-
-
-
بدايةً، لا أعرف سوريّةً أو سورياً واحداً من أهلي ومعارفي وأصدقائي لم تدمع عيناه أو يبكِ عندما سمع صوت أصالة تغني «ارفع راسك فوق، إنت سوري حر» و«سوريا جنة»، بغض النظر عن منبع هذه الدموع: أهو الحنين، أم الإحساس بالخسارة أم الإحباط، أم الحزن، أو ربما كلُّ هذه المشاعر مختلطةً بعضها ببعض.
بغض النظر عن الموقف السياسي، هنالك ظاهرةٌ تبدو طافيةً على السطح اليوم، وهي أننا، السوريات والسوريين، نستنكر الفرح على أنفسنا وغيرنا من أبناء البلد، وكأننا نخجل بهذا الفرح، ونبحث دوماً عن أسباب سياسية اصطفافية عقائدية لتجنُّبه.
لا يمكننا إنكار أنَّ الكثير من السوريين فرحوا بمتابعة الحفل حضورياً أو على شاشات التلفزيون، لماذا نخجل من ذلك ونحاول إيجاد تبرير لاعترافنا بهذه الحقيقة، خوفاً من أن نُحسَب سياسياً على هذا الطرف أو ذاك؟ لِمَ نخجل من القول إنّ الفن يمكن أن يجمع القلوب ويجعل الناس يتقبَّلون الفرح رغم آلامهم وأحزانهم، ولو لساعات قليلة؟
لقد خجل الكثير من المثقفين الثوريين من القول إن تلك حقيقةٌ لن يفيد إنكارُها، بل لا بدَّ من تحليل الظاهرة والخروج منها بنتائج تُساعدنا على فهم الظرف المعقَّد الذي نعيشه.
أول ما خطر ببالي أن أكتبه على صفحات التواصل الاجتماعي تعليقاً على الحدث هو عبارة: «هنالك فرق كبير بين أن تكون ضد حكومة بلدك وأن تكون ضد البلد وأهل البلد»، لماذا نستنكر عليهم الفرح؟ أخبرني مَن كان حاضراً في الصالة أنَّ الحفلة تحوّلت إلى مهرجان مشاعر جياشة، اتحدت فيه القلوب، فرح الناس وضحكوا وبكوا وغنوا ورقصوا معاً، وهتفوا لجميع المحافظات السورية، بل استغرب البعض أنَّ أعلى هتافٍ وتصفيقٍ كان للسويداء ولكلمة أصالة في حب السويداء.
لا بدَّ لي أن أعترف هنا أنني لست من معجبي أصالة أو الغناء العربي الحديث برمَّته، فذوقي الموسيقي مختلفٌ ولا يهمُّ أحداً معرفتُه، وأنني كنت ضدَّ هذا الحفل واعتبرت أن حكومة دمشق تستغلّه حالياً لصالحها، ولكنني عندما رأيت تفاعل السوريين معه وضعت تحليلاتي السياسية جانباً بشكل مؤقت – لندع الناس تفرح.
ليست هذه أولَ مرةٍ يكون الفنُّ فيها جامعاً للقلوب التي فرّقتها السياسة والحروب والنزاعات، بل لعب الفنّ أحياناً كثيرة دوراً أهمَّ مما لعبه أيُّ سياسي في ردم الهوّة المصطنعة التي تُحدثها السياسة على أساسٍ إثني أو عرقي أو طائفي أو مناطقي، فكلُّنا نعرف الأغاني التي غنَّتها أصالة وكم ردّدناها معاً، في رحلاتنا المدرسية والجامعية، بل خلال السنوات السابقة بعد كل اجتماع نحضره في أيّ مكان في العالم، وما زالت ذكرى اجتماعنا في بيروت تحتلُّ مكاناً غالياً في القلب، عندما كانت أغنية «محبوب قلبي» شعارَ كل سهرة أو لقاء يجمعنا في أي مكان بعد انتهاء أعمال المؤتمر.
على الصعيد السياسي، هنالك بُعدان للحدث؛ الأول انتصارُ الجناح المعتدل في الحكومة على الجناح المتشدّد، حتى ولو كان هدفُه إعطاء صورة مشرقة للخارج، وهذا عامل مهمٌّ في أجندة الحكومة الحالية، لكن في الوقت نفسه لا يمكن غضُّ النظر عن المكسب السياسي الكبير الذي حققته الحكومة في صرف الأنظار عن المظاهرات التي عمَّت المحافظات السورية احتجاجاً على رفع أسعار المحروقات. وخاصةً أن الحكومة برعت في استخدام الترندات ووسائل التواصل الاجتماعي، ووظفت، على ما يبدو، جيشاً إلكترونياً يُسهم في الترويج لما ترغب بترويجه، ومهاجمة مَن يعترض على الأداء الحكومي في أي مجال.
