ملخص
بعد عقود من الوصايتين السورية والإيرانية، تبرز فرصة جديدة لإعادة بناء الدولة عبر حصر السلاح بيد الجيش، وتطبيق “اتفاق الإطار”، وترسيخ الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، واعتماد سياسة الحياد والإصلاحات. وفي المقابل، يبقى النفوذ الإيراني العقبة الأبرز أمام هذا المسار. وهنا يستحضر قرار الرئيس أمين الجميل بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران باعتباره سابقة هدفت إلى حماية سيادة لبنان.
وصل الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن في زيارة تتجاوز بكثير حدود اللقاء البروتوكولي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالمسألة لا تتعلق بصورة في البيت الأبيض، ولا ببيان دبلوماسي عن دعم لبنان واستقراره، بل تعد لحظة سياسية قد تحدد موقع البلاد لعقود مقبلة، إذ هل يبقى لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، أم يتحول أخيراً إلى دولة طبيعية، محايدة، مستقرة، تحتكر قرارها وسلاحها وحدودها؟
بعد أكثر من أربعة عقود، يعود الزمن بلبنان إلى مفترق يشبه إلى حد بعيد ذلك الذي وقف عنده مطلع الثمانينيات. تختلف الأسماء والرايات، لكن جوهر الأزمة يكاد يكون واحداً. آنذاك، حولت “منظمة التحرير الفلسطينية”، مدعومة بحلفائها في “الحركة الوطنية اللبنانية”، لبنان إلى قاعدة عسكرية وسياسية متقدمة في الصراع مع إسرائيل. فقدت الدولة سيادتها، وتراجعت مؤسساتها، وأصبح القرار الأمني والعسكري موزعاً بين تنظيمات مسلحة وقوى إقليمية تتعامل مع الأرض اللبنانية باعتبارها منصة لا وطناً.
اليوم، يؤدي “حزب الله” الدور نفسه تقريباً، وإن اختلفت المرجعية والظروف. فكما كان القرار الفلسطيني المسلح يتجاوز الدولة اللبنانية، أصبح قرار الحرب والسلم في العقود الأخيرة خاضعاً إلى حد بعيد لحسابات إيران ومشروعها الإقليمي. وكما دُفع لبنان سابقاً إلى مواجهة لم يقررها شعبه ولا مؤسساته تحت شعار “تحرير فلسطين”، دُفع لاحقاً إلى حروب وصراعات تحت شعار “المقاومة”، بينما كانت الدولة تدفع الثمن سياسياً واقتصادياً وبشرياً.
الانقلاب السوري
في عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان بهدف طرد “منظمة التحرير الفلسطينية” وإبعاد قواتها من حدودها. وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت، وانتهى الأمر بخروج ياسر عرفات ومقاتليه بحراً إلى تونس. وفي خضم ذلك التحول، برز بشير الجميل باعتباره رئيساً يحمل مشروعاً مختلفاً للبنان، من دولة مركزية، وجيش موحد، ونهاية زمن الميليشيات، وإعادة بناء العلاقات الدولية على أساس المصلحة اللبنانية لا حسابات المحاور.
لكن اغتيال بشير الجميل لم يسقط الرجل وحده، بل أصاب مشروع الدولة في لحظته الأكثر حساسية. ومع تولي شقيقه أمين الجميل الرئاسة، استمرت المفاوضات التي أدت إلى اتفاق الـ17 من مايو (أيار) 1983، والذي كان يفترض أن ينظم الانسحاب الإسرائيلي ويعيد تثبيت سلطة الدولة اللبنانية، ويفتح الطريق أمام ترتيبات أمنية تمنع استخدام لبنان منطلقاً للهجمات على إسرائيل.
مثل الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي حينها، محاولة لإخراج لبنان من الحرب وإعادته إلى النظام الدولي. غير أن حافظ الأسد قرأ في أي استقلال لبناني فعلي تهديداً مباشراً لنفوذه. فاستخدم حلفاءه في الداخل، ودعم إسقاط الاتفاق بالقوة العسكرية، وصولاً إلى انتفاضة السادس من فبراير (شباط) 1984 التي أطاحت ما تبقى من توازن الدولة، وفتحت الباب أمام ترسيخ احتلال النظام السوري السابق للبنان.
