..منير الكشو.. ضفة ثالثة
يتميّز كتاب “في جحيم الجامعة: الأساتذة الباحثون بين الضغط والصمت والانهيار” للأزهر الماجري (تونس، 2023) عن غيره من كتب الباحثين الأكاديميين بأنه لا يتعلق بموضوع من المواضيع التي تعوّد الأكاديميون، وفق تخصصاتهم، دراستها، وإنما بالمؤسسة ذاتها التي تحتضن المعرفة وتُجرى داخلها الدراسات والأبحاث، أي الجامعة. فمن خلال عرض موجز لمجموعة من الوقائع والحالات والممارسات التي جدّت في السنوات العشر الأخيرة في جامعتي تونس ومنوبة بتونس العاصمة، في قسمي التاريخ والجغرافيا، حاول المؤلف جلب انتباه الرأي العام والجماعة العلمية إلى خطورة ما آلت إليه الأوضاع في هاتين الجامعتين، وتنبيه المسؤولين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتونس إلى ضرورة أخذ التدابير اللازمة لإيقاف التدهور وإرجاع الحقوق إلى أصحابها.
ولئن بدا المستحثّ لنشر الكتاب حادثًا شخصيًا تمثّل في رفض لجنة ترقية، في اختصاص التاريخ، إلى رتبة أستاذ تعليم عالٍ، وهي أعلى رتبة وظيفية لمدرّسي التعليم العالي بالجامعات التونسية، ترقية مؤلف الكتاب، فقد وجد المؤلف حالات شبيهة بحالته عانى فيها أصحابها من المدرّسين الأكاديميين ما عاناه هو من حيف وظلم، ما يجعل من الحادثة ظاهرة عامة تتكرر في التعليم العالي في تونس، وتكاد أسبابها تكون هي نفسها. ولا يكتفي الكتاب بعرض الوقائع والملاحظات التي ضمّنها الأشخاص المعنيون مراسلاتهم إلى إدارات التعليم العالي بتونس، يتظلمون فيها مما قامت به لجان التوظيف والترقية معهم، بل تضمّن أيضًا معلومات حول القضايا التي رفعوها ضدّ لجان الترقية والتوظيف في شعبتي التاريخ والجغرافيا أمام القضاء الإداري. وقد حُكم في البعض من هذه القضايا لصالح المشتكين في الطور الابتدائي، وهي الآن قد انتقلت إلى الطور الاستئنافي بعد أن استأنفت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الحكم ضد المشتكين، في حين لا يزال بعضها الآخر في انتظار أن يقع البتّ فيه. وقد كان لهذا الجدل الذي احتدم في جامعتي منوبة وتونس حول مدى نزاهة وموضوعية لجان التوظيف والترقية التي عيّنتها وزارة التعليم العالي في اختصاصي التاريخ والجغرافيا صدى هامّ في وسائل الإعلام. ونجد في آخر الكتاب نماذج من التغطية الإعلامية لهذه الأحداث، سواء قام بها صحافيون أو وردت في مقالات في الإعلام نشرها المشتكون أنفسهم.
1- في الكتاب ومضامينه
يتشكل الكتاب من تصدير ومقدمة عامة وثلاثة فصول، هي أولًا: الجامعة بين التصوّرات والواقع؛ وثانيًا: الجحيم الجامعي: مظاهره وضحاياه وتبعاته؛ وثالثًا: احتكار النفوذ داخل الجامعة: شبكة المصالح والرهانات؛ وثمة خاتمة وملحق تضمّن وثائق تتعلق بتركيبة لجان الترقية والتوظيف وبمنشورات صحافية تتعلق بالحالات التي يتطرق إليها الكتاب.
