أثار كتاب مارك غيوم “الأدب يفكر” (La littérature pense) الصادر سنة 2025، ضمن سلسلة جديدة من الكتب، جملة من القضايا اعتنى فيها بموضوع علاقة الفلسفة بالآداب، وحاول البحث فيما يمكن أن يقدمه كل منهما إلى الآخر. وقد استند وهو يفكر في هذه العلاقة وفي العديد من الأسئلة المرتبطة بها، إلى مواقف مجموعة من الفلاسفة والأدباء. يقف أمام بعض تصوّراتهم من أجل إبراز العلاقة المركّبة بين الإنتاج النظري الفلسفي وفنون القول في الآداب والفنون، واتجه في سياق عمله إلى بلورة منظور جديد يروم من خلاله إيجاد صلات من الوصل والتعاون بين الآداب والفلسفة، مستندًا في ذلك إلى بعض المستجدات التي تساهم اليوم في مزيد من تقريب العلاقة بين كل منهما، وذلك على الرغم من اعتماد الفلسفة على آليات المفاهيم، واستناد الآداب في الشعر والرواية إلى آليات البلاغة والتخييل. استند في سياق دعوته وتحليله إلى بعض نصوص كتاب جورج باطاي “الأدب والشر”، كما اعتمد بعض مواقف سارتر وبروست وبعض الروائيين المعاصرين.
توقف صاحب “الأدب يفكر” أمام النصوص الأدبية، الصانعة اليوم لأساطير جديدة في الثقافة المعاصرة، نصوص أصبحت تستوعب إضافة إلى مساحة البلاغة والتخييل، منجمًا للأفكار المرتبطة بقضايا الزمن المعاصر. كما حاول إبراز أدوار الأدب في توسيع خيالاتنا، محاولًا إبراز المساعدة التي يمكن أن تقدمها الفلسفة في قراءة الآداب. ولم يُغفل التوقف أمام بعض أنماط الكتابة الفلسفية التي تركب طريق الآداب، وتنسج تصورات وتشخيصات في موضوع نمط العيش داخل المجتمع، كما تنسج جوانب من بعض صور الغموض المرتبطة بالحياة وبالإنسان، وتعكس فنون الآداب في الشعر والرواية جوانب من تراجيديا الحياة ومن بهلوانياتها، كما تتوقف في بعض أوجه نصوصها أمام علاقة البشر ببعضهم. ونقف في بعضها الآخر على صور جديدة لعلاقة الإنسان بالحرب وبالشر والموت وعلاقتهم بالحب وبالصداقة.
نتجه في ضوء بعض أسئلة وخلاصات هذا الكتاب إلى التفكير في موضوعه، وذلك ضمن إيماننا بجملة التحولات التي طرأت على كل من الفعالية النظرية الفلسفية وفعاليات الخطابات الأدبية، حيث لا يمكن إنكار العلاقة القائمة بين الفلسفة والأدب في تاريخ الفكر الإنساني. وإذا كانت المقتضيات المنهجية المتعلقة بالإنتاج، الذي راكم كل منهما في التاريخ، قد اقتضت لزوم التمييز بينهما في أنماط المقاربة وفي طرق الإنتاج، وكذا في الأهداف المتوخاة من نصوص كل منهما عبر حقب التاريخ، فإنه لا يمكننا في الوقت نفسه أن نغضّ الطرف عن أنماط التداخل والوصل والتقاطع والتباعد التي ظلت حاضرة بينهما، والتي يمكن أن نقف عليها بين الحين والآخر ونحن نتأمل إنتاجهما، كما رسمته وراكمته عيون الآداب في الثقافة الإنسانية، وكما تجلّى في الفلسفات التي يستوعبها تاريخ الفلسفة والفكر عبر التاريخ.
