قاد اختفاء الشابة السورية بتول سليمان علوش وظهورها بلباسها الأسود؛ وقولها في تسجيل لها إنها “هاجرت في سبيل الله”، انتقلت من المذهب العلوي إلى السُّنّي، إلى فتح باب الحوار في حرّية المعتقد باعتباره حقاً شخصياً للفرد البالغ، يحدّده القانون السوري بسن الثامنة عشرة، وإلى تناول ظاهرة الطائفية في المجتمع السوري، وارتباطها بسياسات النظام البائد، وبأدبيات التيار الغالب في السلطة السورية الجديدة، وتأثيرها في السلم الأهلي والتماسك الوطني. مع ملاحظة أن ما طُرح في هذه الحوارات/ السجالات تناول ظاهر الموضوع من دون جذره وجوهره.
تبرز في البحث عن جذر الطائفية قضية تشكيل الفرق والمذاهب الإسلامية وارتباطها بالسلطات الحاكمة وانفصالها عنها على امتداد التاريخ الإسلامي. انفجر الصراع على السلطة بين المسلمين إثر وفاة الرسول (عليه الصلاة والسلام)، ودب الخلاف والشقاق بينهم؛ جسّده الجدال بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة حول خلافة الرسول، وحسم عمر بن الخطاب الجدال بمبايعة أبي بكر الصديق، وتحفّظ علي بن أبي طالب، ومن خلفه بنو هاشم، على البيعة بذريعة أحقية بيت النبي بها. جُمّد الخلاف والشقاق خلال مواجهة تمرد قبائل بني أسد وغطفان وطي على السلطة المركزية، عُرفت بحروب الردة، وتعمّق، الخلاف والشقاق خلال خلافة عثمان بن عفان، الذي قُتل على أيدي مسلمين، وبلغ ذروته في المواجهات الدامية في معركتي صفين والجمل حيث قُتل أكثر من 15 ألفاً من صحابة رسول الله، وانطلاق حملات التحريض والتشهير بين الأحزاب التي تشكّلت حول الشخصيات المتصارعة: علويون، نسبة إلى علي بن أبي طالب، وعثمانيون، نسبة إلى عثمان بن عفان، وخوارج، نسبة إلى من خرجوا من معسكر علي بعد قبوله التحكيم في معركة صفّين، يصفون أنفسهم بالشراة، باعوا أنفسهم في سبيل الله، كل فريق يرمي الآخر بالكفر والضلال، ما أثار البلبلة والحيرة بين عامة المسلمين، على خلفية أن أبناء هذه الأحزاب يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت، وهذه كلها علامات تدلّ على أن من أتى بها كان مسلماً، فمع مَن الحق ومع مَن يقفون والمتصارعون ذوو مكانة كبيرة لدى المسلمين، فهم صحابة الرسول وأوائل المسلمين؛ فجاءت فكرة إرجاء الحكم إلى يوم القيامة؛ ورفض تكفير المسلمين بعضهم بعضاً، لأن مرتكب الكبيرة يبقى مسلماً ويدخل الجنة، التي طرحها حمّاد بن أبي سليمان في الكوفة، سُمي أتباعه بالمرجئة. أثارت طروحات حمّاد ردات فعل سلبية لدى بعض المسلمين، فكانت القدرية، سلف المعتزلة، التي قال بها معبد الجهني البصري وتلميذه غيلان الدمشقي، نقيضة للمرجئة، فقد كفّرت مرتكب الكبيرة، وجعلت مصيره النار.
استمرّ هذا التراشق وامتد في الأمصار مع توسّع الفتوحات والاحتكاك بشعوب وعقائد مختلفة في البلدان التي فتحها المسلمون وبدأوا بمقارنة عقائدهم بما فهموه من الآيات وشرح الرسول الكريم لها واجتهادات الفقهاء في تفسيرها وتقعيدها، وانخرطوا في مناظرات معهم، وأعجبوا بأسلوبهم في المحاججة وبالمنطق الذي استخدموه في دفاعهم عن عقائدهم، ورأوا أنه لا بد من الاحتكام إلى أسلوب في المحاججة مع جماعاتٍ لا تقبل بنصوص القرآن حجّة أو معياراً، فكان ميلاد علم الكلام، وبدء الحوارات العقلية، وتكاثر الفرق، الملل والنحل وفق مصطلحات ذلك الزمان. وقد أجج حديث منسوب إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) جاء فيه بانقسام المسلمين إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، الصراع على مصراعيه حول الفرقة الناجية، كل فرقة تدّعي أنها هي وتكفّر الأخريات وتجزم بأن مصيرها النار.
