شاهين علي.
شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية في العراق. المصدر..موقع درج
على الرغم من إعلان توحيد العديد من الألوية خلال السنوات المنقضية، لكنّ الخلافات السياسية بين الحزبين الحاكمين على السلطة والنفوذ، تعيق استكمال توحيد هذه القوّة العسكرية، بحسب الأمين العامّ السابق لوزارة البيشمركة والخبير العسكري الفريق جبّار ياور، الذي يؤكّد أن تعداد قوّات “البيشمركة” يبلغ نحو 150 ألفاً.
“ماذا لو أقدمت الحكومة الاتّحادية على حلّ قوّاتنا؟”، جملة تتردّد منذ أشهر في ذهن رستم حمه (42 سنة) وهو عنصر في قوّات “البيشمركة”، يخدم في نقطة حراسة على أطراف مدينة كرميان في السليمانية في إقليم كردستان العراق، وهي منطقة نزاع كردية عربية شهدت لسنوات نشاطاً للمجاميع المسلّحة، آخرها تنظيم “داعش”.
يقول بنبرة دافئة وعينه على بندقيته (الكلاشينكوف) المسنودة إلى الجدار بقربه: “منذ عشرين سنة وأنا أحمل بندقيتي من أجل كردستان”، يفكّر قليلاً قبل أن يتابع مستدركاً: “يعني تقريباً نصف عمري”.
ويتساءل: “ماذا لو تمّ تصنيفنا كقوّة غير نظامية…؟ لم أكن أعلم أن البيشمركة، غير مذكورة في الدستور العراقي، وأن لا حقوق محدّدة لمقاتليها الذين قدّموا آلاف الشهداء والجرحى”.
يزمّ شفتيه، ويضيف: “لقد شهدت الموت بعيني مرّات، حاربت تنظيم داعش بين 2014 و2017، رأيت حينها مدناً تسقط وأخرى يتمّ تحريرها… عرفنا مفخّخاتهم ومررنا عبر ألغامهم، وخسرنا العديد من رفاقنا خلال المعارك… قاتلنا إلى جانب الجيش لسنوات، والآن يقول البعض إننا قوّة غير نظامية”.
“القادة الحزبيون يتحمّلون مسؤولية ذلك، فانقساماتهم بسبب مصالحهم الحزبية لم تسمح بتوحيد البيشمركة خلال 30 سنة من وجود الإقليم”، يعبّر رستم بذلك عن خيبة أمله ممّن يقودون قوّات “البيشمركة”.
مع إعلان الحكومة العراقية عن برنامج لنزع سلاح الفصائل المسلّحة، وإنهاء أيّ سلاح خارج الدولة وإخضاع كل التشكيلات القتالية والأمنية لسلطة القائد العامّ للقوّات المسلّحة رئيس الوزراء العراقي، أظهرت مصادر غير رسمية أن الإخضاع سيشمل أيضاً قوّات “البيشمركة” الكردية باعتبارها تشكيلات حزبية، وهي لم تتحوّل فعلياً الى قوّات حرس الإقليم وفق النصّ الدستوري، إذ لم يناقش هذا الملفّ سابقاً مع انشغال القوى العراقية بمحاربة الجماعات المسلّحة طوال عقد ونصف من الزمن.
تقول مصادر عراقية، إن قوى من داخل الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم، كانت أبدت استعدادها تحت الضغط والتهديد الأميركيين لتسليم سلاح فصائلها، وإخضاع كل مقاتليها لسلطة الدولة (رئيس الوزراء)، قد دعت إلى ضبط سلاح قوّات “البيشمركة” الكردية أيضاً، لا سيّما في ظلّ انقسامها التنظيمي بين أكبر حزبين كرديين (الديمقراطي الكردستاني والاتّحاد الوطني الكردستاني).