الجامعة: أي نموذج – مثال؟
في الفصل الأول، يقدم الكاتب تصوره للنموذج – المثال للجامعة، أو للجامعة وفق مفهومها مثلما تبلور تاريخيًا وأخذ الشكل الذي هو عليه اليوم، من حيث هي “مؤسسة علمية ومعرفية رفيعة، تحكمها قوانين منظمة وتسيّرها هياكل ومؤسسات إدارية وعلمية وبيداغوجية مختصة، وتخضع لموازين قوى ولتراتبيات علمية ومهنية مقنّنة” (ص. 25). لكن الجامعة ليست هذا فحسب، إذ هي أيضًا، في رأي الكاتب، قاطرة المجتمع. ففضلًا عن الدور العلمي الذي اضطلعت به في العصر الحديث، المتمثل في إنتاج العلوم والمعارف والتكنولوجيا الحديثة ونشرها وتدريب الناس عليها، تفاعلت الجامعة الحديثة في الغرب مع أحداث تاريخية هامة أكسبتها أدوارًا اجتماعية وسياسية تمثلت أساسًا في تكوين رأي عام عليم ومتبصّر، والارتقاء بمستوى الجدل العام، وترشيد الوعي الجماعي وجعله أكثر عقلانية في تعاطيه مع الأحداث التي تجدّ في المجتمع. ومن هذه الأحداث يتوقف الكاتب عند أمثلة يراها هامة وأساسية، حصلت في فرنسا وتخطّى صداها حدودها، وأثّرت في تطور الفكر والمؤسسات الأكاديمية في أوروبا والعالم، وساهمت في تبلور الدور المجتمعي والمدني للمؤسسة الأكاديمية. من هذه الأحداث يتوقف الكاتب عند ثلاثة: قضية كالاس التي جدّت سنة 1761، ودور الفيلسوف والمفكر فولتير Voltaire في تحويلها إلى قضية رأي عام، ما أدى إلى نقض الحُكم الذي أُعدم بمقتضاه كالاس Callas عام 1762؛ وقضية روزالي دواز Rosalie Doise سنة 1862، والدور الذي قام به فيكتور هيغو Victor Hugo في حشد تأييد الرأي العام، ما أدى إلى تبرئتها ونقض حكم الإدانة الذي أصدرته المحكمة؛ وقضية ألفريد درايفوس Alfred Dreyfus الذي اتُّهم باطلًا بالخيانة الوطنية عام 1897، والتي تبنّاها إميل زولا Emile Zola ودافع عنه ضد رأي عام معادٍ له لأصوله اليهودية. تؤكد هذه الأحداث، في رأي الكاتب، أنه لا يمكن الفصل بين المؤسسة الأكاديمية والمجتمع وما يعتمل فيه من جدال وحراك. كما تبيّن أيضًا، حسب رأيه، أنه لا يحق للأكاديميين والعلماء والأدباء التنكّر لدورهم ولمسؤوليتهم الاجتماعية. لذلك يقول: “يحيل مضمون الجامعة إلى كل ما هو إيجابي وبنّاء، وهذه هي الغاية الأصلية للجامعة كمؤسسة علمية دورها نشر المعرفة بين عناصر مختلفة ومنحدرات اجتماعية وثقافية متباعدة وتوسيع دوائر النور وتقليص مساحات الظلام. فداخل الجامعة تُبنى العقول، ويتشكل الوعي، وتُكتشف المواهب، ويظهر المفكرون والمبدعون والعلماء. في كلمة الجامعة هي مكونة الفاعلين لمجتمع الغد” (ص. 31). ولئن كان هذا هو النموذج – المثال للجامعة، فإن واقعها، في تونس، كما عاشه الكاتب وزملاؤه الذين قدّموا له شهاداتهم، مغاير بل مناقض له. والسؤال الذي يجتهد الكتاب في الجواب عنه هو: لماذا تحاكي الجامعة وفق مفهومها أو نموذجها – المثال الجنة، في حين أن واقعها لدينا يكاد يشبه الجحيم؟ لماذا انزاحت الجامعة لدينا عن مفهومها الأصيل، من قلعة للعلم وفضاء للحريات الأكاديمية والتعددية والاختلاف المعقول، لتصبح تجسيدًا لكل ما هو على الضدّ من ذلك؟ (ص. 34).
