وصل الرئيس أحمد الشرع إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة رسمية، هي الخامسة له إلى المملكة منذ توليه رئاسة البلاد، والتقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في زيارة تأتي في توقيت إقليمي حساس تشهده المنطقة، وسط تصعيد متواصل في اليمن وتطورات أمنية وعسكرية متسارعة.
وبحسب ما نقلته رئاسة الجمهورية، بحث الجانبان سبل تطوير العلاقات الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن مستجدات الأوضاع في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
اليمن والتنسيق الأمني على طاولة المباحثات
بحسب قراءة ضيوف برنامج “سوريا اليوم” على تلفزيون سوريا، فإن توقيت زيارة الشرع إلى الرياض قد يجعل الملفات الأمنية والعسكرية حاضرة إلى جانب الملفات الاقتصادية والاستثمارية. وتأتي الزيارة في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية في اليمن، بالتزامن مع اجتماع استضافته الرياض لحلف مكة، شهد إعلان تفعيل آلية الردع الجماعي ونشر قوات عسكرية في المملكة.
وقال أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الملك سعود مطلق المطيري، خلال البرنامج، إن أهمية سوريا بالنسبة للسعودية لا تقتصر على الاستثمارات وإعادة الإعمار، معتبراً أن الظروف الأمنية والعسكرية في المنطقة تفرض ملفات جديدة على أجندة العلاقات بين البلدين. ورأى أن الخبرة التي اكتسبتها القيادة السورية الجديدة خلال سنوات القتال ضد الميليشيات المرتبطة بإيران قد تكون موضع اهتمام في ظل المواجهة مع جماعة الحوثي في اليمن.
من جهته، اعتبر الباحث والكاتب السياسي عمر كوش، في البرنامج، أن المنطقة تعيش مرحلة تصعيد إقليمي، وأن زيارة الشرع تأتي ضمن هذا السياق، مشيراً إلى أن السعودية تنظر إلى الملف اليمني باعتباره أحد أبرز تحدياتها الأمنية. ورأى أن الدور السوري المحتمل قد لا يكون عسكرياً بالضرورة، بل يمكن أن يشمل تبادل المعلومات والخبرات والتنسيق الأمني، مستفيداً من موقع سوريا الجغرافي بين العراق ولبنان.
هل تنضم سوريا إلى “حلف مكة”؟
من أبرز الملفات التي ناقشها برنامج “سوريا اليوم” احتمال تطور التنسيق السوري السعودي إلى مستوى أمني أو سياسي أوسع، في ظل إعلان الرياض تفعيل آلية الدفاع المشتركة ضمن ما يعرف بـ”حلف مكة”. وطرح البرنامج تساؤلات تدور حول ما إذا كانت دمشق قد تتجه إلى الانضمام إلى هذا الترتيب، وما الذي يمكن أن تقدمه أو تحصل عليه في حال اتخاذ مثل هذه الخطوة.
ورأى كوش أن انضمام سوريا، في حال حدوثه، قد يأخذ طابعاً سياسياً أو تنسيقياً أكثر منه عسكرياً، مشيراً إلى أن موقع سوريا الجغرافي يمكن أن يجعلها طرفاً مهماً في تبادل المعلومات والتنسيق بشأن التحديات الأمنية في المنطقة.
في المقابل، شدد المطيري على أهمية عدم عودة سوريا إلى سياسة المحاور، معتبراً أن دمشق تستطيع دعم القضايا العربية والتنسيق مع الدول الإقليمية من دون الانخراط بالضرورة في تحالفات تقوم على الاستقطاب. وناقش البرنامج كذلك فكرة أن تتجه سوريا نحو ترتيبات دفاعية تتيح لها الحصول على مظلة ردع، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها من إسرائيل، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالحدود العراقية واللبنانية.
إيران وحزب الله وإسرائيل.. هواجس أمنية مشتركة
حضر الملف الإيراني بقوة في نقاشات برنامج “سوريا اليوم”، إذ اعتبر المشاركون أن موقع سوريا الإقليمي يجعلها مرتبطة بشكل مباشر بالتطورات الأمنية في العراق ولبنان، حيث توجد قوى وميليشيات مرتبطة بإيران. وأشار المطيري إلى أن القيادة السورية الجديدة تمتلك خبرة ميدانية في التعامل مع هذه المجموعات، الأمر الذي قد يجعل التشاور معها مهماً بالنسبة إلى دول المنطقة.
كما ناقش البرنامج إمكانية وجود دور سوري في الملف اللبناني، ولا سيما ما يتعلق بحزب الله، إلا أن الطرح أكد في الوقت نفسه أن دمشق لا تبدو راغبة في الانخراط عسكرياً داخل لبنان أو في خطوات يمكن أن تمس سيادته.
أما إسرائيل، فبرزت باعتبارها أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى دمشق والرياض وأنقرة، وفق ما طرحه ضيوف البرنامج. واعتبر المشاركون أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا والتطورات الإقليمية تفرض على دمشق البحث عن ترتيبات تضمن حماية أمنها ومكتسباتها السياسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الاصطفاف ضمن محور إقليمي محدد.
بين الاقتصاد والأمن.. ماذا تريد الرياض من دمشق؟
رغم أن العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وإعادة إعمار سوريا تشكل أحد أبرز مسارات التعاون بين دمشق والرياض، فإن توقيت زيارة الشرع قد يفتح الباب أمام ملفات تتجاوز الاقتصاد، وفق قراءة برنامج “سوريا اليوم”. فالتحولات الأمنية في المنطقة، والتصعيد في اليمن، وتفعيل آليات الدفاع المشترك، إلى جانب التحديات التي تواجهها سوريا من إسرائيل ومن محيطها الإقليمي، كلها عوامل قد تدفع العلاقات السورية السعودية نحو مستوى أكبر من التنسيق السياسي والأمني.
وفي هذا السياق، رأى عمر كوش أن دمشق تحاول تثبيت موقعها العربي والإقليمي ضمن الخريطة الجديدة للمنطقة، مع الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع العلاقات وعدم الانضمام إلى محاور متصارعة. في حين أشار مطلق المطيري إلى أن المرحلة المقبلة قد تتطلب تنسيقاً سورياً مع دول المنطقة لحماية الأمن والاستقرار، في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية.
وبذلك، تبدو زيارة الشرع إلى الرياض أبعد من كونها محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها ملفات الأمن والدفاع واليمن وإيران وإسرائيل ولبنان مع ملفات الاستثمار وإعادة الإعمار. ويبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت الزيارة ستنتج ترتيبات جديدة في العلاقة بين دمشق والرياض، وما إذا كانت ستنتقل من مستوى التعاون السياسي والاقتصادي إلى تنسيق أمني واستراتيجي أوسع.