ملخص
تتصاعد موجات الغضب والاحتجاجات في أوروبا بفعل الغلاء والبطالة وأزمة السكن وتراجع الثقة بالمؤسسات، وسط مخاوف من انتقال الاضطرابات إلى بريطانيا التي تعاني بدورها احتقاناً اجتماعياً وسياسياً متزايداً. ومع اتساع نفوذ التيارات المتطرفة وتصاعد التحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد تكفي حادثة واحدة لإشعال اضطرابات واسعة في بلد اعتاد الاحتكام إلى البرلمان، لكنه بات أكثر ميلاً إلى الاحتجاج المباشر.
فرنسا ملتهبة. فهل تصل الاحتجاجات إلى المملكة المتحدة؟
هل يحدث ذلك هنا؟ في الواقع، بدأت موجات أعمال الشغب التي هزت فرنسا خلال الأيام الأخيرة تنتشر بالفعل عبر أوروبا.
فاستُخدمت مدافع المياه والغاز المسيل للدموع في ميلانو خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث دانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني “المشاغبين” الذين دمروا المدينة. وفي بروكسل، اشتبك المتظاهرون مع الشرطة بعد أن “ألهمتهم” إلى حد ما الأحداث التي وقعت في فرنسا، وتظاهر الآلاف في البرتغال، فيما خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في مدن إسبانية من بينها مدريد وفالنسيا وبرشلونة.
كل حالة من هذه الحالات فريدة من نوعها من ناحية الاختلاف الكبير في الظروف المحلية، لكن شكاوى المحتجين تتضمن في غالبها عناصر مشتركة: شباب يكافحون في سبيل تلقي التعليم وإيجاد فرص عمل، وارتفاع أسعار المساكن إلى درجة تفوق قدرة المواطنين، والغلاء المعيشي، ولا سيما بالنسبة إلى الوقود والكهرباء، وفساد المؤسسات الرسمية، وقضية الهجرة، وقلق المزارعين على مستقبلهم، وقضية غزة، والشعور العام بأن المسارات الديمقراطية المعتادة تخذل الشعب ولا تخدم المصلحة الوطنية بطريقة أو بأخرى.
ومن هنا يأتي اللجوء إلى التظاهر في الشوارع والعنف، سواء من جانب المتظاهرين أو الشرطة أو كليهما. ومن الممكن أن تجمع هذه الاحتجاجات، ولو موقتاً، أطرافاً متباعدة على نحو لافت، كما يحدث في فرنسا، حيث انضمت حركة “السترات الصفراء” التي تُعد عادة من الحركات الرجعية، إلى ناشطين من “اليسار المتطرف”. كما باتت موجات الاضطرابات أطول أمداً وأكثر استمراراً.
على البريطانيين ألا يشعروا بأنهم استثناء أو أن ينظروا بتعالٍ إلى ما يجري، وهم يشاهدون فرنسا تحترق، والحكومة الإسبانية تسقط، و”المجرمين”، كما تسميهم جورجيا ميلوني، يعيثون خراباً في ميلانو. فبعض الظروف التي تمهد لمثل هذه الاحتجاجات في المدن موجودة بوضوح في بريطانيا، وتسببت بالفعل في اضطرابات خلال الأعوام الأخيرة.
ربما كانت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين “سلمية في الغالب” على حد التعبير الملطف، لكن كثيراً من اليهود عدّوها مصدر تهديد، ووقعت بالطبع هجمات معادية للسامية حظيت باهتمام واسع وأسفرت عن سقوط قتلى.
وينبغي ألا ننسى موجة العنف العنصري التي اجتاحت أجزاء واسعة من البلاد عقب مقتل الأطفال في ساوثبورت على يد أكسل روداكوبانا، وهو مرتكب جريمة قتل جماعي تبيّن لاحقاً أنه ليس “مهاجراً غير نظامي” ولا مسلماً على الإطلاق. ومع ذلك، استمرت أعمال الشغب حتى بعد اتضاح هذه الحقيقة. وهو أمر عبثي تماماً.
في الوقت الحالي، يشهد الساحل الجنوبي في إنجلترا احتجاجات متفرقة، ويبدو لي أن جماعات اليمين المتطرف الملثمة التي تجوب بلدات ومدن إنجلترا، تسعى إلى إثارة المشكلات والصدام مع السلطات.
كما لدينا هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم “وطنيين” ويشوهون أحياء بأكملها بربط الأعلام بأعمدة الإنارة – وهي أعلام يصبح شكلها في النهاية أشبه بخرق بالية – ويبدو أنهم عازمون على استفزاز سكان المنطقة الذين لم يطلبوا قط تزيين شوارعهم بهذه الطريقة، ولا أن يُسمّوا خونة لمجرد أنهم يفضلون عدم وجود الأعلام على الأعمدة.