في لهيب الجامعة
في الفصل الثاني، “الجحيم الجامعي: مظاهره وضحاياه وتبعاته”، يستعرض الكاتب خمس حالات لمدرّسين وباحثين أكاديميين حُرموا من حقهم في التوظيف أو الترقية الأكاديمية لأسباب لا صلة لها، وفق رأيهم، بملفاتهم العلمية. فقد تخلّلت العملية، حسب قولهم، خروقات قانونية وإجرائية رفع في شأنها أربعة منهم قضايا إلى المحكمة الإدارية التي حكمت لصالح البعض منهم. وقد قدّم أربعة منهم شهاداتهم في الكتاب، في حين اضطر المؤلف إلى عرض الحالة الخامسة بنفسه بسبب وفاة المعني بها.
الحالة الأولى تخصّ الدكتور مراد رقية، وهو مدرّس بالتعليم العالي منذ سنة 1992 بجامعة سوسة/ تونس في اختصاص التاريخ، أُحيل على التقاعد سنة 2013 برتبة أستاذ مساعد، بعد أن تقدّم لنيل شهادة التأهيل الجامعي للإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه لثلاث دورات متتالية بدون الحصول عليها، ولم يتسنّ له بالتالي الترشح للتوظيف في درجة أستاذ محاضر (ص. 45)[1]. ويُجمل الكاتب المطاعن القانونية في لجان الدورات الثلاث للتأهيل التي دافع أمامها الدكتور رقية عن ملفه العلمي فيما يلي: عدم تمكين اللجنة المترشح من الوقت الذي ضمنه له القانون لإعداد دفاعه، وهي المدة التي تفصل بين إيداع ملف الترشح للتأهيل وتاريخ الدفاع عنه؛ إعادة تعيين المقرر (المحكّم) نفسه في الدورة الثالثة (2011-2012)، وهو الذي كان تقريره سلبيًا في الدورة الأولى (2006-2007)، وعدم منح فرصة جديدة للمترشح مع مقرر (محكّم) جديد؛ تعيين مقرر ثالث في الدورة الثالثة لينظر في مدى وجاهة الحجج التي قدّمها صاحب التقرير (التحكيم) الثاني، في حين أن هذا الأخير كان رئيسًا للجنة التي منحت شهادة التأهيل للمقرر (المحكّم) الثالث؛ عدم أخذ اللجنة بعين الاعتبار اعتراض المترشح على إعادة تعيين المقرر نفسه للملف نفسه إذا كان تقريره في السابق سلبيًا، في حين أنه حق يضمنه له القانون، وذلك لتمكين المترشحين من فرص أوفر وتوفير أركان النزاهة والموضوعية والحيادية المحمولة على اللجنة؛ إصرار أحد المحكّمين على تقييم الملف رغم اعتراض المترشح على ذلك، لما يشوب علاقاتهما من توتر وانعدام للثقة (“في جحيم الجامعة”، ص. 50)[2]. ورغم أن المحكمة الإدارية أنصفت الدكتور مراد رقية وحكمت لصالحه حكمًا نهائيًا وباتًّا، أُحيل على التقاعد لبلوغه الحدّ العمري.