الانقلاب الإيراني
منذ تلك اللحظة، دخل لبنان زمناً طويلاً من الوصاية. لم تعد مؤسساته تصنع قرارها، ولم تعد رئاسته وحكوماته قادرة على التحرك خارج الخطوط التي ترسمها دمشق. انتهت الحرب الأهلية شكلياً، لكن الدولة لم تستعد استقلالها الحقيقي. استبدلت الفوضى المسلحة بنظام نفوذ منظم، بقي قائماً حتى اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005، وخروج الجيش السوري تحت ضغط الانتفاضة اللبنانية والمجتمع الدولي.
في ذلك العام، اعتقد اللبنانيون أن الفرصة الثانية جاءت. امتلأت الساحات بالمطالبين بالسيادة والاستقلال، وساد الاعتقاد أن لبنان يستطيع أخيراً أن يعود دولة طبيعية بعد ثلاثة عقود من الحروب والاحتلالات. غير أن المشروع الإيراني كان قد أصبح جاهزاً لملء الفراغ السوري.
في السابع من مايو 2008، استخدم “حزب الله” سلاحه في الداخل وانقلب على قرارات الحكومة اللبنانية، فاجتاح بيروت ومناطق أخرى، وفرض معادلة سياسية جديدة تحت تهديد القوة. لم يكن ذلك مجرد اشتباك أمني، بل كان انقلاباً على معنى الدولة نفسها. ومنذ ذلك التاريخ، انتقل لبنان عملياً من مرحلة الوصاية السورية إلى مرحلة الهيمنة الإيرانية، إذ أصبح “حزب الله” القوة التي تملك حق النقض على القرارات الكبرى، وتفرض على الدولة حدود حركتها الداخلية والخارجية.
ثلاثة ملفات
اليوم، يبدو أن جوزاف عون يقف أمام المحاولة الأهم منذ عام 2005، وربما الأكثر جدية منذ مطلع الثمانينيات، لإخراج لبنان من هذا المسار. ولهذا تكتسب زيارته واشنطن أهمية استراتيجية استثنائية.
فاللقاء مع الرئيس ترمب لن يكون مخصصاً لبحث مساعدات ظرفية أو دعم مالي محدود. إنه لقاء حول شكل لبنان الجديد، وموقعه في خريطة المنطقة، وحدود علاقته بإسرائيل، ومستقبل سلاح “حزب الله”، وطبيعة الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
الملف الأول سيكون تطبيق “اتفاق الإطار” الذي يفترض أن يقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي ومبرمج، يقابله انتشار كامل للجيش اللبناني وتثبيت سيطرته على الجنوب والحدود. هذه المعادلة ليست مجرد ترتيب عسكري، إنها اختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة الأرض والقرار معاً.
فالانسحاب الإسرائيلي، إن حصل من دون تفكيك البنية العسكرية الموازية لـ”حزب الله”، لن ينتج استقراراً. وسيعيد المشهد نفسه بعد فترة قصيرة، لأن المشكلة ليست في وجود الجيش الإسرائيلي وحده، بل في استمرار طرف لبناني مسلح يملك قرار فتح الجبهة وربط لبنان بالحسابات الإيرانية.
أما الملف الثاني، فيتعلق بترسيخ شراكة أمنية أميركية طويلة الأمد مع لبنان، تقوم على دعم الجيش اللبناني وتطوير قدراته، وإنشاء آلية تنسيق واضحة بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل لضمان تطبيق الاتفاق ومنع الخروق. وقد يفضي ذلك إلى صيغة أمنية ثلاثية في الجنوب، تُشرف على الانسحاب والانتشار ومراقبة الحدود.
هذه الصيغة، إذا تبلورت، ستكون مختلفة عن تجارب المراقبة الدولية السابقة التي فشلت في منع إعادة تسلح “حزب الله” أو بناء بنيته العسكرية. الجديد هنا هو الانتقال من إدارة رمادية للأزمة إلى آلية تنفيذية مباشرة، تحدد المسؤوليات وتربط أي انسحاب إسرائيلي بسيطرة فعلية للجيش اللبناني.
أما الملف الثالث، فهو الأوسع والأكثر حساسية بإعادة تموضع لبنان إقليمياً ودولياً. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب، بل إخراج لبنان من مفهوم “الساحة”. أي أن يعتمد سياسة حياد واضحة، فلا يكون منطلقاً لتهديد إسرائيل أو سوريا أو أي دولة أخرى، ولا يتحول إلى منصة لتصفية الحسابات بين إيران والولايات المتحدة أو بين المحاور المتنافسة.