| أثار كتاب مارك غيوم “الأدب يفكر” جملة من القضايا اعتنى فيها بموضوع علاقة الفلسفة بالآداب |
اعتدنا في إطار التقسيمات المتعلقة بفنون القول وأنماط الخطاب، في تجليات الكتابة في تاريخ الإنتاج الرمزي، كما تبلورت في التاريخ المتواصل، اعتدنا الإقرار بصور التباعد الحاصلة بين خطاب الآداب وخطاب الفلسفة، كما اعتدنا وسم كل منهما بسمات محددة، حيث وضعنا الفلسفة في تصنيفات الفكر المعاصر في خانة التفكير بالمفاهيم، وحصرنا أسئلتها اعتمادًا على جوانب من تاريخها في قضايا معينة، كما نشأت وتطورت في تاريخ القول الفلسفي، وهي قضايا ترتبط بموضوعات الميتافيزيقا والعلم والأخلاق والتاريخ… وعملنا في الوقت نفسه على ربط فنون الكتابة وأنماطها الإبداعية، كما نشأت وتطورت في التاريخ بمجالات وموضوعات محددة، كما وضعنا نمط الترسّل الكتابي فيها رغم تنوعه في إطار فنون محددة ومسيّجة بحدود معينة ومواصفات بلاغية، وشروط يتم فيها الانحياز لمقتضيات التخييل، والتصوير والإيقاع، وأضفنا إلى ذلك خيالات ترتبط بالألوان والأحلام والأجنحة، وكل ما يمكن أن يفجّر طاقة التخييل، ويمجّد غنائية الكلمات والجمل…
ترتّب عن البسط السابق إقامة فواصل وحدود افتراضية بين كل من فنون القول في الفلسفة والأدب، وذلك رغم وعينا بصور التقاطع واللقاء التي حصلت والتي ما تزال تواصل الحصول بصور جديدة بينهما، لا في موضوعات البحث، ولا في أنماط الكتابة والبناء، بحكم أن لغة الإنتاج في كل منهما، وإن اختلفت في بعض الموضوعات والمباحث، إلا أنها تظل إطارًا جامعًا بينهما… وحوّلنا الأمر في النهاية إلى نوع من الاعتقاد بوجود قارّتين متباعدتين، قارة الأدب وقارة الفلسفة… رغم وجود ما يفجّر جوانب من هذا الاعتقاد في تاريخ الفكر والأدب، حيث تحضر الفلسفة في الآداب، وتتحلّى كثير من الفلسفات بروح ومزايا الآداب.
استأنسنا بالتمييز المذكور، وأنتج التاريخ في ضوئه مذاهب الفكر وفنون الآداب، الأمر الذي عزّز ويعزّز التمايز من جهة، كما ساهم من جهة أخرى في بناء طرق من الوصل بين العوالم والنصوص التي راكم كل منهما في تاريخه. إن صور التقاطع التي يقف عليها كل من انخرط في الاقتراب من نصوص وقضايا تاريخ الفلسفة أو تاريخ الأدب، تدفع إلى بلورة بعض الأسئلة التي تسمح بمراجعة هذا الموقف الذي رسمنا بعض أوجهه في الفقرات السابقة، خاصة وأن تاريخ كل من الأدب والفلسفة يحفل بالعديد من النصوص التي يحصل فيها كثير من اللقاء بين آليات عمل كل منهما، بل يحصل التعايش والتجاور والتساكن بينهما أحيانًا داخل إنتاج بعض المفكرين والكتّاب والأدباء. ولا يتعلق الأمر بمسألة قديمة أو مستجدة، بل إن التقاطع والترابط بين كل منهما مسألة حاضرة في تاريخ كل منهما، ويدفعنا حضورها إلى التفكير فيها أولًا، ثم استخلاص بعض النتائج التي تبرز مستويات التداخل والإغناء المترتّب على صور هذا الحضور. وضمن هذا السياق، نشير إلى أننا لا نتفق مع صاحب كتاب “الأدب يفكر”، عندما يذكر أن الأدب يقلق الفلسفة، ونرى أن مجالات الحضور الفلسفي تتسع بحضورها في الشعر والرواية وحضورها أيضًا في مختلف الفنون والعلوم والمعارف… ونحن نتصور أن الجهد المبذول في مصنفه، يتجه لمحاصرة التباعد وتعزيز آليات التكامل.
