تقترن المكانة التي تحظى بها عملية البوح بمكنونات الذات في الثقافة والجماليات الرومانسية، بحسب ف. س. تينان، بتلك الأولوية المُعطاة إلى العاطفة، والعفوية الظاهرة، وسمات الحضور المفعم بالحيوية والنبض. “وفي هذا السياق، تبرز اليوميات الخاصة والرسائل، وإن كان ذلك ينطوي بلا شك على شيء من التبسيط، بوصفها أشكالًا كتابية متحررة من كل قيد، حيث ينساب القلم من دون عناء أو كبح. إذ تكتسي اليوميات طابعًا حميميًا، لتغدو فضاءً للذات الباطنة وصدًى يتردد فيه نبض الروح؛ فبوسع المرء أن يخاطب يومياته كما يخاطب كاتم أسراره، دون تردد في مناداتها ومناجاتها”. وهذا ما نجده لدى دو غيران حين يكتب في يومياته: “يا دفتري، لستَ بالنسبة لي مجرد كومة من الورق، أو شيئًا جامدًا لا حسّ فيه ولا حياة؛ كلا، بل أنت حيّ، ولك روح وعقل، وفيك حبّ وطيبة وتعاطف وصبر وإحسان ومودة خالصة لا تشوبها شائبة. أنت تمثّل لي ما لم أجده بين البشر: ذلك الكائن الرقيق والمتفاني الذي يرتبط بروحٍ واهنةٍ وعليلة” (دو غيران، 1862، ص. 157).
تضيف ف. س. تينان أن عملية إضفاء طابع شخصي على دفاتر اليوميات تتيح إمكانية الكتابة إلى الذات، وتُسهّل وضعية “توجيه الخطاب إلى الذات” وخلق مسافة فاصلة عن النفس، وهي مسافة مواتية للتحليل وللتعبير عن الصراع الداخلي الذي يمكن أن نرى فيه بزوغ الفرد الحديث، وذلك كما جاء في كتاب “تعب أن تكون ذاتًا” لعالم الاجتماع الفرنسي ألان إرينبيرغ.
النهي عن القراءة
وبذلك تُعدّ اليوميات الخاصة، في الواقع، حيزًا قابلًا لاحتواء الاضطرابات والتناقضات الذاتية الباطنة. فالخصوصية، باعتبارها مساحة للعزلة والتحفظ حيث تتسع رحابة امتلاك المرء لذاته، تبدو مرتبطة ارتباطًا جوهريًا بمفهوم السرية؛ إذ تتجلى عملية إضفاء طابع الخصوصية أيضًا في الحاجة إلى إخفاء اليوميات أو حجبها عن الأنظار الفضولية. ولعل أشهر المذكرات المكتوبة بشيفرة خاصة في القرن التاسع عشر هي مذكرات بنجامان كونستان التي دوّنها بين عامي 1811 و1816 باللغة الفرنسية، مستخدمًا الأبجدية اليونانية درعًا يقيها من فضول المحيطين به.
إن هذه النماذج المذكورة حتى الآن تدعم فكرة أن النزوع إلى الانكفاء على الذات ومساءلتها هو سمة مميزة لليوميات الخاصة، وهو أمر يطبع أيضًا بوضوح المراسلات؛ إذ تكرّس هذا الطابع الاستبطاني للرسالة في مطلع القرن التاسع عشر، متمثلًا في أسلوب البوح الذي كان مفضلًا آنذاك.
لا ينطوي “الحميم والخاص” على عزلة مطلقة؛ إنه ليس مجرد حيز مغلق، بل هو علاقة. ورغم أن الحميم لا يتحقق إلا حين ينأى الفرد بنفسه عن العالم، فإنه يستدعي، بطريقة أو بأخرى، نظرة الآخر. يبيّن الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان، في بحثه المعنون “عن الحميم”، أن الحميم يجمع بين الانزواء والمشاركة؛ إذ يقول: “إن الداخل، بكونه يتعمق ليصبح حميمًا، يستدعي اختراقه من قِبَل الخارج؛ تمامًا كما يتوق، في المقابل، إلى البوح بما في طياته”. ولكي يكتسب الحميم قدرًا من التحقق الملموس، لا بد من أن يحظى باعتراف الآخر؛ “فالحميم يفترض وجود السرّ وإظهار وجود هذا السرّ في آن واحد؛ ومن هنا نشأت شيفرات ورموز في الرسائل والمذكرات الشخصية، تعمل على إخفاء ما ينبغي كتمانه وفي الوقت نفسه إظهاره”. وفي السياق ذاته، يمكن الإشارة إلى التحذير المتكرر الذي نراه على أغلفة العديد من دفاتر اليوميات الخاصة: “يُمنع قراءة هذا المحتوى”؛ وهي عبارة تنطوي على مفارقة، إذ إنها تنهى عن القراءة وتستدرج في الوقت نفسه نظرة القارئ الذي لا مفر من استثارة فضوله.