ووفق قانون رقم (19) لسنة 2007 الخاصّ بوزارة البيشمركة لإقليم كردستان العراق والصادر عن برلمان الإقليم، فإن قوّات “البيشمركة” تعدّ سلطة شرعية نظامية تحت إمرة وزير البيشمركة، وتكون مسؤولة عن حماية إقليم كردستان وحراسته والدفاع عنه وضمان مصالحه الوطنية والقومية، وحماية الكيان السياسي للإقليم ونظام حكمه الديمقراطي والذود عن مؤسّساته الدستورية، ومساندة الحكومة الاتّحادية في الدفاع عن سيادة العراق وأمنه طبقاً للدستور الاتّحادي ودستور الإقليم.
وتخضع قوّات “البيشمركة” للقانون رقم 1 لسنة 2005 والخاصّ برئاسة الإقليم، ويرأسها رئيس الإقليم باعتباره القائد العامّ لقوّات “البيشمركة” في كردستان.
تشكيلات مسلّحة غير موحّدة… إقليم مقسّم
أفرزت المعارك الداخلية في إقليم كردستان في منتصف تسعينيات القرن الماضي، على خلفية تدخّلات تركية ـ إيرانية، انقسام الإقليم الكردي إلى منطقتين جغرافيتين يحكم كلاً منهما حزب معيّن من خلال قوّات أمنية خاصّة به.
وحتى بعد إنهاء القتال واتّفاق الحزبين على السلام في العام 1998، وتشكيل حكومة موحّدة، وتوحيد كل المؤسّسات المحلّية، بما فيها التشكيلات الحزبية لتخضع رسمياً لوزارة البيشمركة التابعة للحكومة الكردية، بقي الانقسام الجغرافي كما الأمني- العسكري موجوداً على الأرض.
بعد نحو ثلاثة عقود من الاتّفاق الذي رعته الولايات المتّحدة لتوحيد الإقليم، والذي ازدادت أهمّيته في أعقاب تغيير النظام العراقي في نيسان/ أبريل 2003، ومع إعلان الحزبين الحاكمين توحيد جهودهما التي وصلت الى توقيع (اتّفاق استراتيجي) للعمل المشترك، بقيت الخلافات الحزبية قائمة وتمنع توحيد قوّات “البيشمركة” ومعها إنهاء حالة الانقسام المناطقي.
وينقسم الإقليم إلى “منطقة صفراء” نسبة إلى شعار “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الذي يطغى عليه اللون الأصفر، تضمّ كامل محافظة دهوك إلى جانب الجزء الأكبر من محافظة أربيل، حيث يبسط “الديمقراطي” نفوذه العسكري والأمني والاقتصادي فيها.
و”منطقة خضراء” نسبة إلى شعار “الاتّحاد الوطني الكردستاني” الذي يطغى عليه اللون الأخضر، وتضمّ كامل محافظة السليمانية إلى جانب حلبجة وأجزاء من محافظتي أربيل وكركوك، وحيث القرار الأمني والاقتصادي الأوّل والأخير يعود لـ”لاتّحاد”.
ويحتفظ كل حزب بقوّة “بيشمركة” خاصّة به، تُدار شؤونها حزبياً وتتلقّى التعليمات من قيادات حزبية، وإن خضعت غالبية ألويتها شكلياً لوزارة البيشمركة.
البيشمركة… تاريخ من القتال والانقسام
“البيشمركة” كلمة كردية تعني (من يواجهون الموت بتقديم أرواحهم)، هو الاسم الذي يُطلق على كل الفصائل الكردية المسلّحة التي حاربت منذ منتصف القرن المنصرم الأنظمة العراقية المتعاقبة التي حاولت تقييد الهويّة الكردية، وفقاً للباحث عادل كمال، الذي يقول: “هذه القوّات تمثّل بالنسبة إلى الكرد رمزاً وطنياً وقومياً، وتعدّ اليوم من أبرز القوّات العسكرية في العراق”.
ويشير إلى أنها اضطلعت بدور رئيسي في حماية الإقليم منذ نشوئه، ودخلت إلى جانب القوّات العراقية وبدعم من التحالف الدولي، في حرب على مدى أربع سنوات مع تنظيم “داعش”، الذي سيطر على مناطق محاذية للإقليم وأخرى كانت تحت سيطرته، قتل خلالها أكثر من 1300 من عناصر “البيشمركة”، وأُصيب آلاف آخرون بجروح.
