
أكاديمي مختص في لغات الشرق القديم وآثاره.. المصدر الثورة السورية دمشق
أقامت الفنانة أصالة نصري حفلها المهيب في دمشق، في السابع عشر من أيلول 2026، بعد غياب عقد ونصف عن الوطن لتجمع السوريين، وتوقظ مشاعر الفرح التي غابت عن أرواحهم إبان فترة لم يعرفوا خلالها سوى مرارة العيش، وسطوة الرعب، ولتوثق وشائج الألفة والمحبة في قلوبهم، وتضيء أنوار التفاؤل بالمستقبل.
لا شك أن وزارة الثقافة نجحت في أداء دورها المجتمعي، فنشرت ثقافة المحبة والأمل، وهو ما يدرأ عنها غضب شريحة لم تستطع بعد أن تستوعب أن الاختلاف في جهات النظر يجب ألا يفرّق بين الناظرين إلى نجوم السماء الواعدة بالخير للجميع.
شهدت صالة الفيحاء إقبالاً جماهيرياً ضخماً وتدافع الناس ليسمعوا من الفنانة أصالة أصداء آهات قلوبهم المكلومة الفرحة في آنٍ واحد، لتتماوج مواويل الحزن والفرح على ألسنتهم التي كلّت عقداً من الزمن وهي تصرخ بنداءات البحث عن الحرية، ليبصروا دموع الفنانة أصالة لدى صعودها إلى المسرح؛ دموع الفرح وهي تهيب بالسوريّ أن “ارفع رأسك فوق، أنت سوري حر”، وتناجي أمها “قولوا يا عالم لأمّي: رجعت أصالة عالشام” وسط أضواء ولوحات بصرية تختزل رحلة هانئة في رحاب الوطن، وتشكّل هويّةً ثقافيةً جامعةً الأطياف كلّها، وترتّق التمزق الذي اختاره الأشرار كي يبقوا كابوساً يكتم أنفاس السوريين الذين يعشقون الحياة والفرح، ويعظّمون الإيمان بعدالة السموات التي تجرّب الإنسان وتمتحن صبره في كل آنٍ، وفي الوقت ذاته لا تغيب عن ردّ الظلم عنه.
ليس من المهم أن نتوقف عند المستوى الفني، فلكل ذوقه ورأيه في الفنانة، ولا أن ندقق في مبررات الخلاف حول الجدوى من الحفل، فلكل رأيه، وهو حقّه؛ بل أمام حالة أنعشت أرواح كثير من السوريين، عشاق الموسيقا عبر التاريخ. لقد كانت عودة أصالة إلى مسرح سوري عودةَ تراتيل المحبّة من أعماق فضاءات الموروث الثقافي السوري عبر العصور، من إبلا وماري وأوجاريت وجوزان، حيث ولع الإنسان السوري بحبّ الموسيقا. بها كان يروّح عن ذاته، ويبوح بخواطره، وينشر روح التآلف الجماعي.
لم تغب الموسيقا عن التاريخ السوري القديم، فقد شكلت المعارف الموسيقية جزءاً من المادة الثقافية التي تعلّم في المدارس منذ الألف الثالث ق.م، وحفظ المتعلمون أسماء الآلات الموسيقية وأجزائها، وتمكّنوا في تقنيات العزف، وتمييز الألحان، وامتحنوا فيها. وتنقل الموسيقيون في شتى أصقاعها، فجاؤوا من حلب وأقاصي الجزيرة السورية، حتى من جنوبي العراق إلى إبلا في القرن الرابع والعشرين ق.م، وأسهموا في إحياء المناسبات الاحتفالية.
وعلى ضفاف نهر الفرات الفسيحة؛ كان القصر الملكي في ماري يضجّ بأصوات عشرات المغنّين، وألحان العازفين؛ من أهلها ومن القادمين من بلاد سوبارتو شرقاً، وبلاد كنعان غرباً. وتميزت في دروبها معالم مبانٍ مخصصة لتكون معاهد تنظم دورات لتعليم الموسيقا في القرن الثامن عشر ق.م، وبرزت فرق موسيقية متكاملة تتنقل بين المعابد والساحات، لتجمع للشعب وتغني لهم، وتزرع المحبة في أرواحهم. لقد كان للموسيقا كبيرها وقائدها؛ كما الفرقة العسكرية، ولم يكن يقلّ أهمية في قدره ومكانته، بل كان ينوب عن الملك في حكم المدينة أحياناً، عندما يسير في حملة عسكرية بعيدة.
وشكّل الغناء والعزف الموسيقي جزءاً أساسياً من الاحتفالات في أوجاريت، وتمازجت في فضائها الأنغام مع أصوات أمواج البحر وتلاطمها بصخور الشواطىء، وكان “شر. يشر. شر “المغنّي يغني أغنيةً/الشاعر يشعر شعراً”، ينشد للجبل الشامخ وخضرة الطبيعة. وشهد بيت أوجاريتي بسيط في القرن الثالث عشر ق.م إبداع أقدم تدوين موسيقي كامل (نوتة) لابتهال تغنيه امرأة تشبه الفنانة أصالة في عشق الوطن الذي يستحق “رفع الرأس”.
وصوّر الفنانون التشكيليون السوريون في تلك الأزمنة السحيقة، هنا وهناك، منحوتات تصوّر مغنين وآلات ومجموعات تعزف وتغني وترقص ضمن شعائر احتفالية، للتعبير عن الفرح، بل بلغ بهم الخيال إلى تشكيل منحوتات تصوّر مجموعة كبيرة متنوعة من الحيوانات تشكل فرقة موسيقية تحمل آلاتها، وقائدها جالس على كتلة حجرية مرتفعة، وهو يحمل قيثارة.
الموسيقا جزء من روح السوري وحياته، لا ينفصم. دعوه ينعم بها، ويعوّض ما فاته إبّان سنوات القهر والإذلال، دعوا السوري يفرح بسوريا جديدة.