الحالة الثانية التي يعرضها الكاتب هي حالة أستاذ الجغرافيا الدكتور جميل الحجري، وهو أستاذ مساعد في الجغرافيا بكلية الآداب بمنوبة منذ سنة 1993، مختص في علم المناخ الزراعي وخبير في التغايرات المناخية ومستشار دولي في هذا المجال. فضلًا عن اهتماماته الأكاديمية، يعدّ الدكتور الحجري من العناصر الناشطة على صعيد المجتمع المدني في الجمعيات والمنظمات المهنية، وهو منخرط بقوة في الشأن العام (ص. 56). ورغم حصوله على التأهيل، لم يحصل على التوظيف في رتبة أستاذ محاضر، إذ رُفض ملفه من قبل لجان الدورات للسنوات 2013 و2014 و2015 و2016. ويصف الكاتب حصص المناقشة مع اللجنة لملف التوظيف الذي ترشح به الدكتور الحجري، والتي حضرها بنفسه، بأنها كانت بعيدة عن النزاهة والموضوعية، فقد تخلّلها الاستهزاء والتنمر والاحتقار من أعضاء اللجنة إزاء المرشح، ومنعوه أيضًا من دعوة أصدقائه والطلبة والمهتمين بالموضوع لحضور حصة الدفاع عن الملف، في مخالفة صريحة للقانون الذي يفترض علانية المناقشات والدفاعات وطابعها العام. فضلًا عن ذلك، وجّهت اللجنة للمترشح تهمة الانتحال العلمي Plagiarism، وهي من أشد التهم خطورة، حيث ينص الأمر الصادر سنة 2013 عن الحكومة التونسية في فصله 8 على “تحجير المشاركة على المنتحلين لمدة 5 سنوات متتالية في أي مناظرة تنظمها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي”. وقد فنّد المتضرر هذه التهمة في تقرير مضاد مفصّل وجّهه لوزارة التعليم العالي، غير أن هذا التقرير اختفى رغم توثيقه في مكتب الضبط للوزارة وامتلاك المتضرر شهادة تثبت ذلك. وهو ما يطرح أسئلة عديدة، في رأي الكاتب، حول مصداقية مصالح وزارة التعليم العالي التونسية والتزامها الحياد في المباريات التي تنظمها للتوظيف والترقية. وقد صدر في شأن القضايا التي رفعها الدكتور الحجري ضد لجان التوظيف ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي التونسية أمام القضاء الإداري 11 حكمًا قضائيًا بين ابتدائي واستئنافي باتّ لصالحه، نقضت كل قرارات اللجان المذكورة وحمّلت الوزارة وجامعة تونس المصاريف القانونية وتبعات إلغاء قرارات اللجان المادية والمعنوية. وهي الأحكام التي سمحت للشاكي برفع قضايا في التعويض وجبر الأضرار واسترجاع حقوقه المادية، وتقديم قضية أمام القضاء الجزائي ضدّ 20 نفرًا، منهم 14 أستاذًا وعميدان ورئيسا جامعتين ومدير تعليم عالٍ بوزارة التعليم العالي، بتهمة سرقة ملف تقرير تضمّن ردًّا على لجنة التوظيف، وكذلك ضدّ مدير امتحانات ومناظرات.
أما الحالة الثالثة التي يعرضها الكتاب فتتعلق بالمؤلف نفسه، الدكتور الأزهر الماجري. توظّف بالتعليم العالي سنة 1999 بجامعة منوبة، وارتقى إلى رتبة أستاذ محاضر سنة 2015. شغل وظيفة مدير قسم التاريخ بالجامعة نفسها ما بين 2017 و2020. تقدّم الدكتور الماجري سنة 2018 بملف ترشح للترقية إلى درجة أستاذ تعليم عالٍ (بروفيسور). ورغم ثقته في متانة ملفه العلمي لما تضمّنه من مقالات وكتب صادرة حديثًا، فضلًا عن ملف إداري غني بالتجارب والمسؤوليات، من قبيل إدارته لقسم التاريخ لمدة ثلاث سنوات، وعضوية المجلس العلمي للكلية، ورئاسته للجنتي الماجستير في التاريخ وفي التراث، وعضوية اللجنة القطاعية للتاريخ التي تنظر في برامج التدريس في مستوى الإجازات والماجستير والدكتوراه لمدة خمس سنوات، فضلًا عن العدد المهم من رسائل الماجستير والدكتوراه التي أشرف عليها في تونس وفي الجزائر، فإنه فوجئ بالردّ السلبي من قبل اللجنة. وأعاد الكرّة سنة 2019 وترشح للترقية من جديد، ومع أن ملفه اغتنى بكتابين جديدين ومقال صدرت جميعها بعد إيداعه ملف الترشح لدورة 2018، لم يكن حظه أحسن هذه المرة من سابقتها.
