ملخص
بعد 23 عاماً على غزو العراق، يقول فرانسيس فوكوياما إن التجربة كانت “أسوأ مما توقع”، وكشفت محدودية قدرة واشنطن على بناء دولة مستقرة بعد إسقاط الأنظمة. ويرى أن الحروب التي أعقبت 11 سبتمبر أسهمت في عسكرة السياسة الخارجية الأميركية وتوسيع نفوذ إيران، مما دفعه إلى القطيعة مع المحافظين الجدد.
بعد 23 عاماً على الغزو الأميركي للعراق، يعود المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما لواحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في مسيرته الفكرية، موقفه من إسقاط صدام حسين والحرب التي أعقبت ذلك. فالرجل الذي كان في أواخر تسعينيات القرن الماضي قريباً من التيار المحافظ الجديد، ووقع على رسائل دعت إلى تغيير النظام العراقي، يقول الآن إن تجربة العراق نفسها كانت سبباً في ابتعاده من هذا التيار.
في حوار مع صحيفة “نيويورك تايمز”، يوضح فوكوياما أن اعتراضه لم يكُن على استخدام القوة لإسقاط ديكتاتور من حيث المبدأ، مستشهداً بتجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما على قدرة الولايات المتحدة على إحداث تغيير جذري ومستدام في مجتمع مختلف عنها ثقافياً وسياسياً.
ويقول “ليست لديّ مشكلة مع استخدام القوة للتخلص من الديكتاتور”، لكنه كان خلال تسعينيات القرن الماضي “متشككاً جداً في شأن قدرة الولايات المتحدة نفسها على الاستمرار في إحداث تغيير جذري في مجتمع مختلف تماماً”.
ما حل بالعراق “أسوأ مما توقعت”
وكانت حرب العراق، بحسب روايته، اللحظة التي تحولت فيها هذه الشكوك إلى قطيعة سياسية وفكرية مع المحافظين الجدد. فقد كان يخشى أن تنجح إدارة جورج بوش في مهمتها الأولى، أي التخلص من صدام حسين، ثم تفشل في المهمة الأصعب، وهي بناء دولة مستقرة من أنقاض النظام السابق. ويقول إن ما حدث كان “أسوأ مما توقعت”، مضيفاً أن الإدارة الأميركية كانت “أقل استعداداً لهذا الجهد طويل الأمد عندما قاموا بالغزو”.
لم يغيّر موقفه لأنه أصبح مدافعاً عن بقاء صدام، بل لأن العراق أقنعه بأن إسقاط نظام سلطوي شيء، وبناء نظام مستقر بعده شيء آخر تماماً. وهي مراجعة تمس واحدة من الأفكار المركزية التي ارتبطت بالمحافظين الجدد الذين رأوا في القوة الأميركية وسيلة لإعادة تشكيل الأنظمة والمجتمعات حتى اليوم، بما في ذلك الحرب الراهنة مع إيران التي أثارت حفيظة دول المنطقة للأسباب نفسها.
وفي الأعوام التالية للغزو، حذر فوكوياما كما يقول خلال حوار مطول مع “نيويورك تايمز” ومواقع أخرى من أن إسقاط صدام وغياب خطة كافية لما بعده سيخلقان فراغاً تستفيد منه قوى أخرى، وفي مقدمتها إيران. ومع مرور الوقت، أصبحت طهران صاحبة نفوذ واسع في العراق، فيما صعدت الفصائل المسلحة المرتبطة بها لتصبح جزءاً من معادلة السلطة والأمن، في مشهد مختلف جذرياً عن التصور الأميركي لعراق ديمقراطي مستقر بعد صدام. وأصبحت تلك الميليشيات مثل العدو الذي صنعته واشنطن لنفسها من حيث لا تشعر ولحلفائها الرئيسين في المنطقة.
الإسلام المتطرف أقل خطراً مما يشاع
ولا يقف نقد فوكوياما عند تجربة العراق، إذ يرى أن نقطة التحول الأوسع كانت هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 التي كشفت، في قراءته، أن بعض الصراعات لا يمكن تفسيرها بالاقتصاد والمصالح المادية وحدها. فالهجمات، كما يقول، نفذها أشخاص تحركهم دوافع دينية وسياسية مرتبطة بالاعتراف والمهانة والتضحية، موضحاً “إذا كنت مستعداً لتكون مفجراً انتحارياً، فمن الواضح أنك تشعر بأن هناك قضية غير مادية تماماً تخدمها”.
ومع ذلك، لا يرى فوكوياما في الإسلام المتطرف منافساً أيديولوجياً عالمياً لليبرالية على غرار الماركسية واللينينية، قائلاً “أعتقد بأن الإسلام المتطرف ليس أيديولوجيا ستغزو العالم أبداً”، لأنه، في تقديره، يظل أكثر قابلية للتجذر في مجتمعات مسلمة فقيرة نسبياً وغير منظمة، وليس مشروعاً فكرياً ذا جاذبية عالمية عابرة للحدود والثقافات.
