ترجمة: سارة حبيب
طوال قرون، استخدمنا إطلاقَ صفة “وحش” لطرد الأفراد والجماعات من دائرة الاحترام المخصصة للبشر الكاملين
عند أطراف مدينة إنسبروك في النمسا، يقع “شلوس أمبراس” (قصر أمبراس)، وهو قصر يعود إلى عصر النهضة مع نواة معمارية من العصور الوسطى. واليوم، وقد بات مجمع متاحف مع حدائق تتجول فيها الطواويس، يحتوي القصر على قاعة كبيرة مليئة بما كان زوار القرن السادس عشر يدعونه “عجائب وغرائب”.
على الحائط، صف من البورتريهات التي تصور أناسًا متنوعين: عملاق؛ قزمان؛ شخص يعاني من مشاكل خلقية في المفاصل؛ رجل فُقِئت عينه برمح؛ فلاد الثالث المعروف باسم تيبيش أو المخوزَق (حاكم فالاشيا في القرن الخامس عشر في رومانيا الحالية الذي ألهم برام ستوكر كتابة رواية “دراكولا” عام 1897)؛ وأربعة أفراد من عائلة غونسالفوس الذين كان والدهم بيتروس والعديد من أطفاله مكسوين بالكثير من الشَعر لدرجة أن بعضهم قُدِّموا كهدايا من عائلة أرستقراطية إلى أخرى، وكان الأطباء يتفحصونهم بأيديهم لأجل “العلم”.
بالنسبة إلى الفنانين والأطباء وعلماء الطبيعة وجامعي المقتنيات في القرن السادس عشر، كان هؤلاء الأفراد المتجسدين على نحو غير نمطي يمثّلون أشخاصًا خارج حدود “الطبيعي”. وكان الأفراد الذين يتمتعون ببنية جسدية أو أنماط حياة غير اعتيادية يظهرون بشكل روتيني في مجموعات المقتنيات، والأعمال الفنية، والمخطوطات المكرّسة لمن كانوا حينها يُعرفون باسم “الوحوش”. وكانت المكتبات في القرنين السادس عشر والسابع عشر تحتوي كتبًا من قبيل كتاب أمبرواز باري
“Des monstres et prodigies” (عن الوحوش والعجائب) (1573)، وكتاب أوليسي ألدروفاندي “Monstrorum historia” (تاريخ الوحوش) (1642)، اللذين يظهر فيهما العديد من البشر.
ثمة تقليد غربي طويل الأمد يقوم على تعريف كائنات معينة على أنها وحوش. وفي كثير من الحالات، السبب واضح: الباسيليسك أو التنانين تعد وحشية، كما هي الكثير من الأشكال الأكثر شبهًا بالبشر مثل الزومبي، ومصاصي الدماء، والمستذئبين. تختلف الوحوش اختلافًا قاطعًا عن المخلوقات المألوفة وعادة، إنما ليس بالضرورة، تكون خيالية ومرعبة. لكن رواية القصص عن الوحوش ليست مجرد وسيلة لوصف الكائنات التي ليست شبيهة بالبشر على الإطلاق. إنها كذلك الكيفية التي تحدد بها المجتمعات من تعتقد أنه يُعتبَر إنسانًا كاملًا، وتضبطه، من خلال أفعال أدعوها صناعة الوحوش أو “الوَحْشنَة” (إضفاء صفة الوحشية على الآخر).
لا تتطلب صناعة الوحوش دائمًا تسمية “وحش”، كما أنها لا تتطلب تعريف الشخص على أنه حيوان في جزء منه، أو أنه خارق للطبيعة. فمن ناحيتي، أرى الوحشنة على أنها أي محاولة لإيصال فكرة أن فردًا أو جماعة خرقوا حدود فئة الإنسان “الطبيعي”، من خلال أجسامهم، أو عقولهم، أو ثقافتهم.