تقدّم الدكتور الأزهر الماجري إلى القضاء الإداري بطعن في مصداقية اللجنة، كاشفًا عن خروقات قانونية شابت تشكيلها من قبل الوزارة[3]. وقد تمثلت أهم الخروقات القانونية التي اعترض على أساسها الدكتور الماجري على قرارات اللجان في: أولًا، أنها ضمّت في تركيبتها أساتذة غير مخوّلين قانونًا عضوية لجنة ترقية بسبب بلوغهم الحدّ العمري وإحالتهم على التقاعد بقرار من وزير التعليم العالي والبحث العلمي؛ ثانيًا، عدم احترام التخصّصات العلمية الجزئية، إذ غيّرت اللجنة التخصّص الذي ترشح فيه الدكتور الماجري، وهو التاريخ الحديث، ونزّلته ضمن تخصّص آخر، وهو التاريخ الوسيط؛ ثالثًا، لم يتم تقييم الملف العلمي من أهل التخصص، أي التاريخ الحديث، بل من متخصّص في التاريخ القديم، وتحديدًا علم الآثار، ومن متخصّص في التاريخ الوسيط، رغم أن اللجنة ضمّت متخصّصين في التاريخ الحديث والتاريخ المعاصر؛ رابعًا، أن اللجنة ضمّت عنصرًا جمعته علاقة متوترة مع الدكتور الماجري لوجود خلاف بينهما حول إدارة قسم التاريخ بجامعة منوبة، وتكفّل هذا العنصر بتقييم ملفه رغم أنه غير متخصّص في المجال البحثي نفسه.
ولئن كان يُفترض في عضو لجنة ترقية في هذا المستوى أن يكون محمولًا على النزاهة والتجرّد والموضوعية، وأن يربأ بنفسه عن إقحام الاعتبارات الشخصية في تقييم ملف علمي، وعن استغلال الموقع الذي أتاحه له التعيين في لجنة ترقية لتصفية حسابات قديمة مع زميله، فقد جرت الأمور على خلاف ذلك. وقد وجدت مطاعن الدكتور الماجري في شرعية لجنة الترقية لدى أعضاء هيئة المحكمة الإدارية آذانًا صاغية، إذ أصدرت حكمًا ابتدائيًا ببطلان قرار لجنة الترقية، والقضية هي اليوم في الطور الاستئنافي.
وتمثل حالة الباحثة بالمعهد الوطني للتراث الدكتورة هاجر الكريمي حالة أخرى من الاعتداء الصارخ على حقوق تضمنها مهنة التدريس والبحث والقوانين المنظمة لها للمدرّسين والباحثين الأكاديميين. تحصّلت الدكتورة الكريمي على تكوينها في التاريخ القديم وعلم الآثار بين جامعتي تونس وجون مولان 3 بليون في فرنسا، حيث أحرزت شهادة الدكتوراه في لغات وتاريخ العوالم القديمة. توظّفت بالتعليم العالي في قسم التاريخ بجامعة تونس قبل أن تصبح مديرة المتحف الأثري الروماني بالجم، المصنّف تراثًا عالميًا من قبل منظّمة اليونسكو. حصلت عام 2019 على الجائزة الكبرى لسفراء الولايات المتحدة الأميركية لحفظ وصيانة مسرح قصر الجم. تمثلت المظلمة التي سُلّطت عليها، كما أوردها مؤلف الكتاب، في استبعادها من إدارة مشروع صيانة وترميم القصر الروماني بالجم، الذي كانت تشرف عليه منذ انطلاق الأعمال عام 2013 والحصول على التمويل الأميركي، وحرمانها بالتالي من مواصلة بحوثها ومن إعداد ملف تأهيلها الجامعي. وقد بادر مدير المعهد الوطني للتراث بإزاحة الدكتورة الكريمي من إدارة المشروع وتنصيب نفسه مكانها مديرًا له. وقد جعلته هذه الخطوة، في رأي الكاتب، محل شبهة تضارب المصالح، إذ “لا يمكن للمدير العام للمؤسسة أن يكون في نفس الوقت مديرًا لمشروع بحث داخل المؤسسة التي يشرف على تسييرها” (ص. 96). وقد كانت تداعيات ما أقدم عليه المدير العام بالمعهد الوطني للتراث عديدة، تمثلت في: إيقاف الحفريات الميدانية بقصر الجم، ما أضرّ بالموقع وبالباحثين؛ تجميد مشاريع الجرد والصيانة والترميم للمخزون الأثري والتاريخي التي بدأت منذ سنة 2013؛ تعطيل بحوث الدكتورة الكريمي وإعدادها لملف تأهيلها الجامعي وحرمانها من الترقي العلمي والأكاديمي؛ تعطيل المشروع التونسي الأميركي؛ خسارة تونس لثقة الدوائر الثقافية والمالية الأميركية، ما يمكن أن يكون له عواقب على صورتها كشريك حريّ بالثقة في مجال التعاون الثقافي الدولي (ص. 98-99).