لا يستطيع أي منشغل بالفكر الفلسفي أو بالآداب أن ينكر قدرة المحاورات الأفلاطونية على امتلاك مكانة خاصة في تاريخ الأدب والكتابة، وداخل تاريخ الفلسفة في الآن نفسه، ليس لأن أفلاطون كان كاتبًا كبيرًا وفيلسوفًا كبيرًا، بل لأن نصوصه استوعبت جوانب من روح الممارسة الأدبية والفنية، بجوار تأسيسها لمجالات القول الفلسفي وأسئلته الكبرى، في الموضوعات التي شكّلت المحاور الرئيسة في القول الفلسفي اليوناني، ثم في تاريخ الفلسفة بعد ذلك. ويمكن أن نضيف إلى ذلك مختلف صور التمثيل والحكي، المتمثلة في الحضور المكثّف لبعض الأساطير، وبعض المعطيات المتصلة بالمعتقدات والديانات الإغريقية، بدون أن ننسى فنون البلاغة التي نصادفها في مختلف محاورات أفلاطون.
نواجه في الفكر الإسلامي في العصر الوسيط جملة من النصوص التي لا نتردد في ربطها بروح الفلسفة وأنظمة الخطاب الأدبي في الآن نفسه. ويمكن أن نشير هنا على سبيل المثال إلى بعض نصوص الجاحظ والتوحيدي والمعري وابن عربي والغزالي والنفري. ويستوعب تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بدوره العديد من النصوص التي ترسم بطرقها الخاصة جوانب أخرى من التقاطع بين الفلسفة والأدب. نقف في هذا التاريخ أمام نصوص استوعبت بدورها جوانب أخرى من التقاطع بين الفلسفة والأدب، مثل ما هي عليه الحال في بعض نصوص جان جاك روسو وفولتير، أو في كتابات هايدغر وسارتر، حيث يحضر نوع آخر من التقاطع، الكاشف عن صلات الوصل بين الأدب والنظر الفلسفي، كما تحضر أبعاد أخرى ترتبط بأسئلة الفكر والتاريخ في أوروبا القرن الثامن عشر.
اتخذ الأمر في الفلسفة المعاصرة طرائق أخرى في إبراز نمط العلاقة بين كل من الفلسفة والأدب، حيث اشتغل سارتر على إنتاج نصوص في الفلسفة وأخرى في الآداب، ولا نستطيع استبعاد حضور كل منهما في الآخر، حضور الفلسفة في الرواية، وحضور الأدب في محاولة الإمساك بأسئلة الوجود. وقبل سارتر عمل هايدغر على إنتاج فلسفة تغتني فيها الميتافيزيقا بالبلاغة وبفنون القول الساحر. وتتجه أعمال بورخيس في الفكر وفي الأدب إلى احتضان فضاءات معرفية لا حدود لها… أما في الفكر العربي المعاصر فإن بعض نصوص جبران خليل جبران وفرح أنطون ولطفي السيد، وبعض روايات نجيب محفوظ، تتميز بجمعها بين آليات الكتابة الأدبية وآلية التأمل الفلسفي.
اعتدنا أن نسمي المشتغلين بالآداب بالكتّاب والمبدعين، ونسمي منتجي الأفكار في حقل الفلسفة بالفلاسفة والمفكرين، وفي القرن الثامن عشر أطلقنا على فلاسفة الأنوار اسم الكتّاب، وهذه التسميات تحتاج بدورها إلى نوع من المراجعة، وذلك في ضوء ما نحن بصدده، في محاولةٍ نتوخّى منها ضبط أنماط التباعد والتقاطع بين منتوج تاريخ الفلسفة وتاريخ فنون القول والأدب.