| في قصر أمبراس، صف من البورتريهات التي تصور أناسًا متنوعين: عملاق؛ قزمان؛ شخص يعاني من مشاكل خلقية في المفاصل؛ رجل فُقِئت عينه برمح… |
يُظهر التاريخ أنه كان هنالك على الدوام خط متحرك وضبابي بين فئتي إنسان ووحش. وهذا الخط يشق طريقه ممتدًا من البشر الذين تظهر بورتريهاتهم في زاوية تستوحش منها النفس في حجرة الغرائب في شلوس أمبراس، ويستمر إلى الوقت الحاضر، ليبرر في كثير من الأحيان التمييزَ وغيره من الأضرار التي تلحق بالأفراد والجماعات الذين يختلفون عن أغلبية ما. إنه كذلك حد دائم التغير، إذ إن التطورات الاجتماعية، والسياسية، والتكنولوجية تغير شكله وموضعه، وتفتح الباب أمام أشكال جديدة من الوحشنة. بعض أكثر النقاشات احتدامًا في عصرنا- من حقوق العابرين جنسيًا إلى إصلاح شؤون الهجرة إلى أخلاقيات الذكاء الصناعي- تشكّل أساسها مخاوفُ قديمة من التوحش، ومحاولات خبيثة لاستغلال تلك المخاوف. وبدورها، صناعة الوحوش اليوم ستشكّل المستقبل، من خلال إعادة رسم تجربة حقوق الإنسان (أو غياب تلك الحقوق)، وإعادة رسم آفاقِ إمكانية العيش بحرية وأمان وكرامة، والقوانين والأنظمة التي يعيش الناس في ظلها. السؤال إذًا: أين ينتهي الإنسان وأين يبدأ الوحش؟ إن الحدود بينهما أكثر نفاذيّة مما نحب أن نعتقد.
فسر المفكرون الإغريق والرومان القدامى الولادات غير النمطية على أنها رسائل من الآلهة أو عقوبات منها، أو على أنها حوادث من الطبيعة أو مزحات منها. الطفل الذي يولد بعدد غير اعتيادي من الأطراف يُعتبر، وفق المفاهيم القديمة، إنسانًا ووحشًا في الآن ذاته. وقد حدد القدماء أيضًا نوعًا آخر من التوحش: ذلك الذي يعود إلى أمم كاملة يُعتقد أنها تتشارك سمة غير اعتيادية، جسدية عادةً. في كتابه “التاريخ الطبيعي” (حوالي 77-79 ميلادي)، حدّد عالم الطبيعة الروماني بليني الأكبر موقعَ مجموعة واسعة من الشعوب الوحشية خلف جبال الألب وفي أفريقيا وآسيا، مستندًا في ذلك إلى جغرافيين سابقين.
لكن، بشرُ البحر المتوسط “الطبيعيين” لم يكونوا بمعزل تام عن الشعوب الوحشية. وافترض المفكرون القدماء أن ظروفًا خارجية مثل المناخ، والفصول، والأطعمة، والتمارين تؤثر في توازن الأخلاط الأربعة، أو المواد الأساسية، في أجسامهم: الدم والبلغم والمِرّة السوداء والمِرّة الصفراء. فإذا كانت الأجسام مرنة وقابلة للتغيير على هذا النحو، فهذا يعني أنه كان هنالك نظريًا منحدرًا زلقًا من الذات إلى الوحش وحتى إلى الحيوان.
بالنسبة إلى علماء اللاهوت وعلماء الطبيعة في العصور الوسطى الذين تمعنوا في موروثات التقاليد الكلاسيكية والمسيحية، البشرية فريدة بما أن البشر وحدهم هم القادرون على نيل الخلاص. مع ذلك، أدرك مفكرو العصور الوسطى أيضًا أن الحياة توجد على مسار متصل مؤلف من فئات متداخلة يدعى “سلسلة الوجود الكبرى”. “الأسوأ” في نوع معين يتداخل مع “الأفضل” في النوع الذي يقع أسفله. وفق هذا، كان أسوأ البشر متساوين مع القردة التي في دورها تداخلت مع حيوانات أخرى. (الوحوش الخارقة للطبيعة، كما افتُرض، كانت تندس في مكان ما ضمن المجال الحيواني. وبما أن الكثير عن الطبيعة كان مجهولًا، فإنه لم يكن لدى الناس ما يدعوهم للشك في القصص التي تتحدث عن كائنات وحشية تعيش خارج نطاق جماعاتهم). وهذه الضبابية في الحدود بين العالمين البشري والحيواني سهّلت تسويغ وحشنةِ المختلفين عرقيًا الذين يتمتعون بعادات مختلفة. لقد كانت إنسانية الفرد مشروطة، تشكّلها الخيارات التي يتخذها في الحياة.
