حين أغلقت اتفاقية أربيل، في تشرين الثاني 2010، ثمانية أشهر من الانسداد السياسي إثر الانتخابات التشريعية، بدا أنّ العراق خرج من أطول أزماته السياسية حتى ذلك الحين بصيغة تحفظ للجميع مكانًا، في ولاية ثانية لنوري المالكي، التي حصل عليها مقابل تعهدات بالشراكة والتوازن والتوافق. وقد تتبّع الجزء السابق من هذه الشهادة كيف صيغت تلك التسوية، ومن رعاها. أما هذا الجزء من الشهادة فيبدأ من حيث تبدأ الولاية الثانية: ماذا بقي من التعهدات حين جلس المالكي على كرسيه للمرة الثانية؟
ولاية ثانية تبدأ بنقض العهود
على طاولة أربيل، في تشرين الثاني 2010، وبعد ثمانية أشهر من انسداد في تشكيل الحكومة كان الأطول حتى ذلك الحين، جلس نوري المالكي بين شركائه وخصومه وكأنه رجل طوى صفحة ولايته الأولى. هكذا يستعيد فخري كريم المشهد، فالمالكي ظهر في الاجتماع الذي عقد استجابة لمبادرة رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني كما لو أنه صار بالفعل “بديل المالكي المتعسف الأول”، ذلك البديل الذي ظل الرئيس جلال الطالباني “يمني النفس” بأن يصير إليه، متجاوزاً ما يسميه كريم “سويته الأولى التي كانت تؤشر إلى المزيد من التفاقم والانحدار نحو المواجهة”.
غير أنّ الملامح، في رواية كريم، كانت تقول شيئاً وسجل الرجل يقول شيئا آخر. يقول: “كاد مظهره وتعبيرات ملامحه يوهمان من كان يجلس معه في الاجتماع بأنه قابل لتجاوز صورة مشروع مستبد، والاتعاظ بدروس تجربة ولايته الأولى بكل ما انطوت عليه من سلبيات وتقاطع مع موجبات الدستور والشراكة الوطنية”. مع ذلك لم تبدد الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء ريبة كامنة، إذ ظل يخيم عليها، بتعبيره، “عدم يقين من إمكانية تغيير في شخصيته يجسد ما تطمح إلى تحقيقه الأطراف والقيادات المجتمعة”.
دخل المالكي ولايته الثانية محملاً بحصيلة الولاية الأولى كاملة، من غير أن تصفى تلك الحصيلة بإجراء ملموس قبل التجديد له
لم يكن هذا الارتياب، كما يشرحه كريم، حدساً بطباع الرجل بقدر ما كان قراءة في سجل مواقفه، فـ”مظاهر ممارساته الإقصائية، المعبّرة عن نزوع نحو الانفراد باتخاذ القرارات المصيرية منتهكاً الدستور والتوافقات السياسية، لم تعالج بتدابير وقرارات تنفيذية لتصفية آثار تلك المظاهر والممارسات”. بهذا المعنى دخل المالكي ولايته الثانية محملاً بحصيلة الولاية الأولى كاملة، من غير أن تصفى تلك الحصيلة بإجراء ملموس قبل التجديد له، ولم يكن في يد الشركاء سوى تعهدات على الورق.
يضيف كريم أنّ تلك الحصيلة كانت معروفة للجميع قبل التجديد له: “كانت التحالفات الانتخابية كلها تدور حول محور واحد: تغيير الاصطفاف الحكومي، ومنع عودة المالكي شخصياً إلى رئاسة الحكومة، انطلاقاً من تقييم تجربته في الدورة الأولى، وما كان يشخصه خصومه من نزوعه الفردي في إدارة الحكومة، وميله إلى الهيمنة على مصادر القرار في شتى مرافق الدولة وإحكام سيطرته عليها، وعزل الآخرين وتهميشهم. ولم يقتصر الصراع على منافسيه من خارج تحالفه، فقد شمل قوى التحالف الوطني نفسه – الإخوة الأعداء، مما عقد المشهد إلى أبعد الحدود”.