يقبع ما يقارب مليون شاب بريطاني، من مختلف الأعراق والخلفيات الاجتماعية، بلا عمل ولا تدريب ولا تعليم مستمر ولا أمل. وأمامنا بذلك بؤرة من العجز واليأس يسهل على اليمين المتطرف واليسار المتشدد وحتى الجماعات الإرهابية والإسلاموية استغلالها. في الواقع، إذا ما نظرنا إلى خلفيات الأشخاص الساخطين الذين انتهى بهم المطاف بالتخطيط لهجمات إرهابية، نجد أن مثل هذه العملية كانت تتطور في الخفاء لوقت طويل.
ولم يمضِ وقت طويل منذ أن شهدت بريطانيا ما يقارب الانهيار التام للقانون والنظام، خلال أعمال الشغب والنهب والحرق العمد التي اندلعت عام 2011. وأشعل فتيل تلك الأحداث إطلاق الشرطة النار على رجل من أصول عرقية مختلطة في لندن، فيما غذاها الشعور بالظلم الاجتماعي وتداعيات سياسات “التقشف” الرسمية. ويضاف إلى ذلك تاريخ بريطانيا الحافل بالاضطرابات، بدءاً من “ثورة الفلاحين”، مروراً بحركة “اللوديين” (محطمي الآلات) و”الميثاقيين” ومذبحة “بيترلو”، وصولاً إلى أعمال الشغب العرقية خلال خمسينيات وثمانينيات القرن الـ20 وما تلاها، وإضرابات عمال المناجم واحتجاجات الوقود عام 2000 التي قادتها في الأساس شرائح من صغار أصحاب الأعمال والطبقة الوسطى ونجحت في تحقيق مطالبها. ولا ينبغي أيضاً نسيان العداوات التاريخية التي أدت إلى سنوات “الاضطرابات” الطويلة في إيرلندا الشمالية، والتفجيرات التي شهدها البر البريطاني الرئيس. وهي ذكريات لم تُنسَ بالتأكيد في “درومكري”.
من الواضح أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت نشر الدعاية أسهل بكثير مما كانت عليه الحال في الأيام التي اعتمد فيها المتطرفون على المطابع والنشطاء في الشوارع والاجتماعات العامة لتوزيع المنشورات و”الصحف”، ومن ثم تأجيج غضب الناس حول الانقسامات العرقية والطبقية. وشهدت بريطانيا كثيراً من ذلك، على رغم صمود نظامها الديمقراطي البرلماني، فآخر ثورة شهدتها البلاد كانت عام 1651، حين تخلص الإنجليز من ملكهم ومن النظام الملكي (وإن كان ذلك بصورة موقتة، كما تبين لاحقاً).
لذلك، يمكن بالتأكيد أن يحدث الأمر هنا أيضاً. فكل ما يتطلبه هو شرارة مثل طرد امرأة مسنة من منزلها، وهي الحادثة التي أدت إلى اندلاع مواجهات في شوارع إسبانيا. وربما تكون الشرارة إقدام شاب أو صاحب عمل على الانتحار تحت وطأة ظروفه القاسية، أو طرد عائلة من منزلها لعجزها عن تحمل كلفة البقاء فيه، أو حادثة أخرى مثل ما جرى لهنري نواك أو مارك دوغان الذي لقي حتفه على يد الشرطة، فأشعلت وفاته تظاهرات في توتنهام أعقبتها اضطرابات واسعة النطاق قبل 15 عاماً. وفي هذا السياق، يصف آندي بيرنهام ضياع شباب بريطانيا بأنه “فشل أخلاقي”، وكان هذا الضياع بدوره دافعاً قوياً إلى العنف في الشوارع.
ولعل أفضل ما يمكن قوله هو أن اللجوء إلى التحرك المباشر كان، تاريخياً، أكثر رسوخاً في الحياة السياسية الفرنسية كوسيلة لتغيير النظام، وإن لم يصبح أمراً عادياً أو روتينياً. فهناك اعتقاد راسخ بأن السيادة للشعب لا للمؤسسات، كما كانت الحال أيضاً في أميركا عام 1776.
أما في بريطانيا، فكان العرف السائد أن السيادة للبرلمان، أو هكذا كانت الحال في الأقل حتى ذلك الاستفتاء المصيري عام 2016. وربما كانت تلك اللحظة التي بدأ فيها تحول أكثر خفاءً نحو التطرف يترسخ في التفكير السياسي البريطاني، فيما تحولت “إرادة الشعب” إلى ما يشبه الهوس السياسي.
وربما بات البريطانيون أكثر اقتناعاً بأنهم أصحاب الشرعية السياسية، وأن في مقدورهم “استعادة السيطرة”. ويأتي ذلك في وقت تراجعت ثقتهم بالوسائل الديمقراطية التقليدية واحترامهم لها. ومن المفارقات أن نصبح الآن أكثر “أوروبية”، فنميل أكثر إلى التحرك المباشر. أما إلى أين يمكن أن يصل هذا التحول، فالأيام كفيلة بالكشف عن ذلك. لكن لا تستغربوا إن عبرت هذه العدوى القنال الإنجليزي.
© The Independent
