمثل في تدهور الأوضاع المعيشية لغالبية السوريين، وفي طبيعة السياسات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة الجديدة وانعكاساتها على مختلف الفئات الاجتماعية.
ظلت العلاقة الإسرائيلية -السورية محكومة لعقود بالاتفاق الذي أرساه كيسنجر عام 1974، المعروف باتفاق فك الارتباط، مع السيطرة الكاملة لإسرائيل على مرتفعات الجولان. ورغم التوترات التي شابت تلك العلاقات خلال فترات قصيرة، فإنها ظلت تحت السيطرة المحكومة بذلك الاتفاق. مع سقوط نظام الأسد -الجار المسالم- وجدت إسرائيل فرصة في تغيير ذلك الاتفاق وفرض قواعد جديدة مستغلة حالة الحكومة الجديدة وما ورثته من دمار يعم عموم القطاعات في سوريا، وأهمها العسكري، وحالة الصراع الإقليمي الجديد بعد إضعاف محور إيران وقوته في المنطقة -حزب الله- بما يهدف إلى تأسيس قواعد جديدة تحكم النظام الإقليمي الجديد، وهو ما نشهده في الصراع الجديد الإسرائيلي -التركي على الأراضي السورية.
غير أن التحدي الذي تواجهه الحكومة السورية لا يكمن في التعامل مع إسرائيل وحدها، بل أيضًا في كيفية بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية الحدود وصون السيادة، وفي الوقت نفسه خاضعة للسلطة السياسية والقانون، بحيث لا تتحول إلى أداة بيد فصيل أو جماعة أو شخصية سياسية. وتزداد هذه المهمة صعوبة في ظل تعدد القوى المسلحة التي شاركت في إسقاط النظام السابق.
إلى جانب التحديات الأمنية والسياسية، يواجه السوريون تحديًا يمس جوهر حياتهم اليومية، يتمثل في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. فارتفاع الأسعار، وضعف فرص العمل، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، كلها عوامل تجعل تحسين الظروف المعيشية أحد أهم الاختبارات التي تواجه الحكومة الجديدة.
لا يمكن فهم هذه الأزمة من دون العودة إلى الإرث الاقتصادي والسياسي لنظام البعث. فمنذ استيلائه على السلطة عام 1963، تبنى النظام نموذجاً اقتصادياً اتسم بتوسع دور الدولة، والتأميم، وإنشاء قطاعين “عام وتعاوني”، لكنه ارتبط في الوقت نفسه بنظام سياسي سلطوي شديد المركزية. وكانت السيطرة السياسية والأمنية متداخلة مع إدارة الاقتصاد، بما منح السلطة قدرة واسعة على التحكم في الموارد والثروة وتوزيعها وفق اعتبارات سياسية وشبكات من الولاء والمحسوبية، حيث ساهم هذا النمط في خنق قطاعات أوسع من السوريين، بما يعنيه من فقر وتهميش وإذلال، الأمر الذي شكل أحد العوامل الأساسية في انفجار 2011.
تستبدل الحكومة اليوم ذلك النمط التسلطي الذي تسميه “اشتراكياً” بنمط آخر تسميه “الاقتصاد الحر”، لكن الخروج من هذا النموذج لا يعني بالضرورة أن الانتقال إلى اقتصاد السوق، أو ما تسميه الحكومة “الاقتصاد الحر”، سيكون تلقائياً طريقاً إلى تحسين أوضاع السوريين. ولهذا فإن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون: هل انتقلت سوريا من نمط “اشتراكي” إلى نمط “الاقتصاد الحر”؟ وإنما: أي نموذج اقتصادي جديد يجري بناؤه، ولصالح من، وما الدور الذي ستقوم به الدولة في تنظيمه وحماية المجتمع من آثاره السلبية؟ فالمشكلة ليست في الاسم الذي يطلق على النظام الاقتصادي، وإنما في السياسات الفعلية التي تُطبق، وفي المؤسسات التي تحكم السوق، وفي قدرة الدولة على حماية الفئات الأضعف، وضمان المنافسة، ومنع الاحتكار والمحسوبية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروة.
تدعي الحكومة بلهجة من يرى نفسه الأعرف والأدرى بمصالح السوريين، أن لنمط الاقتصاد الحر عواقب ثقيلة للمواطنين، لكن هل اتخذت إجراءات تحدّ من وطأة هذه العواقب، أم تركت، لذلك النمط أن يطحن عظام السوريين؟ فقد بدأت تظهر مؤشرات عديدة تعبر عن حالة الفقر والانهاك التي يعيشها كثير من السوريين، وربما الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها عدة مناطق في سوريا احتجاجاً على رفع أسعار المشتقات النفطية تشكل أحد مظاهر رفض ذلك النمط والسياسات الاقتصادية المرتبطة به.
