لعب رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقيّ فائق زيدان دوراً أساسيّاً ومحوريّاً في توفير الغطاء القانونيّ لحكومة الرئيس علي فالح الزيديّ في تطبيق قرار تفكيك سلاح الفصائل والميليشيات المسلّحة وحصريّته بيد الدولة، باعتبارها الجهة الدستوريّة والقانونيّة الوحيدة التي تملك القرار الأمنيّ والعسكريّ في البلاد.
المشروع الذي بدأه زيدان يسبق تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة الزيديّ، والالتزامات التي أعلنتها حول إنهاء الوجود العسكريّ القتاليّ للقوّات الأميركيّة والتحالف الدوليّ، وتطبيق قرار حصريّة السلاح بيد الدولة. سبق لزيدان أن قدّم رؤية واضحة حول ضرورة استكمال عمليّة الانتقال المؤسّسيّ وتعزيز سلطة المؤسّسات الرسميّة والدستوريّة بعد تاريخ الثلاثين من أيلول، موعد تنفيذ الانسحاب الأميركيّ والدوليّ، وذلك من خلال تأكيده ضرورة التزام الفصائل والأحزاب التي تملك أجنحة عسكريّة بمبدأ حصريّة السلاح.
كلمة السّرّ
هذه الخطوة شكّلت كلمة السرّ التي منحت حكومة الزيديّ التفويض والجرأة والغطاء القانونيّ والوطنيّ للتمسّك بتطبيق مسار حصريّة السلاح. وكشفت أيضاً حجم الدور والنفوذ اللذين يتمتّع بهما زيدان ويمارسهما في العمليّة السياسيّة، فحوّلته من رئيس سلطة قضائيّة يعمل في ظلّ مبدأ فصل السلطات إلى الراعي والحامي للحكومة الجديدة، واليد الضاربة لها في مواجهة الأحزاب والقوى السياسيّة، سواء تلك المنضوية في “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ، أو “تحالف إدارة الدولة” الذي يشارك فيه ممثّلون عن جميع المكوّنات الشيعيّة والسنّيّة والكرديّة، وصولاً إلى توفير الغطاء القانونيّ والدستوريّ لحملة مكافحة الفساد، تحت عنوان “صولة الفجر”.
يعترف الكثير من السياسيّين العراقيّين، ومن ضمنهم قيادات في “الإطار التنسيقيّ” الشيعيّ، بأنّ “صولة الفجر” لم تكن لتحصل من دون إشراف مباشر من زيدان على تفاصيلها وتطوّراتها. وجّه القياديّ في “الإطار التنسيقيّ” عامر الفايز سؤالاً إلى زيدان، خلال مشاركته في اجتماع الإطار بعد إطلاق الحملة، حول مدى شمول ملفّات الفساد بقانون العفو، ولا سيما أنّ تعاون زيدان وقراراته وموافقته على الحملة ساهمت في تفكيك كلّ المعيقات القانونيّة والدستوريّة أمام الاعتقالات التي طالت عدداً من نوّاب البرلمان والإداريّين، وصولاً إلى قرار اعتقال وملاحقة عضو الإطار وأحد قادة “الحشد”، الوزير السابق أحمد الأسديّ.
تبرز أهميّة دور زيدان في العمليّة السياسيّة ومستقبلها من خلال الأحاديث الجانبيّة داخل “الإطار التنسيقيّ”، حول تحالف غير معلن بين “القاضي والرئيس”، في إشارة إلى زيدان والزيدي. فضلاً عن تحوّل القاضي إلى محور حركة دبلوماسيّة وسياسيّة دوليّة تمتدّ من واشنطن إلى طهران، وتحديداً في اللقاءات التي عقدها مع المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ للعراق وسوريا توم بارّاك، والقائم بأعمال السفارة الأميركيّة جوشوا هاريس، ثمّ رئيس البرلمان الإيرانيّ وكبير المفاوضين محمّد باقر قاليباف خلال زيارته الرسميّة للعراق أخيراً.
هذه اللقاءات لم تكن ذات طابع قضائيّ محض، خاصّة الاجتماع مع قاليباف، الذي لا يملك صلاحيّة البحث في مسائل تخصّ السلطة القضائيّة في بلاده. ما يعني أنّ الحوار بين المسؤول الإيرانيّ وزيدان كان ذا طابع سياسيّ، يرتبط بالتطوّرات المتّصلة بحصريّة السلاح والتعامل مع الفصائل، في ظل توجّه عراقيّ لإدراج هذه الفصائل تحت قانون مكافحة الإرهاب في حال رفضت تسليم سلاحها بعد تاريخ 30 أيلول الجاري.