كانت بريطانيا في العصور الوسطى فضاء للهجرة، والاختلاط الثقافي، والقصص التي ابتُكرت لوحشنة الجماعات العرقية. بالنسبة إلى المؤرخ جيرالد الويلزي (حوالي 1146-1223) الذي ينحدر من النبلاء الويلزيين والفاتحين النورمانديين، كان الإنكليز، على حد تعبيره في كتاب “الإهانات”، “أحطّ الشعوب تحت السماء”. وفي كتابه “طوبوغرافيا أيرلندا” (حوالي 1188)، لاحظ أن أيرلندا كان يسكنها شعب بربري، بل وحتى بهيمي، وبين الحين والآخر هجين إنساني-حيواني مثل رجل ثور وزوج من المستذئبين (رغم أنه في النسخ اللاحقة من تأريخه اقترح أنهم كانوا، مع ذلك، قابلين للتخليص).
كانت إنكلترا في العصور الوسطى أيضًا موقعًا لمعاداة السامية. عام 1290، أصدر الملك إدوارد الأول “مرسوم الطرد” الذي يعلن أن كل اليهود يجب أن يغادروا إنكلترا. وكان هذا المرسوم ذروة عقود من صناعة الوحوش تشريعيًا: القوانين التي قيدت أماكن عيش اليهود، وألزمتهم بأن يضعوا شارات على ملابسهم؛ استراتيجيتان تهدفان إلى جعلهم واضحين للعيان على نحو مفرط، وبالتالي تسهل إساءة معاملتهم. كذلك، حاول المسيحيون تصوير صفة اليهودية على أنها مرئية ووحشية في الصور، والخرائط، والكتابات الجغرافية. وفي “كتاب مزامير وينشستر” من القرن الثاني عشر، في صفحة تظهر مشاهد الآلام من حياة المسيح، يصوَّر اليهود بأنوف معقوفة، وأسنان شبيهة بالأنياب، ووجوه مكشرة، ويشهرون عظامًا عملاقة.
|
في “كتاب مزامير وينشستر” من القرن الثاني عشر، تظهر مشاهد الآلام من حياة المسيح، يصوَّر اليهود بأنوف معقوفة، وأسنان شبيهة بالأنياب، ووجوه مكشرة، ويشهرون عظامًا عملاقة |
في كتاب “سجل أعمال ريتشارد الأول” (1192) الذي يتحدث عن أعمال الملك ريتشارد الأول ملك إنكلترا، كتب الراهب والمؤرخ ريتشارد من ديفايزيس أن اليهود مصاصو دماء (sanguisugas التي تعني علقات) وأن الشيطان هو أبوهم. وفي كتابه “الحوليات الكبرى” (1259)، خلط الراهب والمؤرخ والجغرافي الإنكليزي ماثيو باريس بين اليهود وقبائل يأجوج ومأجوج الوحشية، فروى كيف سجنهم الله خلف الجبال، وأشار إلى أنهم سيخرجون يوم القيامة ويجلبون دمارًا عظيمًا. كذلك، ألمح باريس إلى أن اليهود كانوا قابلين للتمييز جسديًا ومشوهي الخلقة: في وصفه للمبعوث روبرت اللندني، لاحظ أنه كان “صغيرًا وداكن البشرة، ولديه ذراع أطول من الأخرى وأصابع مشوهة، أي، اثنان منهما ملتصقان معًا، وله وجهُ يهوديّ”.
يقدّم سفر التكوين تفسيرًا آخر للوحوش. فيروي كيف قسّم نوح العالمَ بين نسل أبنائه الثلاثة (حام، وسام ويافث). وأنه، عند رؤية أبيه نوح ثملًا وعاريًا، نادى حام أخويه ليأتيا ويريا ذلك بنفسيهما. وجزاء لهذا، لعن نوح كنعان، ابن حام، بأن يخدم عائلة سام ويافث. لقد صوّر كتّاب العصور الوسطى هذه الخطيئة الموروثة من الأسلاف على أنها أحدثت شرخًا في عائلة البشرية: قطيعة وجودية وتمييز فئوي بين نسل سام ويافث من جهة ونسل حام من جهة أخرى. في القرن الخامس، ربط أب الكنيسة جيروم بين حام والحرارة (calidus باللاتينية). وفي القرن التاسع، كتب الراهب أنجيلوموس من لُكْسُويْ أن أفريقيا خُصِّصت لحام ونسله بناء على حرارة المنطقة. وسار العديد من المؤلفين اللاحقين على هذا النهج.