ويلفت إلى أن الصراعات والخلافات الحزبية في إقليم كردستان منذ إنشاء مؤسّسات الحكم الذاتي في أعقاب الانتفاضة الكردية في عام 1991، وفي أعقاب الاتّفاق الاستراتيجي بين “الحزب الديمقراطي” و”الاتّحاد الوطني” في عام 2006، الذي أنهى شكلياً نظام الإدارتين في كردستان، قد حالت دون أن يتحقّق ذلك بنحو عملي: “خاصّة في جانب توحيد القوّات العسكرية والأمنية الحزبية ضمن مؤسّسة عسكرية وأمنية واحدة”.
ويضيف: “ونتيجة لمخاوف الحزبين من سيطرة طرف على الآخر من خلال القوّة العسكرية، ومع قناعتهما بأن السلاح هو ما يضمن استمرار سلطتيهما بغض النظر عن تداعياته على إبقاء الإقليم مقسماً، هيمنت السياسات الحزبية على عمل قوّات البيشمركة وفشلت جهود التوحيد، حتى بعد دخول واشنطن في السنوات الأخيرة على خطّ دمج تلك القوّات، من خلال مشروع دعمته استشارياً ومالياً”.
فشل عمليّة دمج تلك القوّات، وعدم بحث ملفّ “صلاحياتها وحدود انتشارها وطبيعة تسليحها ومرجعية قرارها” مع الحكومات المتعاقبة في بغداد بعد 2005، أبقى الملفّ معلقاً دون أن يعني ذلك دستوريتها، يقول عادل كمال.
ويتابع: “وهو ما يجعلها عرضة لمخاطر وجودية، خاصّة أن قوى سياسية عراقية دائماً تُبدي اعتراضها على صلاحيات البيشمركة، وعدم خضوعها للسلطة الاتّحادية، وتصفها بالقوى الحزبية”.
سبق لزعيم “التيّار الوطني الشيعي” مقتدى الصدر أن وصف “البيشمركة” بالميليشيات، في إشارة إلى ضرورة التعامل معها في موضوع (الحلّ والدمج)، كما يتمّ التعامل مع بقية الفصائل العراقية غير الخاضعة لسلطة الحكومة الاتّحادية.
ومع تولّي توم باراك رسمياً مهمّة ادارة الملفّ العراقي بتعيينه من قِبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبعوثاً رئاسياً للعراق وسوريا، خاصّة ما يتعلّق بالجانب الأمني، وتحديداً دمج الفصائل بالتشكيلات العسكرية التابعة للحكومة العراقية،
برز ملفّ وضع “البيشمركة” مجدّداً، في ظلّ مخاوف كردية من سياسات باراك، الذي يراه مراقبون سياسيون كرد، مفضّلاً ومؤيّداً للحكومات المركزية على حساب القوى المحلّية، كما يرونه يفضل إبرام الصفقات التي تحقّق مصالح الكبار دون النظر الى الحساسيات القومية والى تأريخ العلاقات والثقة والتعاون المشترك الأميركي الكردي.
وما يزيد المخاوف الكردية، تجربة باراك ذاته في سوريا، حيث دفع باتّجاه حلّ “قوّات سوريا الديمقراطية” ودمجها بتشكيلات الجيش السوري الجديد، على الرغم من أن القوّات الكردية كانت قد قاتلت لنحو عشر سنوات إلى جانب القوّات الأميركية ضد تنظيم “داعش”، وأن العديد من قادة الجيش السوري الجديد، الذي طلب من الكرد الانضمام إليه، كانوا متّهمين بالإرهاب ويقودون مجموعات تصنّف إرهابية، مثل “هيئة تحرير الشام” التي قادها أبو محمّد الجولاني قبل أن يصبح رئيساً لسوريا ويغير اسمه إلى أحمد الشرع.
وكانت تسريبات من مصادر سياسية عراقية رفيعة، قد أشارت إلى أفكار أميركية قدّمت للقوى النافذة بشأن إنشاء وزارة للأمن الوطني، تضمّ تشكيلات أمنية رسمية إلى جانب الفصائل المسلّحة العراقية وقوّات “البيشمركة”.