هذا التحول يجب أن يترافق مع إصلاحات داخلية جدية ومكافحة الفساد وإعادة بناء القضاء والإدارة، ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي والسياسي. فلا يمكن للبنان أن يطلب دعماً دولياً واسعاً بينما تبقى منظومته الداخلية عاجزة عن حماية أموال الناس، أو إدارة المرافق العامة أو ضبط الحدود، أو فرض القانون على الجميع.
التحول العربي
الفارق الأساس بين لحظة جوزاف عون ولحظة بشير وأمين الجميل، أن البيئة الإقليمية اليوم أقل عداءً لمشروع الدولة اللبنانية. ففي الثمانينيات، كانت سوريا الأسد تملك جيشاً داخل لبنان، وشبكة واسعة من الحلفاء، وقدرة مباشرة على إسقاط أي تسوية لا تضمن نفوذها. أما اليوم، فسوريا مختلفة، ولم تعد تملك الأدوات نفسها ولا المشروع نفسه في لبنان.
كذلك، فإن الدول العربية والخليجية باتت أكثر وضوحاً في دعم استقرار لبنان وسيادته وخروجه من منطق المحاور. وقد منحت المواقف العربية الأخيرة، ولا سيما ما صدر عن “قمة المنامة” بمشاركة دول الخليج وحضور أميركي رفيع، غطاء سياسياً واضحاً لأي مسار يعيد لبنان إلى الدولة ويبعده من الصراعات الإقليمية.
هذه البيئة العربية ليست تفصيلاً. فلبنان لا يستطيع النجاة بالاتفاقات الأميركية وحدها، بل يحتاج إلى شبكة أمان عربية تعيد فتح أبواب الاستثمار والسياحة والتعاون الاقتصادي، وتمنحه بديلاً فعلياً عن الارتهان المالي والسياسي للمحور الإيراني.
إذاً، تبدو معظم الظروف أكثر ملاءمة مما كانت عليه قبل أربعة عقود، فالولايات المتحدة مستعدة لرعاية تسوية، والدول العربية تريد الاستقرار، وسوريا لم تعد في موقع إسقاط المشروع اللبناني، والداخل اللبناني منهك من الحروب والانهيار، ويبحث جزء واسع منه عن حياة طبيعية.
العقدة الإيرانية
طهران لا تنظر إلى لبنان بوصفه دولة مستقلة كاملة السيادة، بل باعتباره ركناً أساساً في شبكة نفوذها الإقليمية. وخسارة لبنان بالنسبة إليها لا تعني خسارة حليف سياسي فحسب، بل خسارة موقع عسكري متقدم على البحر المتوسط، ومنصة ضغط على إسرائيل، وأداة تفاوض في صراعها مع الولايات المتحدة والغرب.
لهذا، تحاول إيران استخدام الدبلوماسية بطريقة تضمن بقاءها داخل أي تسوية، إذ إنها تدفع نحو إنشاء ما يسمى معادلة الجبهات بين لبنان وإسرائيل، بما يسمح لها بأن تقدم نفسها حامياً استراتيجياً للبنان بمعادلات عسكرية أو ضمه لاتفاقات استراتيجية، بالتالي حماية “حزب الله” الذي أسسته وسلحته ومولته وربطته باستراتيجيتها الإقليمية.
وتدرك طهران أن قيام قناة مباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، يعني إسقاط احتكارها للملف اللبناني – الإسرائيلي. وتدرك أن تثبيت حياد لبنان سيحرمها من أهم ساحاتها العسكرية والسياسية.
أما في الداخل، فتستمر الاتهامات باستخدام الغطاء الدبلوماسي لتسهيل حركة عناصر مرتبطة بالحرس الثوري، وتوجيه “حزب الله” وتدريبه وتسليحه وتمويله. ومن الأمثلة التي أثارت جدلاً الكشف عن دخول مسؤولين إيرانيين تحت صفات دبلوماسية أو استشارية، على رغم القيود والإجراءات اللبنانية المتعلقة بنشاط عناصر الحرس الثوري.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً، هل يستطيع لبنان بناء سياسة حياد حقيقية مع دولة تستخدم علاقتها الدبلوماسية لتقويض سيادته؟ وهل يمكن اعتبار العلاقة طبيعية إذا كانت إحدى الدولتين تمول تنظيماً مسلحاً داخل الدولة الأخرى، وتربطه بقرار عسكري خارجي؟
قد تجد الدولة اللبنانية نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم كاملة لعلاقتها مع طهران. البداية يجب أن تكون بفرض قواعد واضحة بوقف كل تدخل سياسي وأمني، ومنع نشاط الحرس الثوري، وحظر التمويل والتسليح، وإخضاع العلاقات الدبلوماسية لمبدأ المعاملة بين دولتين لا بين دولة ووكيل مسلح.