كذلك، لاحظ المؤرخ جون بلوك فريدمان في كتابه “الأعراق الوحشية في فن وفكر العصور الوسطى” (2000)، أنه بحلول القرن الحادي عشر على أقل تقدير، أكدت بعض نسخ القصة أن لسلالة حام أجسامًا مشوهة، وأنهم كانوا يعيشون مثل الحيوانات، أو لُعنوا ببشرة سوداء كعلامة على العار.
وثمة مخطوطة للكتاب الأكثر مبيعًا في القرن الرابع عشر “كتاب جون ماندفيل”، موجودة في متحف فيتزويليام في كامبريدج في المملكة المتحدة، تذهب إلى حد الإشارة إلى أن “الأعداء” غالبًا ما جامعوا نسل حام (الذي نسب إليهم الكاتب قارة آسيا، على غير العادة) و”أنجبوا شعوبًا متنوعة ومشوهة للغاية، بعضهم عمالقة بأقدام أحصنة، وبعضهم ذوو آذان ضخمة، وبعضهم بعين واحدة، وبعضهم بأعضاء أخرى مشوهة”.
هكذا، ارتبطت سلالة حام بعلامات مرئية للعنة، علامات أُلحِقت أيضًا بقوالب نمطية عرقية مرتبطة بالوحوش. ولاحقًا، سيُستخدم هذا النوع من الحجج لتقديم تبرير مكتوب (مستند إلى الكتاب المقدس) لتأطير استعباد الأفارقة السود بوصفه فعلًا مبرَّرًا أخلاقيًا.
كذلك، خلق الاستكشاف الأوروبي وتجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي دافعًا تجاريًا للأوروبيين ليوحشنوا الشعوب على امتداد مساحات واسعة من العالم. عام 1503، أصدرت الملكة إيزابيلا ملكة قشتالة وليون مرسومًا يخص المناطق المحيطة بالبحر الكاريبي الخاضعة للاستيطان الإسباني المبكر أعلنت فيه أن أكلة لحوم البشر يمكن استعبادهم قانونيًا من أجل حماية ضحاياهم المستقبليين. وفي موجز الرحلات الذي حمل عنوان “مؤلفات هاكلوت المنشورة بعد وفاته”، أعلن محرر الكتب البيوريتاني (التطهري) الإنكليزي صاموئيل بيرتشس أن الألغونكيين في شرق أميركا الشمالية “لا يملكون من البشرية سوى المظهر… هم أكثر بهيمية من البهائم التي يصطادونها”.
في القرن السابع عشر، أصدرت المستعمرات الكاريبية قوانين تعرّف الأفارقة السود المستعبدين والخدم البيض المسيحيين المتعاقدين على أنهم فئات قانونية متمايزة. كذلك، وصل المشرعون إلى حد إخفاء وجود الأطفال مختلطي الأعراق من نساء مستعبَدات ورجال بيض (غالبًا مستعبِدين) بأن حكموا أن الطفل يتبع الوضع القانوني لأمه. وفعل المحو ذاك صوّر الأشخاص ذوي الموروث المختلط على أنهم وحشيون، بمعنى أنهم يتجاوزون الفئات التي كان يُفترض أنها منفصلة، بينما زعَم في الوقت نفسه أنهم غير موجودين من الناحية القانونية.