فشل مشروع التوحيد
بعد سيطرة تنظيم “داعش” على مناطق غربي العراق ووسطه في 2014، شكّلت الدول الحليفة للإقليم ما سُمّي “التحالف الدولي لمحاربة داعش”، على رأسها الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وألمانيا وهولندا، وبدأت العمل على مشروع لتوحيد قوّات “البيشمركة” من المفترض أن يكتمل قبل نهاية العام 2026.
المشروع، الذي يوصف كردياً بالاستراتيجي، يشمل توحيد تلك القوّات وإعادة بنائها من ناحية العقيدة العسكرية والتنظيم الهرمي، إلى جانب التبعية والتسليح ومصادر التمويل وخريطة التوزيع والانتشار، بالإضافة إلى التدريب.
وعلى الرغم من إعلان توحيد العديد من الألوية خلال السنوات المنقضية، لكنّ الخلافات السياسية بين الحزبين الحاكمين على السلطة والنفوذ، تعيق استكمال توحيد هذه القوّة العسكرية، بحسب الأمين العامّ السابق لوزارة البيشمركة والخبير العسكري الفريق جبّار ياور، الذي يؤكّد أن تعداد قوّات “البيشمركة” يبلغ نحو 150 ألفاً.
وقد تضمّنت الخطّة دمج جميع القوّات ضمن ملاكات وزارة البيشمركة حصراً، وقد تمّ في عام 2025 إعلان حلّ الوحدتين العسكريتين 70 التي تتبع “الاتّحاد” و80 التي تتبع “الديمقرطي”، بتوجيهات من رئيس الحكومة، وجعلهما ضمن قيادتين تضمّان 13 فرقة عسكرية، وهما “قيادة المنطقة الأولى التي تشمل مناطق أربيل ودهوك ونينوى في هيكلية سبع فرق عسكرية، وقيادة المنطقة الثانية وتشمل مناطق السليمانية وكركوك وديالى وكرميان في ستّ فرق عسكرية”.
ولا يُخفي الفريق ياور تعقيدات ملفّ الدمج واحتمالات الفشل بتداعياته الكبيرة، لكنّه يحذّر من مشكلة أكبر تتمثّل في إمكانية المطالبة بحلّ قوّات “البيشمركة” واعتبارها قوّة غير نظامية أو غير رسمية، وإمكانية المطالبة بضمّها إلى إحدى تشكيلات وزارة الداخلية العراقية.
ويشير ياور إلى أن موضوع “وضع البيشمركة ضمن المنظومة العسكرية العراقية أمر قديم”، مستنداً في ذلك إلى سلسلة المفاوضات التي حضرها شخصياً وتمّ فيها مناقشة الملفّ مع الحكومة الاتّحادية، منذ سنة 2006 في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والتي “تناولت كيفية تنظيم قوّات البيشمركة كقوّة عسكرية رسمية ومعترف بها قانونياً”.
الوضع الدستوري غير المحسوم
يتّفق الفريق ياور مع تحذيرات أطلقها مراقبون كرد، حول احتمال وقوع “البيشمركة” في “معادلة الخطر الوجودي” بحلّها أو دمجها، لعدم وجود أيّ فقرة محدّدة تشير إلى “وجودها وعملها وصلاحياتها” في الدستور العراقي.
ويصف الحديث عن كون “البيشمركة” جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية دستورياً بأنه “غير صحيح ومبالغ فيه”، إذ لا توجد موادّ أو فقرات أو بنود في الدستور تخصّ قوّات “البيشمركة” وتحمي حقوقها ووجودها.
ويعزّز ياور رأيه بالإشارة إلى الفقرة الخامسة من المادّة 121 من الدستور، التي تنصّ على أن للإقليم الحقّ في تشكيل ثلاثة أنواع من القوّات، الأولى هي الشرطة المحلّية، والثانية الآسايش (الأمن)، والثالثة هي قوّات حرس الإقليم.
ويقول: “لاتوجد إشارة إلى البيشمركة ولو بكلمة واحدة”، لذلك هو يرجّح احتمال مطالبة الحكومة العراقية مستقبلاً بحلّ “البيشمركة” أو “الإصرار على دمجها مع تشكيلات وزارتي الداخلية أو الدفاع، أسوة بالمطالب المتعلّقة بحلّ قوّات الحشد الشعبي”.