| ميشيل بيرو: منذ الثورة الفرنسية أخذ التمييز بين المجالين العام والخاص يحتل مكانة محورية في القرن التاسع عشر |
إن السرية التي تضفي على “الذات الحميمة” هالةً من الغموض المتكتم تسهم أيضًا في طابعها المتناقض؛ فالاعتقاد بإمكانية رصد هذه الذات أو الكتابة عنها يفترض ضمنًا وجود شفافية مطلقة للذات أمام ذاتها، أو تطابقًا وهميًا للذات مع نفسها، ذلك أن الذات الحميمة تنطوي أيضًا على ذلك الجانب المجهول الذي لا تدركه الذات في نفسها. ومن ثم، فإن “اليوميات”، التي توصف بأنها خاصة، ليست بالضرورة مكانًا لتدوين الأسرار، بقدر ما هي فضاء لسعيٍ يتعذر تعريفه، وعاجزٍ عن فك رموز تلك الأسرار. وقد نجح الشاعر الفرنسي ميشيل ليريس في تلخيص المعضلة المستعصية والمربكة التي يواجهها المرء حين يحاول التعبير عن ذاته الحميمة، وذلك في يومياته حيث يقول: “لقد تقلص الأمل في العثور على ما أبحث عنه، بالنسبة لي، شيئًا فشيئًا، ليقتصر على الأمل في اكتشاف ليس الشيء الذي أبحث عنه، بل ماهية الشيء الذي أرغب في العثور عليه بالضبط. باختصار، إن ما أبحث عنه اليوم هو حقيقة ما أبحث عنه” (1992، ص. 640).
كل الأدب يعبر عن الحياة الخاصة
يُعدّ تاريخ الحياة الخاصة أحد الخطوط الناظمة لأعمال المؤرخة الفرنسية ميشيل بيرو (1928-…). اعتُبر المشروع الذي اضطلع به فيليب أرييس وجورج دوبي عملًا هائلًا. تولّت م. بيرو الإشراف على المجلد الرابع (المخصص للقرن التاسع عشر) من “تاريخ الحياة الخاصة”؛ حيث تناول آلان كوربان جانب “الكواليس”، أي الحيّز الحميم: “سرّ الفرد”، و”العلاقة الحميمة أو ملذات التبادل”. تقول المشرفة عن المشروع: “أتذكر لقاءً استثنائيًا في برلين، حضره كل من هابرماس وكوزيليك؛ كان لقاءً مثيرًا للغاية من الناحية الفلسفية. يمكن القول إن المجالين الخاص والعام لا يندرجان تحت الفئات السياسية ذاتها. فمنذ الثورة الفرنسية، أخذ التمييز بين المجالين العام والخاص يحتل مكانة محورية في القرن التاسع عشر. فالمجال العام هو الأهم؛ إذ يمثل ما ينبغي على الدولة إدارته، وهو يرتبط بمفهوم المواطنة. المجال العام هو السياسة، وهو، بطبيعة الحال، حكرٌ على الرجال… أما المجال الخاص فيتمثل في الأسرة، التي تعمل بمثابة وكيلٍ عن المجال العام لإدارة المصالح الخاصة؛ وهي بنية منظمة للغاية وتخضع لقواعد مقننة بدقة. ومع ظهور ‘القانون المدني‘، حدث تفكيكٌ جذري لـ‘النظام القديم‘ في نطاق الحياة الخاصة؛ إذ كان ذلك النظام يُدار وفق أعرافٍ تختلف باختلاف الأقاليم. لقد سعت الثورة الفرنسية إلى تحقيق الوحدة، وأعادت في هذا السياق صياغة مفهوم الأسرة”.