ابتداءً من القرن الثامن عشر فصاعدًا، قدّم العلم مسارات أخرى لصناعة الوحوش. في عام 1735، نشر عالم النبات السويدي كارل لينيوس “نظام الطبيعة”؛ أطروحة لتحديد الأنواع وتسميتها فصّلت تراتبية هرمية للطبيعة من أعلى المراتب إلى أدناها. وفي الطبعة العاشرة من بين الطبعات الاثنتي عشرة التي ظهرت خلال حياة لينيوس، ظهر البشر في القمة وقُسِّموا كذلك إلى أفارقة، وأميركيين، وآسيويين، وأوروبيين. وميّز لينيوس بين هذه المجموعات من خلال صنع قوالب نمطية للسمات الجسدية، والسلوك، والمزاج، والتنظيم الاجتماعي. وربطَ تجميعات الخصائص المختَرعة هذه بالأخلاط، وذلك بأن خصص لشعوب كل قارة واحدًا من الأمزجة الأربعة في الطب القديم: البلغمي (الأفارقة)، والصفراوي (الأميركيين)، والسوداوي (الآسويين)، والدموي (الأوروبيين).
بالإضافة إلى ذلك، كان لكل قارة شعب متمايز، يحدده المناخ المحلي والأنشطة المحلية، والذي أطلق لينيوس عليه اسم “Homo monstrosus” (الإنسان الوحشي): الهوتنتوت (أقل خصوبة)، والصينيون (الرأس مخروطي)، والباتاغونيون (ضخام، كسولون)، والكنديون (الرأس مفلطح)، وسكان الجبال (صغار الحجم، نشيطون). أما ما تُرك بدون إجابة فكان السؤال الذي يحدد مدى تمايز كل من هذه الشعوب عن المحيطين به. مع ذلك، في كتاب عن تصنيف الطبيعة، حيث رُتِّب البشر والحيوانات في جداول، كان الخطاب البصري يشير إلى كائنات متمايزة، وغير متساوية.
لاحقًا، في كتابه “أصل الأنواع” (1859)، استخدم تشارلز داروين تعبير “monster” (وحش) للإشارة إلى بعض الأنواع المنقرضة، والحالات الشاذة الناتجة عن طفرات. وفي طبعة 1869، أضاف: “على فترات زمنية متباعدة، من بين ملايين الحالات… تظهر انحرافات في البنية واضحة بشدة إلى درجة تجعلها جديرة بأن تدعى وحوشًا”. وأشار أيضًا إلى الأعضاء المتحورة من النوع بنتيجة طفرة باسم “sports” (كائن حي أو جزء من كائن يبدي تغيرًا ملحوظًا عن النوع الأصل، عادةً نتيجة لحدوث طفرة)، وهو تعبير آخر لـِ”مزحات الطبيعة” التي كانت تُعتبر، منذ العصور القديمة، أحد الأسباب المطروحة لتفسير ظهور ذرية مختلفة على نحو ملحوظ وغير متوقع.
استخدمت صناعةُ الوحوش في عروض ومعارض القرن التاسع عشر الأفكارَ الداروينية لتبرر شكلًا قاتمًا من الترفيه. واحتشدت الجماهير في باريس ولندن ونيويورك لتشاهد السكان الأصليين المختطفين من آسيا وأفريقيا والأميركيتين في حدائق حيوان بشرية أو في “عروض المسوخ” حيث عومل الأشخاص المتجسدون على نحو غير اعتيادي أو ذوو الإعاقة كفُرجة. في بعض الحالات، دُعي هؤلاء الأفراد المعروضون “الحلقة المفقودة” بين البشر والقردة أو اعتُبروا، كما جاء في أحد الكتيبات، “دليلًا حيًا على نظرية داروين حول أصل الإنسان”.
في القرن العشرين، استمر العلم بتقديم سرديات تخدم أولئك الذي رغبوا في وحشنة الآخرين. وأنشأ النازيون بروباغندا في الكتب، والكتيبات، والملصقات، واللوائح القانونية صوّرت شعوب الروما والسينتي، والأشخاص ذوي التنوع العصبي، وذوي الإعاقة، ومجتمع الميم-عين، واليهود على أنهم ليسوا بشرًا تمامًا. ووصف كتيّب “Der Untermensch” (الأونترمينش) (1942)، أو “دون البشر”، اليهودَ على أن لهم “ملامح شبيهة بالبشر… أدنى على المستوى الروحي والنفسي من أي إنسان… فليس كل من يبدو بشريًا هو في الحقيقة كذلك”.
| نشر عالم النبات السويدي كارل لينيوس عام 1735 “نظام الطبيعة”؛ أطروحة لتحديد الأنواع وتسميتها فصّلت تراتبية هرمية، ووصف كتيّب Der Untermensch (1942)، أو “دون البشر”، اليهودَ على أن لهم “ملامح شبيهة بالبشر”… |
الوحشنة، البعيدة كل البعد عن أن تكون عادة مقتصرة على التاريخ، مستمرة اليوم. فربما لا تتضمن صناعة الوحوش في القرن الواحد والعشرين دائمًا كلمة “وحش”، لكن ذلك يجعل الممارسة أكثر خبثًا وخفاءً فحسب.