لكن فوكوياما يضع جانباً مهماً من آثار الـ11 من سبتمبر في مكان آخر: في الطريقة التي اختار بها الغرب الرد على الصدمة. فبدلاً من أن تؤدي الهجمات إلى مراجعة دقيقة لطبيعة التهديد، يرى أن الرد الأميركي والغربي، خصوصاً في أفغانستان ثم العراق، تجاوز حدود التعامل مع الإرهاب إلى إعادة تعريف واسعة لاستخدام القوة الأميركية في الخارج.
عسكرة الخارجية أشرس من “سبتمبر”
ويختصر ذلك في “الرد أو الرد المفرط من جانب الغرب تجاه كل من أفغانستان والعراق”، معتبراً أن النتيجة كانت “عسكرة السياسة الخارجية، وبدايات دولة المراقبة في الولايات المتحدة بسبب الخوف من الإرهاب”. ومع طول أمد الحروب وتعثر نتائجها، تآكلت الثقة بقدرة الولايات المتحدة على إدارة التحولات السياسية خارج حدودها، وازداد الشك بجدوى تدخلاتها، وهي بيئة يرى فوكوياما أنها أسهمت في صعود شخصيات مثل دونالد ترمب، وفي إعادة توجيه السياسة الأميركية نحو التشكيك في المؤسسات التقليدية والتحالفات والتدخلات الخارجية.
ومن هنا يمتد نقده إلى طريقة إدارة الدولة نفسها، إذ يرى أن المشكلة لم تعُد فقط في القرارات الكبرى، وإنما في تراجع دور الدولة المهنية لمصلحة العلاقات الشخصية والولاءات السياسية. ويصف هذا التحول بأنه “إعادة إرساء النظام الأبوي للحكومة”، منتقداً ما يراه تراجعاً لمبدأ الجدارة في إدارة السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً في الشرق الأوسط.
ويقول في هذا السياق “بدلاً من الدبلوماسيين المحترفين الذين يديرون سياساتنا في الشرق الأوسط، تجد جارد كوشنر وستيف ويتكوف، أصدقاء وعائلات دونالد ترمب. وأنت تدفع الثمن مقابل ذلك، لأن الدولة الحديثة تحتاج حقاً إلى أشخاص تكنوقراط ومحايدين لإدارة جهاز الدولة”.
وبالنسبة إلى فوكوياما، لا يتعلق الأمر فقط بأسماء شغلت مواقع مؤثرة، بل بفكرة أعمق عن الدولة الحديثة، فحين تحل العلاقات الشخصية محل المؤسسات والخبرة المهنية، تصبح السياسة الخارجية أكثر تقلباً وأقل قدرة على بناء استراتيجية طويلة الأمد، وهي المشكلة نفسها التي قادته، في نهاية المطاف، إلى إعادة التفكير في حدود القوة الأميركية منذ العراق.
استخدام القوة في الدول النامية
ولا يقول فوكوياما شيئاً عن الحرب الدائرة في إيران ومع وكلائها في المنطقة، إلا أنه في السياق، يشير إلى أنها جزء من نتائج الحرب الأولى التي كان يبرر لنفسه حين أيدها بأنها قد تفضي إلى تغيير أعمق كالذي أحدثته أميركا في اليابان وألمانيا.
ويضيف “ليست لديّ مشكلة مع استخدام القوة للتخلص من الديكتاتور. أعني، لقد فعلنا ذلك في الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان، وكانت النتيجة إيجابية للغاية”.
لكنه أقر بأن التجارب اللاحقة كانت مغايرة، مما أحوجه إلى قضاء “معظم فترة التسعينيات في دراسة استخدام القوة في الدول النامية التي تختلف ثقافياً اختلافاً كبيراً في أميركا الوسطى وجنوب شرقي آسيا وغيرها”.
وأقر خلال الحوار معه بأن واشنطن حاولت ذلك في الفيليبين ونيكاراغوا وفيتنام، وكثير من الأماكن الأخرى. لكن الجمهور الأميركي، كما يقول “يملّ بعد نحو أربعة أو خمسة أعوام، ثم يتخلى عن الأمر، وينتهي المطاف بالمجتمع في وضع أسوأ”.
لكأن قدر المنطقة في هذه الحقبة أن تعيش بين خطر التدخل الأميركي وأخطار عدم التدخل. في دوامة لا تنتهي منذ حرب تحرير الكويت، حتى اليوم، مع دخول واشنطن في حرب غير ضرورية مع إيران، لا تزال تتردد في حسم أحد أبرز تداعياتها في مضيق باب المندب.