وتكشف الحالة الأخيرة التي يعرضها المؤلف، وهي حالة الدكتور خليفة البحروني، دور التكتلات، أو بالأحرى ما يسميه المؤلف الشبكات التي تصنع النفوذ والقوة داخل الجامعة التونسية، في توتير الأجواء داخل الفضاء الأكاديمي وداخل الأقسام، حيث يكون التدريس والحصول على الدرجات العلمية والتدريب على الخطوات الأولى في البحث العلمي. منذ توظيفه بقسم التاريخ بجامعة تونس سنة 2014، واجه الدكتور البحروني ردود فعل غير مرحّبة، بل معادية، من قبل زملائه في القسم الذين قابلوه بالتنمر والمضايقة والضغط. ويرجّح المؤلف أن يكون ذلك عائدًا إلى أنه اشتغل طيلة مسيرته البحثية مع الدكتور راضي دغفوس، الذي “لم يكن المتنفّذون الجدد في قسم التاريخ يحملونه في قلوبهم” (ص. 104). وهو ما يجعل حالته شبيهة، في نظر المؤلف، بحالة الدكتور مراد رقية، الذي كان عداء جزء كبير من أعضاء لجان التأهيل والتوظيف له يعود إلى إعداده رسالة الدكتوراه تحت إشراف الدكتور توفيق البشروش، أستاذ التاريخ الحديث والوسيط لتونس والمغرب العربي. لكن السبب الرئيسي يكمن، في نظر المؤلف، في رغبة أطراف اكتسبت، في المدة الأخيرة، “نفوذًا وقوة داخل قسم التاريخ بجامعة تونس”، في “السيطرة على قسم التاريخ والتدخل في اختيار الوافدين الجدد وتحديد هوياتهم وتوجهاتهم” (الصفحة نفسها). حاول الدكتور البحروني الصمود في هذا المناخ المعادي، وأصرّ على القيام بمهامه على أحسن وجه وفق ما يمليه عليه ضميره المهني، لكنه في الواقع لم يجد سندًا من زملائه الذين سكتوا على خروقات القوانين والإجراءات، ولم يحرّكوا ساكنًا أمام دوس هذه المجموعة المسيطرة في القسم على القيم الأكاديمية.
(يتبع)
* أكاديمي وكاتب تونسي- جامعة تونس.
[1]- التأهيل هو درجة أكاديمية توجد في النظام الفرنسي والألماني ولا توجد في النظام الأكاديمي الأنغلو-أميركي. الحصول على هذه الدرجة ضروري حتى يمكن للمدرس في رتبة أستاذ مساعد، وهو ما يسمى في تونس صنف (ب)، الترشح للتوظيف في رتبة أستاذ محاضر (صنف أ) ما يمكنه من الإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير.
[2] – للاطلاع على المزيد حول الموضوع يراجع مراد رقية: “انطباعات جامعي ينتظر التقاعد. حول منظومة الفساد الجامعي” على الرابط التالي:
https://sl1nk.com/aur7rt1
[3]- في تونس يتم تشكيل لجان توظيف وترقية مدرسي التعليم العالي على الصعيد الوطني من الإدارة العامة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ولا تتشكل على الصعيد المحلي الخاص بكلّ جامعة على حدة كما هي الحال في فرنسا وألمانيا مثلا حيث تكون الجامعات مستقلة ذاتيًا وتتولى كل منها فتح دورات خاصة بها للتوظيف عن طريق المباراة في مختلف الاختصاصات العلمية باعتماد نفس الدرجات الأكاديمية المعترف بها على الصعيد الوطني أو يعادلها.