تساهم مجتمعات عديدة في تضييق فئة أولئك الذين يحق لهم أن يُعتبروا بشرًا. إحدى التكتيكات هي المبالغة في مقدار الضرر الذي يمكن لجماعة اجتماعية أن تتسبب به، وبالتالي حجم التهديد التي يُزعَم أنها تشكّله. تقوم الجهات الفاعلة السيئة بوحشنة هذه الجماعات من خلال استغلال مخاوف أزلية: تصوير تلك الجهات على أنها تهديد للأمن، أو للنقاء، أو لأسلوب الحياة. وهذا يسّهل تبرير التحامل أو العنف. الوحشنة هي سرد القصص عن خطر وجودي استثنائي يُفترض أن فئة كاملة تشكّله. وليس علينا أن نبحث بعيدًا لنرى كيف يُطبَّق ذلك على الأقليات في السياسة المعاصرة: السود، أو المهاجرين، أو العابرين جنسيًا، على سبيل المثال لا الحصر.
الوحشنة هي الأداة المفضلة لدى السلطوية؛ إنها السردية الكبرى التي تروي السلطوية من خلالها قصصًا عن كيف أن الأفراد والجماعات الأقل قوة وامتيازًا، أو الذين كانوا أهدافًا تاريخية للوحشنة، يهددون المجتمع افتراضيًا. يأخذ السلطويون خوفًا مشروعًا (مثل الضائقة الاقتصادية) ويزعمون أن سببه هي جماعة تمت وحشنتها. ومن خلال الإيحاء بأن الاعتراف بالإنسانية هو لعبة محصلة صفرية (ربح طرف يساوي تمامًا خسارة الطرف الثاني)، فإنهم يحاولون إقناع الناس بأن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها ضمان الاعتراف بإنسانيتهم هي عدم اعترافهم بإنسانية جماعة أخرى.
اليوم، تحدث الوحشنة بطرق أخرى أيضًا. في وسائل الإعلام المعاصرة، مرتكبو حوادث إطلاق النار الجماعي، والقتلة المتسلسلون، والقادة الذين يأمرون بجرائم القتل الجماعي يُطلق عليهم أحيانًا اسم “وحوش” بسبب خرقهم للعقد الاجتماعي بصورة بالغة. لكن، على الرغم من أن أفعالهم تستحق الاستنكار، فإن الإيحاء بأن أمثال هؤلاء الأفراد ليسوا بشرًا يقترح إعفاء بقية المجتمع من المسؤولية. فهذه التسمية تحجب الكيفية التي تخلق بها المجتمعات وقيمها بُنى الترخيص التي تمكّن، بل وحتى تشجع، قلة من الأفراد على ارتكاب جرائم شنيعة.
في هذه الأثناء، تنشأ حدود أخرى بين البشر والوحوش من خلال التطورات في التكنولوجيا الحيوية والهندسة. منذ بضعة قرون، كانت الحدود الأكثر وضوحًا بين الإنسان والوحش هي تلك التي تحمي البشر من العالم الحي المحيط بهم أو تفصلهم عنه. وقد فُهمت هذه الحدود في الغرب على أنها طبيعية أو مقدَّرة إلهيًا. لكن، في العالم المعاصر، نشأ حدّان إضافيان: بين الإنسان والإنسان المعدل جينيًا، وبين الإنسان والآلة.
على سبيل المثال، بات بوسع البشر الآن حتى الخضوع لعمليات زرع أعضاء من الحيوانات. إن كائنات الكيميرا في الميثولوجيا الكلاسيكية – الكائنات التي هي في الآن ذاته نوعان أو أكثر من الحيوانات مثل المينوتور- توجد في الطبيعة ويمكن أن تُهندس في المختبر كذلك. وفي المستقبل، تعِد التكنولوجيا الجينية أيضًا بخلق فئات تتجاوز البشر: بشر جرى تعديلهم، للأفضل أو للأسوأ.
