
سلمان رشدي وأرونداتي روي: ضربة مفترضة تحت الحزام (اندبندنت عربية)
يقول مناصرو الكاتبة الهندية الكبيرة الأخرى أرونداتي روي، أن فوز مواطنها سلمان رشدي بجائزة “بوكر البوكر” إنما كان على حساب كاتبتهم المفضلة بسبب ما اعتبروه “ضربة تحت الحزام” متسبباً في خروجها من السباق عندما كتب مقالا أبرز فيها مواقفها السلبية من المهاتما غاندي
حدث ذلك كما يبدو في لحظة كانت فيها لجنة منح جائزة البوكر الأدبية قررت أن تمنح واحداً من كبار الفائزين بها طوال السنوات التي مرت على وجودها، ما يسمى “بوكر البوكر”، أي جائزة الجوائز احتفالاً ببلوغها سناً محددة.
ونعرف هنا طبعاً أن تلك الجائزة الأسمى قد أعطيت يومها لسلمان رشدي عن روايته الكبرى والتأسيسية “أطفال منتصف الليل” التي كانت منذ صدورها فازت بـ”البوكر” الأولى فأوصلت سمعة كاتبها إلى أعلى درجات الشهرة والمكانة الإبداعية. وهذا معروف بالطبع ومقدر، حتى وإن كان ثمة من احتج حينها لأسباب غير أدبية كما يمكننا أن نتصور.
غير أن ما ليس معروفاً ولا يزال يثير جدالاً بين الحين والآخر هو ما قاله حينها مناصرو الكاتبة الهندية الكبيرة الأخرى أرونداتي روي، من أن فوز رشدي إنما كان على حساب كاتبتهم المفضلة، والتي كانت منافسته الرئيسة على “بوكر البوكر”، فإذا به يسدد لها ما اعتبروه “ضربة تحت الحزام” متسبباً في خروجها من سباق كان يمكن لروايتها، الأولى هي الأخرى “إله الأشياء الصغيرة” (1997)، أن تفوز فيه بتلك الجائزة الكبرى.
صحيح أن كثيرين لم يخوضوا في تلك القضية، ولا سيما منهم أهل “البوكر” الجديون. غير أن المسألة تطرح بين الحين والآخر، كما هي طرحت قبل أسابيع قليلة، ولا سيما في فرنسا لمناسبة عرض التلفزة في هذا البلد فيلماً وثائقياً عن صاحبة “إله الأشياء الصغيرة”.
غاندي محور التنافس
صحيح أن الفيلم التلفزيوني نفسه وعنوانه “أرونداتي روي، كاتبة الهند المتمردة” لم يدخل في تفاصيل الحكاية، لكن عدداً من الصحافيين والمعلقين دنوا منها، وذلك انطلاقاً من سؤال بسيط: لماذا اختار رشدي، وهو المعروف بعدم تعاطفه أصلاً مع المهاتما غاندي، وعبر مقال كتبه ونشره فيما التنافس بينه وبين أرونداتي على أشده، أن يكتب تعليقاً حاداً على مواقف للكاتبة تعود سنوات إلى الوراء وتبدو اليوم منسية تماماً، تهاجم فيها غاندي وتستصغر شأنه؟ ومن أين ولماذا في لحظة التنافس الشديد بينه وبين مواطنته الكاتبة الشابة، رأى أن المفيد له أن يعود إلى تلك المقالات ما كان من شأنه أن يفقد أرونداتي بعض صدقية لدى لجنة تحكيم “بوكرية” قد لا تستسيغ تلك الكتابات تطاول قامة من طينة مؤسس الهند الحديثة وداعية كبيراً من دعاة الثورات السلمية؟
لقد كانت النتيجة بالفعل يومها، بحسب بعض التعليقات الفرنسية التي قد تبدو في هذا الإطار مفتعلة، أن أرونداتي استبعدت عن “بوكر البوكر” من دون أن يبدو أن رشدي سعى إلى ذلك!
والحقيقة أن رشدي لو سئل عن ذلك لكان استغرق في الضحك، لغرابة الطرح وافتعاليته، لكن ثمة من يعيده إلى الأذهان اليوم على أية حال، وفي وقت تصدر فيه لرشدي ترجمة فرنسية لنص جديد له عنوانه “الخنجر” يتحدث فيه عن ذلك المتطرف الذي حاول اغتياله بضربة خنجر أصابته إصابة بالغة قبل فترة، تنفيذاً للفتوى الشهيرة التي كان الإمام الخميني أصدرها ضده عقاباً له على كتابته “آيات شيطانية”، لكن نظام الملالي أعلن بطلانها دون أن يقنع المتطرفين بذلك كما يبدو، فبقيت سيفاً مسلطاً فوق رأس الكاتب، كما نعرف.