من هنا كانت التعهدات نفسها موضع ريبة منذ لحظة توقيعها. يقول كريم: “كان موقفه، وما يقدمه من التزامات، وما يوقعه من اتفاقات وتعهدات برنامجية، مثار شك وتساؤل، يوحي بأنه لن يفي بالتزاماته، ولن يتصرف بطريقة مختلفة عن ولايته الأولى”.
91 مقعداً لقائمة العلاوي و89 مقعداً لقائمة المالكي
أفضت الانتخابات النيابية في 7 آذار 2010 إلى تقدم القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي بواحد وتسعين مقعداً، على ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي الذي حاز تسعة وثمانين مقعداً، ودخلت البلاد بعدها في انسداد امتد ثمانية أشهر. وفي 8 تشرين الثاني، استضاف مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان، اجتماعاً لقادة الكتل السياسية في أربيل، قبل أن تستكمل المفاوضات في بغداد، وتفضي في 10 تشرين الثاني 2010 إلى اتفاق لتقاسم السلطة، عرف باتفاقية أربيل.
نص الاتفاق، كما تقدم في الجزء السابق من شهادة فخري كريم، على تشكيل حكومة شراكة وطنية، واستحداث المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية برئاسة علاوي ليكون موازناً لصلاحيات رئيس الوزراء، ووضع نظام داخلي لمجلس الوزراء، ورفع قيود الاجتثاث عن ثلاثة من قادة العراقية هم صالح المطلك وراسم العوادي وظافر العاني. وإلى جانبه ورقة مطالب من تسع عشرة نقطة قدمها التحالف الكردستاني ووافق عليها المالكي، وهي الورقة التي سيعود إليها قادة لقاء أربيل التشاوري في نيسان 2012.
في جلسة 11 تشرين الثاني أعاد مجلس النواب انتخاب جلال الطالباني رئيساً للجمهورية، وانتخب أسامة النجيفي رئيساً لمجلس النواب، فيما انسحب نواب العراقية من الجلسة احتجاجاً على عدم التصويت أولا على رفع قيود الاجتثاث، ثم عادوا بعد يومين.
أما المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية، الذي كان مقرراً أن يرأسه إياد علاوي، فلم ير النور. فقد تعثر الاتفاق على صلاحياته، بين من أراده هيئة مؤثرة في رسم السياسات العليا، ومن سعى إلى حصر دوره في المشورة، قبل أن ينتقل الخلاف إلى مجلس النواب ويعطل إقرار القانون الخاص به.
صار الشك يقيناً
أما المبادرة نفسها، فيقرأ كريم مآلها على هذا النحو: “انتهت مبادرة البارزاني إلى تحقيق هدفها المباشر الظاهري، أي إعلان حكومة الشراكة الوطنية، من دون أن تحقق جوهرها. كانت المبادرة تستهدف إنجاز عقد وطني يعيد صياغة مفاهيم الشراكة والتوافق والمصالحة وأسس إدارة الدولة، وكل ما له صلة ببناء دولة المؤسسات والحريات والمواطنة، بما يؤدي إلى تجاوز المرحلة الانتقالية التي رسمها الدستور، على علاته”.
لم يطل الوقت حتى صار الشك يقينا. يقول كريم: “وتأكد غياب اليقين هذا بعد تشكيله الحكومة وأدائها القسم الدستوري، إذ بدأ يظهر يوما بعد آخر تنصله مما وقع عليه ووافق على الالتزام به.. ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى بدأ يظهر على حقيقته (مختارا) لأسوأ حقبة تاريخية شهدها العراق بعد إسقاط الطاغية”.
يصف كريم الحكومة التي نالت ثقة البرلمان في 21 كانون الأول 2010 بلا وزراء للداخلية والدفاع والأمن الوطني: “ولدت حكومة المالكي الثانية ولادة عسيرة، تحيط بها الشكوك والقبول الممتنع بالشراكة، وبقيت بسبب ذلك ناقصة في أهم مفاصلها – الوزارات الأمنية – فجاءت تشكيلة هزيلة حملت معها عناصر فشلها”.