إن التطورات التكنولوجية أذابت أيضًا الحدود المادية بين الإنسان والآلة. فأجهزة مثل الأطراف الاصطناعية، وأجهزة تنظيم نبضات القلب، وأدوات المساعدة على السمع توسّع إمكانيات الأفراد الذين تقع حالتهم الصحية أو تجسُّدهم خارج نطاق ما يعرّفه المجتمع على أنه نمطي.
عام 1960، نشر العالمان مانفريد إي. كلاينز ونيثان إس. كلاين ورقة بحثية في مجلة “أسترونوتيكس” طرحت فكرة إذابة هذه الحدود كليًا من أجل حلّ بعض تحديات رحلات الفضاء البشرية. وقد اقترحا ابتكار كائنات سيبرانية فوق بشرية – سكّا لها مصطلح “سايبورغ”- تنَظم فيزيولوجياتها بواسطة العقاقير والغرسات الميكانيكية التي تمكنها من النجاة في بيئات مختلفة عن بيئة كوكب الأرض. على سبيل المثال، يمكن أن تكون لمثل رائد الفضاء هذا رئة اصطناعية تلغي الحاجة إلى التنفس، أو قد يُحقَن بعقاقير تُدخله في حالة سبات.
لا يزال رواد الفضاء السايبورغ مجرد فكرة نظرية، لكنهم ألهموا سيناريوهات تخييلية تدعونا لنتساءل فيما إذا كان الحد بين الإنسان والآلة وحشيًا فعلًا. جماعة البورغ في “ستار تريك”، وهو نوع ظهر لأول مرة عام 1989 في عالم “الجيل القادم” الممتد (المنتجات المرخصة من أفلام وألعاب وروايات تابعة لنفس العالم)، تشكّل رمزًا لِما “لم يعد طبيعيًا ولذلك هو مخيف للغاية”. تضم جماعة البورغ حضارةً مؤلفة من كائنات السايبورغ المصنوعة من نوع شبيه بالبشر دمجته الجماعة بالقوة. ولهذه الجماعة وعي جمعي: البورغ قادرون على أن يسمعوا، في عقولهم، أفكار أفراد البورغ الآخرين. من تعويذتهم التي تقشعر لها الأبدان “المقاومة عديمة الجدوى” إلى الرعب الأخاذ لحالتهم الهجينة الفجة – أذرع اصطناعية، وغرسات عينية، والنانوبوتات (روبوتات متناهية الصغر) في دمائهم- يختزل البورغ مخاوف من سيطرة الآلات لم نكن نعلم بوجودها لدينا.
في القرن الواحد والعشرين، أصبحت الجدالات المحيطة بالحدود بين الإنسان والآلة رقمية. النفور من استخدام الذكاء الصناعي التوليدي (genAI) من أجل توليد الفن، والموسيقى، والكلمات، ومحاكاة الفيديو، يعود أساسه غالبًا، كما أرى، إلى مخاوف من تعدي الآلات عديمة الروح على جوهر البشرية. إذا أسندنا الأجزاء الأكثر جوهرية من الإنسان إلى مصادر خارجية، هل سنوحشن جزءًا من أنفسنا؟ بعيدًا عن كونه أداة افتراضية توسع قدرات الإنسان وتعززها، يخشى بعضهم من أنه في أسوأ السيناريوهات قد يحوّل الذكاء الصناعي التوليدي الشخصَ إلى شيء شبيه بالزومبي: عديم العقل، مقيد بمجموعات بيانات لا يمكنه الوصول إلى أصولها، وتتحكم به خيارات مبرمجي الذكاء الصناعي التوليدي، وانحيازاتهم، وافتراضاتهم.
يبقى أن نرى كيف ستستجيب المجتمعات بينما تصبح الخطوط بين الإنسان والآلة أكثر ضبابية من أي وقت مضى. في عالم يكون فيه الذكاء الصناعي محكومًا بمصالح شركات التكنولوجيا الكبرى (البيغ تيك)، قد يكون السعي للحفاظ على معنى أن تكون إنسانًا أمرًا مبررًا تمامًا. مع ذلك، يجدر بنا أيضًا أن نكون حذرين قبل وحشنة أولئك الأشخاص الذين يختارون طواعية دمج عقولهم أو أجسامهم مع الآلات في المستقبل.