إذا ما كانت هذه القاعدة تنطبق على الجانب الإيرانيّ، فإنّها تنطبق أيضاً على الحوارات مع الجانب الأميركيّ، باستثناء إمكانيّة أن تكون الإجراءات القضائيّة الخاصّة بحملة مكافحة الفساد جزءاً من حوار زيدان مع بارّاك، لأنّ الحملة تشكّل حلقة أساسيّة من الشروط الأميركيّة لدعم حكومة الزيديّ والعراق في المرحلة المقبلة.
دور القاضي في تسمية الرّئيس
دور زيدان السياسيّ ليس مستجدّاً. إذ سبق له أن لعب أدواراً أساسيّة ساهمت في تشكيل العمليّة السياسيّة، خاصّة ما يتعلّق بتفسير مفهوم “تشكيل الكتلة الكبرى” في البرلمان، التي تملك حقّ تسمية رئيس الوزراء. وقد قدّم أكثر من تفسير لهذا المفهوم بناءً على معطيات المرحلة، وصولاً إلى دوره في تسمية عليّ فالح الزيديّ لتولّي رئاسة الوزراء من خارج صندوق “الإطار الشيعيّ التنسيقيّ”، بغضّ النظر عن إخراج تلك التسمية كنتيجة تفاهم وتسوية بين قطبَي “الإطار”، المرشّح زعيم ائتلاف دولة القانون والأمين العامّ لحزب الدعوة نوري المالكي، ورئيس الوزراء السابق وزعيم ائتلاف التنمية والإعمار محمّد شيّاع السودانيّ.
كان طابع لقاء زيدان مع رئيس السلطة القضائيّة الإيرانيّة محسني إيجئي خلال زيارته طهران، بروتوكوليّاً، في حين أنّ البعد السياسيّ كان أكثر وضوحاً وأهميّة، في اجتماعه مع رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان، ومع أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ محسن رضائي.
حظيت زيارته باهتمام إيرانيّ واسع، على عكس زيارة الزيديّ التي قام بها مباشرة بعد زيارته لواشنطن. ما يعني أنّ الجانب الإيرانيّ أدرك عمليّاً الجهة التي يجب أن يتحاور معها ضمن التركيبة العراقيّة الجديدة، حيث يُعتبر زيدان في هذه المرحلة رجل العراق الأوّل، خاصّة إذا ما أُخذت زيارته للعاصمة السوريّة دمشق بعين الاعتبار، في ظلّ أهميّة الانفتاح العراقيّ على دمشق في سياق جهود بغداد لتنويع خياراتها الاقتصاديّة وطرق تصدير النفط.
ملفّ حصريّة السّلاح
كان ملفّ تطبيق قرار حصريّة السلاح وتفكيك الميليشيات المادّة الأساسيّة في مباحثات زيدان مع الجانب الإيرانيّ، خاصّة مع بدء العدّ التنازليّ لتنفيذه، لأنّه معنيّ، أكثر من غيره، وحتّى أكثر من أحزاب وقوى “الإطار التنسيقيّ”، بالتعاون مع الجانب الإيرانيّ لبحث سبل هذه المسألة التي تعتبرها طهران استهدافاً لها في ظلّ حربها المفتوحة مع واشنطن.
وبالتالي، فإنّ العبء الأكبر في البحث عن مخارج يقع على عاتق زيدان، سواء من خلال إعادة تمرير قانون “الحشد” في البرلمان (وهو مشروع قانون خلافيّ جرى تجميده سابقاً في البرلمان بسبب رفض قوى سنّيّة وكرديّة له، باعتباره يكرّس ازدواجيّة السلطة الأمنيّة)، أو في وضع استراتيجية بالتنسيق مع رئيس الوزراء لتمديد قرارات الحكومة سنتين تتّضح خلالها مسارات المعادلات الإقليميّة ومصير الصراع بين طهران وواشنطن.
يُذكر أنّ الزيديّ عُيّن قاضياً عام 1999، وتولّى رئاسة محكمة التحقيق المركزيّة لمكافحة الإرهاب عام 2005، ثمّ عُيّن عضواً في محكمة التمييز الاتّحاديّة عام 2012، فنائباً لرئاستها عام 2014، فرئيساً لها عام 2016، ليتولّى تلقائيّاً رئاسة مجلس القضاء الأعلى عام 2017 بعد صدور قانون خاصّ ينصّ على جمع المنصبين (رئاسة محكمة التمييز ورئاسة المجلس) بيد شخص واحد، وهذا الدمج بالذات يُعتبر من الأسباب الجوهريّة لتركّز السلطة القضائيّة بيده.