استمر الخلاف على تسمية الوزراء الأمنيين خلال الأشهر التالية، قبل أن يكلف المالكي، في آب 2011، وزير الثقافة سعدون الدليمي بتولي وزارة الدفاع بالوكالة، بعد تعثر التوافق على مرشح أصيل للمنصب. وجاء التكليف ليكرس استمرار إدارة إحدى أهم الحقائب السيادية بالوكالة، وسط اعتراض القائمة العراقية على تجاوز مرشحيها للوزارة.
إذا كانت بوادر النكوص قد ظهرت في الأشهر الأولى، فإنّ الشهادة ترصد في موضع آخر لحظة تحولها إلى نهج معلن؛ ففي السنة الثانية من الولاية، كما يقول كريم، بدأ يظهر في نهج المالكي وما يتخذه من تدابير “تراجعه عن تعهداته البرنامجية والالتزامات والاتفاقات التي أبرمها مع الجميع في مبادرة أربيل 2010″، ثم “طفا إلى سطح الأحداث انفراده في اتخاذ قرارات استراتيجية من وراء ظهر كل الفرقاء، مخالفا بذلك الدستور”، إلى جانب “الأوضاع الشاذة التي تعاني منها المؤسسات الحكومية التي تدار بالوكالة”.
يضرب كريم مثلاً على ذلك: “اتفق في أربيل على اعتماد نظام داخلي لمجلس الوزراء، لكنه ركن جانباً بعد توزيع المناصب الوزارية وتقاسم مغانم السلطة، وجرى تجيير الصلاحيات التي كفلها الدستور لمجلس الوزراء لشخص رئيس الوزراء. ولم تكن المشكلة في شخصه وحده، وإنما في غياب الضوابط والأطر التي تدار بها الدولة، وإن كان لصفاته الذاتية جانب مهم في تكريس الانفراد بالحكم”.
كانت الحريات العامة والخاصة أول ما دفع ثمن هذا النكوص؛ فرئيس الوزراء، بعبارة كريم، نسي كل ما تعهد به، ونقض كل التزام وقع عليه”، وأخذ الشارع العراقي يشهد ما لم يكن في حسبان من صدقوا ملامح الاتفاق في أربيل.
“بغداد لن تكون قندهار”.. الحريات أول الضحايا
لم يكن على العراقيين أن ينتظروا طويلاً ليروا الوجه الآخر لوعود أربيل. ففي رواية فخري كريم، كان الشارع أول ساحة لهذا النكوص، إذ بات المالكي “ينتهك على نحو سافر الحريات العامة والخاصة في الشارع العراقي في أغلب المحافظات، بدءا بالهجوم على الحلاقين، والاعتداءات على المواطنين، وعمليات الاغتيال والتغييب، ومنع الخمور، وغيرها من الإجراءات المنافية لمبادئ الدستور دون أي تحفظ”.
في تلك الاوقات بدأت السلطة تمد يدها إلى الحياة الخاصة للناس. وكانت بوادر ذلك قد ظهرت في بغداد في الأسابيع الأخيرة من 2010، حين أغلقت السلطات المحلية النوادي الليلية ومنعت بيع الخمور، فخرج نشطاء ومثقفون إلى الشارع محتجين في الثالث من كانون الأول ذاك العام.
ويقول كريم عن تلك الحملات: “كانت تجري باسم مجلس محافظة بغداد، وتستخدم فيها آليات الشرطة والجيش ضد المواطنين، ومنهم المسيحيون ونواديهم. وشهد شهود من أهل المكان بأنهم تعرفوا على منفذيها، بهوياتهم وأشخاصهم، ومع ذلك لم تسفر تحقيقات اللجان حتى عن تسجيل الجرائم ضد مجهول. تشكلت اللجان، ثم طواها النسيان”.