إن مقاومة خطاب الوحشنة تتطلب الانتباه إلى ثلاثة أمور: أولًا، إدراك الوحشنة على حقيقتها: عملية تقيّد، بل وتعرّض للخطر، حياة الناس لا لسبب سوى أنهم يكشفون زيف الأساطير المتعلقة بالفئات الاجتماعية المنظمة والثابتة. ثانيًا، تتطلب فهمَ أن ثمة أجندات خفية وراء نسج الناس لقصص معينة ليعلنوا بواسطتها أن بعض الناس لا يستحقون حقوق الإنسان أو الإجراءات القانونية العادلة. فأي شخص يروج لأجندةِ وحشنةٍ إنما يستخدم أنماطًا تاريخية من الخوف والتحامل من أجل تفعيل النسخة الأسوأ من المجتمع لأجل مكاسب شخصية. أخيرًا، تقريبًا ما من أحد في مأمن في ثقافة الوحشنة. بما أنه ما من فئة اجتماعية هي بمعزل تام عن الفئات الأخرى، فإن خطر تحولها إلى هدف للوحشنة أمر معدٍ، ومؤيدو الوحشنة يبحثون باستمرار عن أهداف جديدة. بالتالي، إما أن تكون حقوق الجميع محفوظة، أو لا يمكن لأحد أن يكون واثقًا من أن حقوقه الخاصة ستكون مصانة.
إذًا، كيف ينبغي علينا أن نفكر مع الوحوش وبها؟ وكيف يمكن أن يبدو المستقبل الأفضل؟ في “بيان السايبورغ” (1985)، مقالتها عن الحدود الضبابية بين البشر والتكنولوجيا، قدمت عالمة الأحياء ومؤرخة العلوم دونا هاراوِي “حجة لصالح الاستمتاع بتشوش الحدود، ولصالح تحمل المسؤولية في إنشائها”. وهذه الحجة تستحق التوسيع خارج الحدود بين الإنسان والآلة لتشمل كافة الحدود الواقعة عند تخوم البشري، والحدود بين الفئات الاجتماعية.
بدلًا من الخوف من الحدود الرخوة، والضبابية، والمتحركة بين أنفسنا (أيًا كان تعريفها) والآخرين، بوسعنا أن نحتفي بعجب الإمكانية؛ طريقة تفكير أدعوها “المستقبلية الوحشية”. استلهامًا من أدب الأفرو-مستقبلية (المستقبلية الأفريقية) التخيلي المُمَكِّن الذي يتجاوز موروثات العبودية، تطرح فكرة المستقبلية الوحشية أخلاقيات تتمحور حول الوحوش: أخلاقيات تقبل التنوع البشري، وترحب به، وتحتفي به، بدلًا من الإصرار على العيش داخل صناديق ثابتة منفصلة.
ليس بالضرورة أن يُسقَط الاختلاف البشري على تراتبية هرمية ترى بعض البشر على أنهم بشر أكثر من غيرهم. والمستقبل الأفضل هو ذاك الذي لا يكون فيه إحساس البشر بذاتهم منوطًا بأفكار ثابتة عن ماذا يكونون هم أو شعوبهم، مستقبلٌ يوسِّع فيه الاختلاف والتغيير خياراتنا وإمكانياتنا الجمعية. وفي ذلك العالم، سنكون جميعًا وحوشًا عجيبة إنما ليس وحشيين.
(*) سوريخا ديفيس: مؤرخة علوم بريطانية، ومحاضرة، ومستشارة تاريخية في مجال الوحوش. مؤلفة كتاب “الإثنوغرافيا في عصر النهضة واختراع الإنسان: عوالم جديدة، خرائط ووحوش” (2016)، الحائز على العديد من الجوائز. أحدث مؤلفاتها كتاب “البشر: تاريخ وحشي” (2025). نُشرت كتاباتها في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز”، وملحق “ذا تايمز” الأدبي، ومجلة “نيتشر” العلمية، وغيرها.
رابط النص الأصلي:
https://aeon.co/essays/those-declared-monsters-are-ejected-from-the-human-family