صعود كاتبة وهبوطها
مهما يكن من أمر، لا بد من القول إن حكاية التنافس المفترض بين رشدي وأرونداتي ليست موضوعنا هنا، بل الموضوع هو الفيلم الألماني الذي عرضته التلفزة الفرنسية عنها مذكرة بكم أن النجاح كان حليفها منذ روايتها الأولى التي كرستها صوتاً أدبياً هندياً كبيراً، وباللغة الإنجليزية كما حال مواطنها سلمان رشدي، بيد أن الفيلم يرينا أنه فيما واصل رشدي نجاحاته الأدبية، عجزت أرونداتي عن تكرار النجاح الذي حققته بروايتها الأوتوبيوغرافية الأولى، الرواية التي لم تفاجئ يومها محكمي “البوكر” وحدهم، بل ملايين القراء حول العالم من الذين اكتشفوا عبرها أدباً جديداً يتحدث عن أناس لم يكن ليشك في وجودهم أصلاً، وذلك من خلال حكاية الطفلة التي كانتها أرونداتي نفسها وسط بيئتها العائلية المسيحية في ولاية كيرالا، كمعادل أنثوي هندي، ولكن مسيحي، لرشدي ابن الهند المسلمة من ناحيته، علماً أن الجمهور العريض لم يكن ليعرف شيئاً عن مسلمي الهند يوم قرأ رشدي، كما أنه بقي جاهلاً كل شيء عن مسيحيي ذلك البلد حتى قرأ أرونداتي.
ولعل في مقدورنا هنا أن نقول إن التوازي بين الكاتب وزميلته ظل قائماً على الدوام، ولا سيما أن أرونداتي واصلت كتابتها من دون أن تحقق نجاحات كبيرة، لكنها واصلت بنجاح أكبر توجهاتها السياسية على العكس من رشدي الذي بدأ دائماً وفي رأي كثيرين، أقرب إلى السياسات الاستعراضية والاستفزازية منه للنضالات السياسية والاجتماعية الحقيقية.
بين كاتبة وأمها
ولئن أشرنا إلى أن سلمان رشدي قد عاد إلى الواجهة قبل فترة بكتابه “الخنجر” الذي يشكل نوعاً من آخر ما تجلى لديه من “سيرة ذاتية”، يمكننا وفي سياق حديث التوازي بين الكاتب والكاتبة، أن نشير أيضاً إلى أنها، من ناحيتها أصدرت قبل فترة كتاباً جديداً، ينتمي بدوره إلى السيرة الذاتية عنوانه “ملاذي وعاصفتي”. والملاذ والعاصفة المعنيان هنا ليسا في الواقع، سوى توصيف لأم الكاتبة المدعوة ماري روي، والتي إذا كنا قد تلمسنا بعض حضور مهم لها في رواية أرونداتي الأولى “إله الأشياء الصغيرة”، فإنها تكاد تكون هنا في الكتاب الجديد الذي صدر هذا العام، “بطلة” الحكاية من دون منازع.
لكنها وتحت قلم ابنتها، ليست “بطلة إيجابية”، بل بين بين، إذ وكما يخبرنا العنوان وبكل وضوح، إذا كانت قد عرفت دائماً كيف تكون الملاذ وبر الأمان لابنتها، في حياتها الخاصة والعامة، فإنها في الوقت نفسه كانت العاصفة التي لا تتوقف عن الهبوب عليها في لحظات مفصلية في حياتها بتسلطها وهيمنتها على مقدرات تلك الحياة على رغم أن أرونداتي نفسها تخبرنا، في الفيلم التلفزيوني الذي نحن في صدده، أنها لولا تلك الأم لما كانت تمكنت من ولوج عالم الكتابة بصورة جعلتها، كما يصفها الفيلم وبقدر كبير من التبسيط على أية حال “أيقونة من أهم أيقونات الأدب العالمي المعاصر” معتبراً ولو من طرف خفي أنها قادرة بشكل أو بآخر على أن تعتبر منافسة، ولكن ليس على قدم المساواة طبعا، لذلك الديناصور الذي باته سلمان رشدي.