عند هذا الحد قرر كريم أن يرد بما يملك. يقول: “كنت خارج العراق حينها، فاتصلت بإدارة مؤسسة المدى، وقلت لهم: لن تناموا الليلة. يجب أن تتكرس كل جهود العاملين لإنجاز لافتات تغطي كل لوحاتنا الإعلانية في بغداد، تحمل شعاراً واحداً: بغداد لن تكون قندهار”. وكانت الغاية، كما يشرحها، أن يراها العراقيون “وهم يستيقظون صباحاً معلقة أينما مروا، ليعرفوا أي إجحاف وانتهاك وتجاوز يتعرضون له، وأي مستقبل يراد له أن يتكرس، وأي خطر يتهدد مدينتهم بغداد بمحاولة تحويلها إلى صورة أخرى من قندهار، “قاع” الانحطاط والتخلف الأفغاني”.
باتت المظاهر العاكسة لنهج المالكي وما ينويه، بأن الأمور تسير لا محالة في اتجاه المزيد من الانحدار
ظهرت اللافتات فعلا في شوارع بغداد أواخر كانون الأول 2010، في الأيام نفسها التي نالت فيها حكومة المالكي الثانية ثقة البرلمان. واختيار الشعار كان مقصودا.. واكتسب الشعار دلالته من استحضار مدينة قندهار الافغانستانية، التي كانت معقلا لحركة طالبان، باعتبارها رمزا لسلطة دينية تصادر الحريات الشخصية وتفرض قيودا على حياة الناس.
اعتقال أربعة طلاب
غير أن اللافتات لم توقف المسار. يقول كريم: «ثم تتابع مسلسل قضم الحريات والتجاوز على الحقوق، وإشاعة الإرهاب المبطن بعباءة الدفاع عن القيم والتقاليد الإسلاموية المذهبية”.
وبلغ ذلك المسار حد “التغييب” الذي يتحدث عنه كريم؛ ففي 27 أيار 2011 اقتيد أربعة طلاب من منظمي الاحتجاجات من قرب ساحة التحرير. يقول: “اختطف الشبان الأربعة ظهر الجمعة، وسيقوا في سيارة إسعاف إلى موقع عسكري أمني مجهول، ثم أعلنت ضدهم ثلاث تهم بالتتابع أمام الكاميرات: شتم المسؤولين، ثم التحريض على العنف، وأخيرا حمل هويات أحوال مدنية مزورة! وكان رئيس الوزراء بمنأى عن هذا كله، وهو ما أثار قلقا مضاعفا: فإن كانت تلك التحركات تجري دون علمه وعلم مكتب القائد العام للقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية كلها مرتبطة به في غياب الوزراء الأمنيين، فمعنى ذلك أن ثمة أيادي خفية لا ضابط لها”.
كان النشطاء الأربعة الذين اعتقلوا في 27 أيار 2011 هم جهاد جليل، وعلي الجف، ومؤيد فيصل، وأحمد البغدادي. ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن رجالاً بملابس مدنية، بمساعدة عناصر أمنية، اعتقلوهم قرب ساحة التحرير، ونقلوهم بسيارة إسعاف إلى جهة احتجاز. وظلت عائلاتهم تجهل أماكن وجودهم، قبل الإفراج عنهم في 7 حزيران 2011، بعد أحد عشر يوما من اعتقالهم. وأكد النشطاء الأربعة للمنظمة استخدام سيارة الإسعاف في نقلهم من موقع الاحتجاج.
سيعود كريم إلى هذه الوقائع بتفصيل أكبر، ومنها ما يذكره من إغلاق نادي اتحاد الأدباء والنوادي الاجتماعية، حين يعرضها على قاسم سليماني في طهران، على ما يرد في جزء لاحق من الشهادة.
يختم كريم هذا الخيط بعبارة تختصر مسار الاحداث: “استمر هذا التصعيد وتراكم، وصولاً إلى طرح قضية سحب الثقة”. فمن الشارع بدأ النكوص، وإلى قبة البرلمان سيصل الصراع عليه.