الخبير القانوني والعضو الأسبق في مجلس النوّاب العراقي لطيف شيخ مصطفى، يشير بدوره إلى عدم ورود ذكر “البيشمركة” في الدستور العراقي، ويقول: “لم ترد مطلقاً كقوّة دفاعية في أيّ بند أو مادّة من دستور العام 2005، سواء في المقدّمة أو في المتن”.
ومن خلال قراءته القانونية والدستورية لموقع قوّات “البيشمركة”، يفنّد شيخ مصطفى، الآراء السياسية التي ترتكز على المادّة (121) الفقرة الخامسة لشرعنة قوّات “البيشمركة” دستورياً تحت مسمّى حرس الإقليم، معتبراً أن من يستند إلى تلك المادّة إمّا أنه لم يقرأ النصّ بدقة وإمّا أنه لم يفهم دلالاته التفسيرية والقانونية، ويوضح: “النصّ يتحدّث عن قوى أمن داخلي وليس عن جيش أو قوّات عسكرية”.
وينتقد استمرار ما يصفه بالهيمنة الحزبية على مفاصل هذه القوّات، إذ يرى أن بقاءها مقسّمة بين أجنحة مسلّحة تابعة للأحزاب الحاكمة في الإقليم، يتعارض مع “مبادئ القانون ومفهوم مأسسة الدولة”، على حدّ قوله.
ويخشى سياسيون كرد، أن تدفع عمليّة اعادة تشكيل الجيش والقوى الأمنية العراقية بضمّ الفصائل المسلّحة الشيعية إليه، وإخضاعها لسلطة القائد العامّ، إلى رفع مطالبات في البرلمان أو داخل الحكومة العراقية بحلّ “البيشمركة”، كونها قوّات لا تخضع للسلطة الاتّحادية.
وبالتالي، فان اقتصار دور قوّات “البيشمركة” على إقليم كردستان فقط، وعدم وجود أيّ قانون أو فقرة أو بند محدّد يضمن حقوقها في الدستور العراقي، قد يفتح الباب أمام مواقف معارضة لها من سياسيين عراقيين، ليس في الجانب الشيعي فقط بل في الجانب السنّي أيضاً.
وكان رئيس البرلمان السابق ورئيس حزب “تقدّم” محمّد الحلبوسي، قد انتقد في حديث صحافي، تزويد التحالف الدولي لقوّات “البيشمركة” الكردية بمدفعية متطوّرة، ممّا أثار جدلاً واسعاً وسجالاً سياسياً حادّاً، خاصّة وأنه حذّر من احتمال إساءة استخدام تلك الأسلحة مستقبلاً، وكان يشير بذلك إلى قوّات “البيشمركة”.
الحلّ بين الواقع والضغط السياسي
الباحث السياسي الكردي أوراس عزيز يرى أن “فشل” جعل قوّات البيشمركة أن تصبح قوّة نظامية يرجع إلى “المنافسة الحزبية ورغبة كل حزب في السيطرة على قوّات البيشمركة لمصالحه الخاصّة”، ويحمّل الأحزاب تلك، مسؤولية “أية تداعيات للملفّ”، مشيراً إلى أن الأحزاب ذاتها لم تنجح في إدراج “البيشمركة” في الدستور كقوّة رسمية.
وبحسب عزيز، فإن رئيس الوزراء العراقي الجديد سيكون في “موقف حرج” بشأن كيفية التعامل مع “البيشمركة”، في ظلّ “الموقف الدولي الواضح الذي يطالب باستمرار الحكومة العراقية بحصر السلاح بيد الدولة”.
وهو يعتقد أن قوّات “البيشمركة” غير التابعة تنظيمياً أو إدارياً أو مالياً لوزارة الدفاع العراقية، ستصعّب على أيّ رئيس وزراء “نزع سلاح كل الفصائل المسلّحة، وهي شيعية في غالبها، دون التطرّق إلى ملفّ البيشمركة”.