من الطبيعي أن تسعى أي حكومة جديدة، وخاصة عقب ظروف كارثية مثل التي مرّت بها سوريا، إلى تغيير السياسات والشروط السابقة التي ساهمت في الوصول إلى تلك الكارثة، ولكن الأهم في عمليات التغيير تلك أن تتم دراسة الظروف والتأثيرات الناتجة عن تلك التغييرات، وألا تتخذ الحكومة بمفردها قرارات التغيير تلك. ليس كافياً أن تصرح الحكومة بأن الانتقال إلى نظام السوق الحر له تأثير سلبي على الناس في البداية، وإنما المهم أن أن تحدد طبيعة هذه الآثار، وما هي الخطط والإجراءات المتخذة لمواجهتها؟ وجواباً على تلك الأسئلة يتحدد دور الدولة وطبيعتها، خاصة أن سوريا خرجت من حالة كارثية اتسمت بضعف الإنتاج وتدمير البنية التحتية وضعف المؤسسات، فضلاً عن العقوبات المفروضة متعددة المستويات.
تشير القرارات الاقتصادية إلى تغيير حاد من دون مراعاة لظروف وشروط حياة معظم السوريين، إذ يحكمها التوجه نحو جذب المستثمرين، ناهيك عن غياب الشفافية فيها، لا يتطلب الأمر خيالاً واسعاً أو مزيداً من الجهد لمعرفة واقع السوريين مع سياسة الاستثمار والاقتصاد الحر هذا، فحال السوريين اليوم يمكن التعبير عنه بكلمة واحدة تتردد على ألسنتهم، كلمة تختزل، بكل صراحة، واقعهم، وهي “استوينا”، فهي لا تعبر فقط عن حالة من الفقر، وإنما تشير إلى حالة من الإرهاق بمعناه العميق من جهة، ومن جهة أخرى لحالة الغضب التي قد تنتاب السكان ما لم يلمسوا تحسناً في حياتهم، واستمروا في العيش وسط ظروف بائسة ومتردية.
لقد حققت الحكومة نجاحات مهمة في إخراج سوريا من عزلتها الدولية، ويعود الأمر إلى الدور الخارجي الذي يأمل في استقرار الأوضاع من جهة، ومن جهة أخرى للمرونة السياسية التي تتبعها الحكومة في معالجة الأوضاع الخارجية، فضلًا عن تبنيها خطابًا سياسيًا متوازنًا. لكنها أخفقت في المقابل، على صعيد السياسة الداخلية، وخاصة الاقتصادية، ناهيك عن ضعف التواصل مع السوريين ومشاركتهم في القرارات المصيرية، وفي شرح التحديات التي تواجهها بشفافية ووضوح. وهو ما يجنبها ويجنب البلاد من الانتكاس والعودة لحالة من الفوضى أو التسلط.
كانت صرخات الناس في الاحتجاجات الأخيرة على رفع الأسعار الوقود والمشتقات النفطية أحد التجليات على بداية نفاذ الصبر لديهم، بعد مرور احدى وعشرين شهراً على سقوط الأسد. وهو تحول مهم يشير في عمقه إلى أي نوع من الدول ستصبح عليه سوريا في ظل نظامها الجديد، هل هي دولة تفرض سلطتها على الناس انطلاقاً من أنها الأعرف والأدرى بما يحقق مصالحهم، وبالتالي تمهد الطريق نحو العزلة والتسلط، أم ستكون تعبيراً عن مصالح غالبيتهم وتستجيب لتطلعاتهم؟
لا يحتاج الانتقال من نمط سياسي واقتصادي إلى آخر فقط إلى تغيير السلطة، بل إلى تغيير العلاقة بين الدولة والمواطن. ونجاح المرحلة الانتقالية يعتمد على بناء المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فلا ينبغي أن يتحول المواطنون من “رعايا” في نظام سابق إلى متلقٍين للقرارات في عهد جديد، بل ينبغي أن يصبحوا شركاء في تحديد اتجاه الدولة ومستقبلها من جهة، وأن تعتمد الحكومة الجديدة، من جهة أخرى، على قدرتها على تحويل تطلعات السوريين إلى سياسات ملموسة يشعرون بآثارها في حياتهم اليومية.