من “اصبر علي” إلى شاشة “الحرة”
كان فخري كريم يقف في تلك المرحلة على حد دقيق بين موقعين: مؤسس “المدى” الذي لا يملك أن يسكت عما يجري، وكبير مستشاري رئيس الجمهورية الذي تحسب كل كلمة يقولها على الرئاسة. وإذا كانت لافتات المدى قد خاطبت الشارع، فإن كريم اختار في تعامله المباشر مع المالكي طريقا أكثر تحفظاً. يقول: “كنت طوال تلك الفترة حريصاً على الحفاظ على مساحة من التهادن، احتراماً لما تتطلبه التقييدات الرئاسية، وعدم إحراج الرئيس”.
يضيف: “اكتفيت، من دون انقطاع، بتحذيره ودياً قدر المستطاع من عواقب ما يجري، طوال الفترة التي سبقت تماديه في انتهاك حرمات المواطنين في بغداد”. وكانت تلك التحذيرات، كما سيقول لاحقاً في طهران، عبر لقاءات مباشرة “بتكليف من الرئيس”، واتصالات هاتفية يطالب فيها المالكي التراجع عن نهجه. غير أنّ الجواب كان واحداً في كل مرة: “وكان يكرر لي جوابه المعهود بتطمين مخاتل: اصبر علي.. اصبر علي”.
المفارقة أنّ فخري كريم سيسمع الطلب نفسه، بصيغة أخرى، من قاسم سليماني: أن يصبر الجميع على المالكي. ثم جاءت لحظة الانتقال من الهمس إلى العلن. يقول: “ازددت يقيناً، بعد أن باتت المظاهر العاكسة لنهج المالكي وما ينويه، بأن الأمور تسير لا محالة في اتجاه المزيد من الانحدار، مما دفعني إلى الانتقال إلى فضح ما يدور علنا عبر كل وسائل الإعلام”.
أفضت الانتخابات النيابية في 7 آذار 2010 إلى تقدم القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي بواحد وتسعين مقعداً، على ائتلاف دولة القانون
تظاهرات شباط 2011
يحدد كريم تلك اللحظة: “جاءت بعد تظاهرات 25 شباط 2011. اكتشفنا يومها أنّ الدولة التي كنا نتحدث بثقة عن أنها ما تزال في طور التكوين قد اكتمل تكوينها، لكنها بدأت من حيث تنتهي دولة الاستبداد: فرق لمكافحة الشغب، وأرتال مدججة بالسلاح الحي في مواجهة متظاهرين عزل جلهم من الشباب، ومنع للتجول، وطرق مقطوعة بالجدران الكونكريتية، وإعلام رسمي يسخر من الشباب ويحط من كرامة المتظاهرين.
قادت القوات المؤتمرة بأمر القائد العام أربعة صحفيين، معصوبي الأعين، إلى أقبية هي مقرات لبعض قوات القائد العام للقوات المسلحة، وهناك عذبوهم بالكهرباء، كما كان يفعل جلاوزة البعث. يومها أعلنت براءتي من هذه السلطة، حتى تتخذ التدابير القانونية والسياسية الكفيلة بمعاقبة الجناة ومن يقف وراءهم”. وكان الصحفيون الأربعة هم علي عبد السادة من (المدى)، وحسام السراي وعلي سميران من (الصباح)، وهادي المهدي من إذاعة ديموزي. وقد وثقت لجنة حماية الصحفيين اعتقالهم في 25 شباط 2011، فيما نقلت تقارير صحفية شهاداتهم عن تعرضهم للضرب والتعذيب والتهديد بالقتل أثناء الاحتجاز. وسيكون هادي المهدي، الذي اغتيل في منزله يوم 8 أيلول من العام نفسه، واحدا من أبرز ضحايا العنف الذي استهدف الصحفيين والناشطين في تلك المرحلة.
في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي الذي بلغ ذروته في تظاهرات 25 شباط، أعلن المالكي بعد يومين، في 27 شباط 2011، منح وزراء حكومته مهلة مئة يوم لتحسين الأداء وتقديم الخدمات ومكافحة الفساد، متوعداً بإجراء تغييرات على أساس نتائج التقييم. لكن المهلة التي انتهت في 7 حزيران لم تفض إلى التغييرات الموعودة، إذ عاد المالكي ليطلب مزيدا من الوقت، وسط استمرار الاحتجاجات والانتقادات لأداء الحكومة.