إذا رفضت إيران ذلك، فقد يصبح قطع العلاقات معها خياراً سيادياً مشروعاً. ليس بدافع الانتقام، ولا في إطار اصطفاف مذهبي أو إقليمي، بل باعتباره إجراء دفاعياً لحماية الدولة اللبنانية من طرف يستخدم العلاقة الدبلوماسية غطاءً لتقويضها.
إن قطع هذا الشريان السياسي والأمني والمالي سيضع “حزب الله” أمام واقع جديد، إما التحول إلى حزب سياسي لبناني يعمل تحت سقف الدستور، أو مواجهة العزلة الداخلية والخارجية وانهيار البنية التي سمحت له بالعمل كدولة داخل الدولة.
وليس هذا السؤال جديداً في التاريخ اللبناني، ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي ومع تصاعد الدور الإيراني في تأسيس ودعم “حزب الله”، وصلت الدولة اللبنانية في عهد الرئيس السابق أمين الجميل إلى قناعة بأن العلاقة الدبلوماسية مع طهران لم تعد علاقة طبيعية بين دولتين، بل تحولت إلى قناة تستخدمها إيران لتعزيز نفوذها داخل لبنان وتقويض سلطة الدولة الناشئة.
وفي ذلك السياق، اتخذت بيروت قراراً بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، بعدما عدت أن طهران لا تتعامل مع لبنان بوصفه دولة ذات سيادة، بل كساحة لتصدير مشروعها الثوري وتوسيع نفوذها تحت شعارات دعم القضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل. وكان الهدف من القرار آنذاك حماية مشروع الدولة اللبنانية ومنع تحويل لبنان إلى قاعدة متقدمة للثورة الإيرانية أو إلى ما وصفه خصوم طهران في تلك المرحلة بـ”الجزيرة الخمينية” على شاطئ المتوسط.
الفرصة الثالثة
منذ أكثر من أربعة عقود، أتيحت للبنان فرص متكررة للخروج من الحروب والوصايات، لكن كل مرة كانت قوة إقليمية تعيده إلى نقطة الصفر. أسقط النظام السوري مشروع عام 1983، ثم أسقط النفوذ الإيراني مشروع الاستقلال بعد عام 2005.
واليوم، يقف جوزاف عون أمام الاختبار نفسه، لكن بشروط مختلفة. لديه دعم عربي أوسع، وغطاء أميركي أقوى، وبيئة داخلية أكثر إنهاكاً من الحروب، وفرصة لتحويل الانسحاب الإسرائيلي من مجرد حدث عسكري إلى بداية إعادة تأسيس الدولة.
نجاح الزيارة إلى واشنطن لن يُقاس بعدد الاتفاقات أو الصور أو البيانات، بل بقدرة الرئيس اللبناني على تحويل التفاهمات إلى مسار لا رجعة عنه، بجيش واحد، وسلاح واحد، وحدود مضبوطة، وحياد واضح، ومؤسسات تستعيد قرارها.
من بشير الجميل إلى جوزاف عون، لم تكن أزمة لبنان يوماً في غياب الفرص، بل في القوى التي كانت تمنع الدولة من استثمارها. واليوم، للمرة الأولى منذ زمن طويل، قد تكون الفرصة أكبر من قدرة المعطلين على إسقاطها.
لكن ذلك يتطلب قراراً لبنانياً حاسماً مفاده أن لا دولة مع سلاح خارجها، ولا حياد مع نفوذ إيراني داخلها، ولا سلام مع استمرار لبنان منصة لحروب الآخرين. فهل ينجح جوزاف عون في تغيير النهاية، أم يعود لبنان مرة أخرى إلى الفصل نفسه من كتاب لم يتوقف عن تكرار مآسيه؟