لم يقف التفرق عند حدود الخلاف والشقاق حول قراءة النص المؤسّس، القرآن الكريم، وصياغة عقائد دينية خاصة (المرجئة والمعتزلة والأشاعرة والشيعة الاثنا عشرية والشيعة الزيدية والخوارج وأهل الحديث والأشاعرة والماتريدية والصوفية وأتباع وحدة الوجود/ محيي الدين بن عربي)، بل تجاوز هذا بتبنّي فرق إسلامية نظريات وأفكار حول الألوهية والميعاد من ديانات أخرى سماوية وغير سماوية (الفاطميون والموحدون الدروز والعلويون والإسماعيليون)، فغدا اتهامهم بالكفر والضلال يسيراً على الفرق الأخرى. وزاد ظهور التفلسف بين المسلمين، بعد ترجمة الكتب الإغريقية والهندية والفارسية، المشهد تعقيداً وارتباكاً. هذا كله مع تعصّب مذهبي جعل من أئمة المذاهب أنصاف آلهة، ومن نصوصهم كتباً مقدّسة، مكانتها في قلوب أتباعهم أكثر من مكانة القرآن الكريم. تسمع عبارة “ماغلطنا بالبخاري” يقولها المسلمون إذا ما لامهم آخرون على خطأ ارتكبوه، وذلك للتقليل من قيمة الخطأ. ففي الوقت الذي كان المنطق العقلي والعملي يفرض توجيه الجهد الفكري والقدرات المادية إلى وضع أسس قانونية، وتشكيل هياكل إدارية وإنتاجية، ووضع خطط وبرامج تطبيقية لإعمار الكون وتلبية احتياجات البشر المادية والمعنوية تحت كنف العدل والمساواة، كما جاء بالتوجيه الإلهي، صُرف الجهد وهُدرت الإمكانات على صياغة عقائد خاصة فيها كثير من التعقيد والتزيد/ الطغيان كان القرآن الكريم قد نهى عنه، قال تعالى: “فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” (هود: 112). أمر إلهي جامع بالاعتدال والالتزام بحدود الله، أتى للتحذير من مجاوزة الحد، سواء في العبادات والتشريع، أو في المعاملات؛ لذا يمكن القول بلا تردّد إن كل ما وضعه علماء الكلام وأئمة المذاهب من صيغ عقدية، غير ملزم بل وضار، لأنها قادت للتفرقة التي حذّر منها الهدي الإلهي.
لقد ابتعدت الفرق/ العقائد/ الطوائف عن الإسلام كما أراده الله، عز وجل، ما رتب وجود سياقين متباعدين، التوجيه الإلهي والتاريخ الإسلامي، وما حصل فيه من تجاوزات وظلم واضطهاد ودماء. ولم تتوقف الفرق/ العقائد/ الطوائف عند الابتعاد عن الهدي الإلهي، بل ذهبت بعيداً في صراعاتها، بلغت به حد الفجور، ففرض معاوية بن أبي سفيان على أئمة المساجد وخطباء الجُمع شتم علي بن أبي طالب على المنابر، مع أن أياً منها لا تملك حق الحكم على الأخريات، لأنها مثلها تستوفي شروط الإيمان العامة: الإيمان بالله والرسالة المحمدية ويوم الميعاد/ القيامة، وبقية عقيدتها اجتهادات بشر؛ ولا تملك القدرة على الجزم بأنها الأصح، قال تعالى: “ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ” (النحل: 125).
تكمن دقة الموقف وتبعاته الخطيرة في القول إن المذهب السُّنّي هو المعبّر الوحيد عن الدين الإسلامي، وهذا قول غير منصف، وزاد الطين بلة أن حركات الإسلام السياسي، السلفية والسلفية الجهادية خصوصاً، سلمت بهذا التصنيف من دون تدقيق، وبنت عليه ومارست التكفير والقتل مع أبناء الفرق/ العقائد/ الطوائف المختلفة معها، اعتبرت نفسها الفرقة الناجية، ومن حقها محاسبة المختلف.
لقد أفسح الافتراق والتعصّب المذهبي المجال لقوى داخلية وخارجية للعب على التباينات والاختلافات واستغلالها في بسط السيطرة والهيمنة، تحقيقاً لمصالح خاصة، والمسلمون الآن أمام معضلة كبيرة ودقيقة: إما أن يعتبروا كل المذاهب الإسلامية شرعية، أو يعتبروها كلها غير متطابقة مع الإسلام الحنيف، وإن بنسب متفاوتة. وهذه قضية دقيقة وحساسة وتحتاج من فقهاء المرحلة إلى جرأة فكرية وأخلاقية لإصدار فتوى تعترف بكل المذاهب الإسلامية، وتترك محاسبتها لله جل شأنه، فالله أعلم بالمهتدين كما جاء في الآية 125 من سورة النحل المذكورة أعلاه، ومطلوب من السلطة السورية الجديدة الوقوف على مسافة واحدة من كل المذاهب، ومعاملة أتباعها بالعدل والمساواة.
بالعودة إلى حقيقة الطائفية، ومدى ارتباطها بدين الإسلام، يمكن الجزم بأنها غريبة عنه، لأن الفرق/ العقائد/ الطوائف ابتعدت عن التوجيه الإلهي؛ كما حددته الوصايا الإلهية، وشوّهت الإسلام الحنيف بالتزيد/الطغيان والتكلف المرهق، قال تعالى: “قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)، وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)” (الأنعام: 151 – 153)، فالمطلوب من المسلم/المسلمين بسيط وواضح الإيمان بالله والالتزام بالوصايا قولاً وفعلاً، والانطلاق في إعمار الكون لتحقيق حياة كريمة في ظل العدل والمساواة بين البشر. قال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” (البقرة: 62)، وقال: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” (البقرة: 285).