ولدت حكومة المالكي الثانية ولادة عسيرة، تحيط بها الشكوك والقبول الممتنع بالشراكة
لم يغلق كريم الباب كله، حتى بعد تلك القطيعة. يقول: “كان المالكي يرى في الزمن عوناً له على عبور أزمته. يرى مظاهر التفكك في الكتل الكبيرة، وتراجع نفوذ زعامات مؤسسة فيها، والصراع الخفي بين قياداتها، ويبالغ في تقدير الأوراق التي يملكها بين يديه. وقلت في نيسان 2011 إنّ باب الفرج ما زال مفتوحاً، وأول من يمكنه أن يلجه هو المالكي نفسه، إن شاء: أن يعلن صراحة التزامه ببناء الدولة الديمقراطية المدنية، وأن يتحول من خيار الحزب إلى شروط رجل الدولة، وأن يشرع دون مهادنة في كشف ملفات الفساد بدءا بحزبه وقائمته وحاشيته وآل بيته، وأن يتخلص من الميل إلى الانفراد والهيمنة والإقصاء. وكان السؤال: هل هو قادر على تجاوز ذاته، وإعادة تشكيل صورته من سلطوي حزبي إلى رجل دولة”؟
المجاهرة عبر الشاشة
كانت أولى محطات هذه المجاهرة على الشاشة من نيويورك، تلك المدينة الأميركية التي كان كريم يزورها رسميا برفقة رئس الجمهورية، يقول: “في مقابلة مع قناة الحرة من نيويورك، حيث كنت مع الرئيس لحضور الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، تناولت للمرة الأولى وبمنتهى الوضوح ما ينتظر البلاد من بلاء ومخاطر إذا لم تنجح مساعي كبح المالكي ووضع حد لنهجه وتصرفاته الكيفية المنافية لكل ما جرى عليه الاتفاق عشية تشكيل الحكومة”. ذلك كان في أيلول 2011، في الدورة الوحيدة من الولاية الثانية التي ألقى فيها الطالباني كلمة العراق أمام الجمعية العامة.
يروي كريم: “وتجنبا للالتباس، أشارت القناة، بناء على طلبي، بتنويه أسفل الشاشة إلى أن ما أقوله يمثل رأيي الشخصي، ولا علاقة لرئاسة الجمهورية به”. ولم يكن التنويه احتياطا شكليا؛ إذ “جاءت ملاحظتي تلك ردا على شكوى السيد المالكي علي عند الرئيس من أنني أهاجمه باسم الرئاسة، بصفتي ممثله الشخصي وكبير مستشاريه”.
أما مادة المقابلة فلم تقف عند العموميات. يقول: “وتناول الحوار في اللقاء المذكور المجموعة المحيطة به، وما تقوم به من نشاطات لافتة تدخل في باب الفساد وإساءة استخدام السلطة، واستثناء كبار الضباط المشمولين بالاجتثاث من هيئة المساءلة والعدالة، والرتب العسكرية التي باتت تباع، والتعيينات الاعتباطية خارج الضوابط والتوازن، لأغراض حزبية وانتخابية”.
ويضيف: “فالحكومة كانت تضع عشرات البعثيين المشمولين بالاجتثاث في أخطر المراكز الأمنية والعسكرية”.
في المقابلة نفسها فتح كريم الملف الأكثر حساسية: “ومن بين الانتهاكات الفضائحية، تناولت سلوك ولده أحمد وابن أخته فائز في القضية التي عرفت – في حينها – باسم رجل أعمال معروف”. وهي القضية التي يفرد لها كريم واحدا من أطول مقاطع شهادته، ويكشف فيها كيف تحولت السلطة إلى شأن عائلي.
ومن تلك القضية يبدأ الجزء الثاني عشر من الشهادة.
*سياسي وكاتب عراقي
