
ما بدأ بخلاف بين طفلين ينحدران من منطقتين مختلفتين، تحوّل إلى اشتباك أهلي سرعان ما استدعى الهوية المناطقية، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخمه على الأرض، حتى بدا وكأنه قيد الخروج عن السيطرة. هذا ما حدث بإيجاز في بلدة جديدة عرطوز بريف دمشق، التي تشكّل كما الكثير من بلدات الريف الدمشقي، لوحة مصغّرة عن جانب من الموزاييك السوري، ببعض تلويناته، والكثير من تعقيداته.
يمكن ببساطة التقليل من أحداث جديدة عرطوز بوصفها حدثاً هامشياً عابراً، أو تضخيمها بوصفها مؤشراً على تهديد جدّي لمساعي التعافي من “النزاع” في سوريا. أو بدلاً من ذلك، يمكن البحث عن فهم منهجي لهذه الأحداث بوصفها تعبيراً عن مسألة “مناطقية” مزمنة يجب الإقرار بتعقيداتها، والبحث في سبل تفكيكها.
يزخر علم الاجتماع السياسي بنظريات تفسّر ذلك الحدث، بدءاً من نظرية ابن خلدون التاريخية، التي تُشرِّح العلاقة بين “العصبيّة” و”الدولة”، وتوضّح كيف تتحول الولاءات المحلية (المناطقية، العشائرية) إلى شبكات حماية متضادة وعصبيّة تتقدم على الولاء والركون للدولة، خصوصاً في أوقات الأزمات. ويدعم هذا التفسير، عالم الاجتماع الألماني، ماكس فيبر، الذي يفصّل في كيفية لجوء الأفراد إلى روابطهم المنطقية لتأمين الوظائف، الخدمات، والحماية، مما يجعل “الهوية المناطقية” وحدة وظيفية وسياسية حية ومنافسة لمفهوم المواطنة. والعلاج يكون بتأسيس “النموذج العقلاني القانوني” للبيروقراطية، وأبرز روافده: توظيف الأشخاص ذوي المؤهلات، وسيادة القواعد المُجرّدة، وتأسيس السلطة بمعزل عن الشخصنة، والحياد السياسي. ويتطلب ذلك معالجة تراكمية عبر رفع منسوب الوعي لدى عناصر مؤسسات الدولة بحياديتهم حيال المجتمعات التي يتعاملون معها، حتى لو كانوا ينتمون إليها، لتعزيز ثقة المجتمعات المحلية بإمكانية الانصياع للدولة كحَكَم محايد ومصدر للحماية.
وبالانتقال إلى نظرية “الديمقراطية التوافقية” التي أسسها عالم السياسة أرينت ليبهارت، نجد تفسيراً مفاده أن شعور مجموعة محلية ما بعدم التمثيل المنصِف في إدارة ما يتصل بمصالحها، يخلق لديها شعوراً بالتهديد من المجموعات المحلية الأخرى، وهو ما يعزّز ترسيخ الانقسامات المناطقية، ويتطلّب معالجة قائمة على توسيع التمثيل في مؤسسات الإدارة وصنع القرار، وتوسيع هامش التوافقية فيها.
ورغم أن عالم الاجتماع الأميركي إيمانويل والرشتاين تحدث عن بعد دولي في نظريته حول “النظم العالمية”، إلا أن نظريته استُخدمت في إسقاطات متعلقة بالسياسات المحلية، تركّز على العلاقة بين المركز والأطراف. وفي الحالة السورية تصلح النظرية لتفسير كيف أنتج التفاوت التنموي والخدمي عبر عقود، بين “المركز، شبه الهامش، الهامش”، شعوراً بالظلم الحاد، يمكن التقاطه في تعليقات وسائل التواصل من أبناء المنطقة الشرقية خلال أحداث جديدة عرطوز، وهو ما يُعبَّر عنه بـ”شرخ” مناطقي و”هوياتي” تجاه “المركز”. وهي معضلة متراكمة أولى خطوات علاجها، إدراك أن أبرز الجهود التنموية يجب أن تتجه نحو أكثر المناطق تهميشاً تنموياً في التاريخ السوري المعاصر. ونقصد بذلك، بشكل خاص، المنطقة الشرقية (دير الزور، الرقة، الحسكة).
وبالانتقال إلى رائد علم النفس الاجتماعي، البولندي، هنري تاجفيل، نجد في نظريته عن “الهوية الاجتماعية”، تفسيراً لتبادل الصور النمطية بين المدن والمحافظات السورية وشيوعها على وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تتحوّل فروق ثقافية دقيقة إلى هويات مناطقية متصارعة، فتصبح عادات غذائية أو فروق بسيطة في اللجهة رموزاً وجودية يتم تنميطها أكثر عبر النكتة، بغية تعزيز التميّز للجماعة الداخلية التي ينتمي إليها الفرد. وتقدّم النظرية التفاعلية الرمزية التي تطورت من أعمال جورج هربرت ميد وهربرت بلومر، تفسيراً مكملاً لنظرية تاجفيل، فالصور النمطية المناطقية تُبنى نتيجة التفاعل، إذ يبني الفرد هويته في كثير من الأحيان، وفق تصوّره عن كيف يراه الآخرون، مما يحوّل الصورة النمطية إلى واقع تفاعلي. وعلاج ذلك يتطلب العمل على خلق وعي جمعي يوسّع حدود الـ”نحن” مقابل الـ”هم”، ضمن هوية أوسع تتجاوز الانتماء المناطقي، ومحاربة الصور النمطية المتداولة. وهي مهمة النخب والإعلام الرسمي وغير الرسمي كذلك.
ولاستكمال الصورة هنا، تجب الإحالة إلى دراسات الدول الخارجة من نزاع، فالنزوح الداخلي وتبدل الديمغرافيا المحلية، والاحتكاك بين مجتمعات مضيفة وأخرى وافدة، في ظل التنافس على موارد محدودة (السكن، فرص العمل..)، كل ذلك يغذي التوترات ويعزّز الهويات الضيّقة. مما يحيلنا مجدداً للحاجة إلى توزيع عادل للفرص التنموية، وينبهنا مجدداً إلى خطر تركيز هذه الفرص في المركز أو قربه، بما يسبب ضغطاً على الموارد، واحتكاكاً تنافسياً بين مجموعات محلية متنوعة، يكون زاداً للتوترات الأهلية.
وكحصيلة، فإن الصور النمطية المتبادلة بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، هي عبارة عن آليات سيكولوجية دفاعية تنشأ في غياب الشعور بالانتماء الجامع. هذا المُدخَل تضخمه وسائل التواصل ذاتها التي تعبّر عنه، فتساهم في تعزيز آلية بناء “الآخر” كتهديد، وتأكيد “الهوية” المحلية (مناطقية أو عشائرية أو طائفية..) كجماعة متميّزة ومهددة. وعلاجه، عبر ثلاثية تتعلّق بالدولة والاقتصاد والوعي، عبر العمل على تأسيس بيروقراطية عقلانية وحيادية، وتوسيع هامش التشاركية في صنع القرار المحلي والوطني، والعدالة في توزيع الفرص التنموية، والوعي النخبوي بضرورة محاربة التنميط الشائع في المجتمع السوري.