لا يمكن أن نغفل أيضاً أنه في اليوم نفسه الذي أقامت فيه أصالة حفلتها في دمشق، تمَّ لأول مرة اعتقالُ أربعةِ ناشطين ثوريين من أحد مقاهي العاصمة، بسبب وقوفهم أمام البرلمان في وقفة مؤيدة للمظاهرات العفوية التي عمّّت أنحاء سوريا احتجاجاً على ارتفاع أسعار المحروقات. وهذه سابقةٌ خطيرةٌ لم تلجأ إليها الحكومة فيما مضى، إذ كان الأمر يقتصر على إخراج مظاهرات مضادة، وإحداث صدامٍ بين المتظاهرين يتمُّ على إثره اعتقالُ بعضهم. صحيحٌ أن الناشطين، بحسب تصريحاتهم، لم يتمَّ التعرُّض لهم بسوءٍ في الفرع الأمني، وأُطلِق سراحهم بعد ساعات، ولكن تبقى هذه سابقةً خطيرةً في تدرُّج السلطة في دمشق بالإجراءات التعسفية بحق معارضيها، تُذكِّرنا بأيام ربيع دمشق وتدرُّج السلطة آنذاك في قمع معارضيها شيئاً فشيئاً.
ظاهرةٌ أخرى تستدعي الوقوف عندها، والتي أُسمّيها تناذُر الثورة الفرنسية: لماذا على الثورة أن تأكل أبناءها، ولماذا يُركِّز الثوار على توجيه سهامهم إلى صدور بعضهم البعض؟ لقد تفنَّن بعض «الثوريين» على وسائل التواصل الاجتماعي في التشكيك بموقف أصالة من الثورة السورية، والنبش في تاريخها لإثبات أنها لم تكن صادقة في مواقفها، بل وصل الأمر إلى حدِّ النبش في حياتها الشخصية وتسليط الضوء على مفاصلها، وأنا لا أفهم حقاً حتى اللحظة الغرض من ذلك. أصالة كان موقفها واضحاً من الثورة السورية، فقد وقفت بوضوح إلى جانب الشعب السوري، في وقتٍ تمسَّح فيه غيرها من المطربين بأذيال النظام المجرم، بل مسحوا أحذيةَ المسؤولين فيه، فما مبررُ إنكار موقف أصالة من الثورة؟ ولماذا هذا النبش الهستيري الظالم، الذي يدخل ضمن مسابقةٍ تَفنَّنَ البعضُ فيها بتوزيع صكوك البراءة وإلصاق التهم على مَن يرغبون؟ وإن دلَّ ذلك على شيءٍ، فهو دليلٌ على بؤسنا وعجزنا.
مَن الذي حضر حفلة أصالة؟ بالتأكيد الطبقة البرجوازية المتوسطة الدخل والأثرياء، فثمنُ بطاقة الحضور تدرّج من 50 دولاراً ليصل إلى مبلغ 500 دولار في السوق السوداء بعد نفاد البطاقات، في الوقت الذي يقبع فيه 90 بالمئة من الشعب السوري تحت خط الفقر، دون بارقة أمل في تحسُّن الأوضاع الاقتصادية، بعد سنتين، وبعد أن سئم الناس من سماع الوعود الخُلّبية الكاذبة التي يظهر بها المسؤولون على وسائل الإعلام بين الحين والآخر، وفقدوا الثقة تماما بتصريحاتهم، في ظلِّ انعدام شفافية كامل بما يجري في الخفاء في أروقة السلطة، أو بالصفقات التي تعقدها دولياً، فوق أو تحت الطاولة.
كما استغربت تقاضي أصالة أجوراً عن حفلتها، أو عدم تبرُّعها بإيراد الحفلة لصالح الشعب السوري، الذي يُعاني اليوم الفقر والجوع، وقد سمعت تبريرات لذلك، منها أنَّ الحفلة كانت على مستوى عالٍ تقنياً ولذلك فكلفتها عالية، ولكن هل أصالة بحاجة إلى بضعة آلافٍ من الدولارات لتغطية تلك التكاليف؟
لقد شاهدنا في دمشق التباينَ الهائل بين جموع السوريين الذين يبحثون عن لقمة طعام يسدّون بها رمق أولادهم الجياع، وبين المطاعم الفخمة التي تعجُّ بروادها دوماً، وتجعل المرء يتساءل: من أين لهم هذا؟ في حين تغيب أيُّ إجراءات حكومية واضحة لتلافي فجوة الفقر الهائلة، التي تُغذَّى برفع الأسعار بدل إيجاد حلولٍ اقتصاديةٍ عمليةٍ انطلاقاً من مسؤولية الدولة عن ألا يموت غالبية شعبها جوعاً وفقراً ومرضاً.
يبدو أننا لا نزال نعيش الأحلام الثورية، فقد تمنيتُ أن تغني أصالة للشعب السوري من مدرّج بصرى مثلاً، في حفلةٍ مجانيةٍ مفتوحةٍ لعموم الشعب. أعرف أنها أحلامُ يقظة تستثني الواقع الأمني والسياسي، بل تستثني حتى تفكير الفنان، ربما، في أنَّ فنه هو وسيلةٌ لكسب المال أيضاً.
لست أدري إن كنت أظلم أصالة، أم أظلم نفسي، أم السوريين جميعاً، عندما أتناول حدثاً سورياً يُحيط به كلُّ هذا التعقيد والإحباط والألم، ما يجعل أيَّ فرحةٍ مشوبةً بألف غصّة وغصّة.
-