وبناءً عليه، تضيف ميشيل بيرو: “وُضعت حدودٌ للحياة الخاصة”. ففي منتصف القرن التاسع عشر، لم يقدّم قاموس “ليتريه” تعريفًا لمصطلح “الخاص”، لكنه أورد العبارة التالية: “يجب أن تكون الحياة الخاصة محاطةً بجدران؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يسعى لمعرفة ما يدور داخل منزل فردٍ ما”. إذًا، حسب استنتاج مؤرخة الحياة الخاصة، تُعد الحياة الخاصة بمثابة “إقليم”؛ فهي سرية، وهي حيّزٌ مغلق. وما يثير الاهتمام هنا هو هذا البُعد المكاني، أي فكرة أنها “منزل”. إنه حيّزٌ يحظى بأهمية سياسية بالغة؛ فالدولة معنية بإدارة الأسر والمنازل. وعليه، يتحدد “الخاص” في مقابل “العام”، وهذا التقسيم يحدد بدوره توزيع الأدوار القائمة على النوع الاجتماعي: فالمجال العام للرجال، والمجال الخاص للنساء (تحت سيطرة الرجال)، باستثناء النساء العازبات… فالزواج والأسرة والمنزل كانت تُشكّل ركائز سياسية جوهرية في القرن التاسع عشر. وضمن هذا النطاق “الخاص”، بدأ يتشكل ما نسميه “الحميمي”؛ إذ يسكن المنزل أفرادٌ يمارسون حياتهم فيه. “وقد دأبت الثورة الفرنسية على تأكيد حقوق الأفراد؛ فأصبح الأفراد يحمون أنفسهم ويحددون حيّزهم الخاص داخل المنزل، وهكذا تبلور مفهوم ’الحميمي’ في علاقته بـ’الخاص’”. ويتجلى هذا بوضوح في المنزل البرجوازي؛ حيث يمثل “العتبة” الحد الفاصل بين العام والخاص. أما “غرفة الاستقبال” (الصالون) فهي تمثل الحيّز العام داخل النطاق الخاص، بينما تُعد “غرفة الطعام” مساحةً أكثر حميمية، مخصصة للعائلة والأصدقاء. ثم تأتي “غرفة النوم”؛ وهي المكان الأمثل للحميمية، سواء كانت حميميةً زوجيةً أو شخصيةً. فكل فرد، ولا سيما الفتيات، يسعى لامتلاك مساحةٍ خاصةٍ به. ويُميِّز الطبيب النفسي سيرج تيسيرون بين “ما هو حميمي” (l’intime) و”الحميمية” (l’intimité)؛ فـ”ما هو حميمي” يتعلق بالذات وبالجانب الشخصي، أما “الحميمية”، كما يرى، فهي ذلك “الجانب الحميمي حين يكون مُشتركًا مع الآخرين”.
ثمة صلة واضحة بين تاريخ الحياة الحميمية وتاريخ النوع الاجتماعي (الجندر)؛ لا سيما وأن القرن التاسع عشر قد أرسى هذا التمييز بنفسه؛ الحياة العامة للرجال، والحياة الخاصة للنساء. بشرط أن تظل هؤلاء النساء تحت رقابة صارمة، لا سيما من الناحية المالية!، “وهكذا، نجد تمايزًا في الأدوار الجنسانية يتداخل مع الفصل بين المجالين العام والخاص. وهنا، يُحدث ‘الحميم‘ نوعًا من الارتباك ويزيد الأمور تعقيدًا، إذ لا يقتصر هذا المجال على جنس دون الآخر؛ فهو مساحة للودّ بقدر ما هو ساحة للصراع، وميدانٌ يبني فيه كل فرد علاقته بذاته وبالآخرين. وتتجلى أهمية النوع الاجتماعي بوضوح في تاريخ ‘الغرف‘؛ فالغرفة تمثل تلك المساحة الخاصة التي تتوق إليها النساء. إذ لم يكن لديهن ‘مكتب‘، وهو فضاء ذكوري بامتياز، باستثناء حالات نادرة جدًا، مثل حالة جورج ساند. صحيح أنه كان هناك ما يُعرف بـ‘البودوار‘ (الغرفة الخاصة بالمرأة)، والذي سعت النساء لتحويله إلى فضاء نسائي خالص. وبحسب المنطق السائد آنذاك، كانت النساء يمتلكن كل شيء… ولكن فقط بقدر ما تذوب ذواتهن في ذات العائلة”.
تثير م. بيرو نقطة في غاية الأهمية، وهي أن مفهوم “الخاص” بدأ يتبلور قبل الثورة، مقترنًا بفكرة أن المجال الخاص هو موطن السعادة. أما الثورة الفرنسية فقد نظرت بعين الريبة إلى المصالح الخاصة، واعتبرتها ضارة؛ إذ رأت أنها تقف عائقًا أمام المصلحة العامة. وفي المقابل، قامت الفضيلة الثورية على مبدأ الشفافية؛ ففي نظرها، يستر الكتمان الرذيلة والأنانية والمصالح الفردية. كان الهدف هو إرساء دعائم السعادة العامة؛ وعليه، يبدو أن السياق العام لم يكن، في ظاهره، ملائمًا جدًا للحياة الخاصة أو الخصوصية.