ويؤكّد الباحث الكردي ضرورة الإسراع في توحيد قوّات “البيشمركة” وإعادة تنظيمها، وسنّ قانون خاصّ بها، على غرار قانون جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، وتوحيد جهود الأحزاب الكردية في هذا الاتّجاه.
ومع ذلك فهو يرجّح التوصل الى “صيغة قانونية ترضي الجانبين”، عازياً ذلك إلى ما يُسمّيه بـ”الخصوصيات المناطقية”، لكنّه لا يستبعد إمكانية أن تُمارس بعض الأطراف السياسية العراقية “ضغوطاً على البيشمركة”.
وإلى جانب “البيشمركة” بألويتها المختلفة، تمتلك الأحزاب النافذة في إقليم كردستان أجهزة أمنية وعسكرية واستخباراتية خاصّة بها، تموّل حزبياً بميزانيات كبيرة وتزوّد بأسلحة ومعدّات عسكرية حديثة، وتحظى بتدريب عالي المستوى.
ومع ما تملكه من أسلحة وما اكتسبته من خبرات قتالية، باتت في وضع أفضل من قوّات “البيشمركة” التي تحتفظ غالباً بأسلحة تقليدية خفيفة، وتعتمد أساليب قتال وتدريب كلاسيكية، كما أن ضبّاطها في أغلبيتهم من كبار السنّ، وهم يفتقرون إلى دورات التأهيل والتدريب عالية الكفاءة، ممّا أدّى إلى تراجعها، وفقاً لوصف الخبير الأمني الكردي نوزاد مصطفى.
ويقول إنه على الرغم من الدعم المالي والعسكري الدولي لقوّات “البيشمركة” على مدار السنوات الماضية، وخاصّة من التحالف الدولي، فقد “سعى كل حزب إلى استغلال الدعم لتعزيز نفوذه وأجهزته على حساب تطوير البيشمركة وتوحيدها”.
عضو مجلس النواب عن كتلة “الحزب الديمقراطي” شيروان الدوبرداني، يقول إن “البيشمركة” هي: “قوّة رسمية وجزء لا يتجزّأ من قوّات الدفاع الوطني”، مؤكّداً ضرورة معاملتها معاملة القوّات العراقية الرسمية كالجيش والشرطة الاتّحادية ووحدات مكافحة الإرهاب وغيرها من الصنوف العسكرية.
ويبدي الدوبرداني قناعته بـ”استحالة حلّ قوّات البيشمركة أو دمجها مع وزارة الدفاع العراقية”، مبيّناً أن “الأمر لا نقاش فيه”، لكنّه يدعو في الوقت نفسه إلى “تنظيمها وتوحيدها كقوّة واحدة لترسيخ وضعها الرسمي والدستوري”.
تثبيت الوجود… معالجة العيوب
سامان علي عضو تيّار “الموقف”، بالكردية (هه لويست) المعارض في كردستان، يعتقد أن توحيد “البيشمركة” وجعلها جزءاً من منظومة الدفاع العراقي يزيد من تحصينها الإداري والمالي والتنظيمي، ويحميها قانونياً، ويرى أن ذلك لن يتحقّق إلا عبر “قانون خاصّ يتمّ تشريعه تحت قبّة البرلمان العراقي، يرسّخ وجود تلك القوّات، ويصون حقوق عناصرها، ويبعدها عن السيطرة الحزبية”.
الكاتب الكردي حسين إسكندر يربط إبعاد قوّات “البيشمركة” عن أيّ “جدل سياسي” ومخاوف “تفكيك أو حلّ ودمج”، بمدى استعداد الأحزاب الحاكمة في كردستان للتخلّي عن “مصالحها والتوقّف عن المغامرة بمصير هذه القوّات كما مصير الإقليم، عبر التوقّف عن سياسات تحزيب المؤسّسات”، على حدّ تعبيره، ويستدرك “لكنّ ذلك يتطلّب تفعيل البرلمان الكردي المعطّل وتشكيل حكومة بعقلية ورؤية جديدة، وقبلها توفّر إرادة لدى الحزبين الحاكمين بالتنازل عن مصالحهما الخاصّة في هذا الملفّ”.
ويخلص إلى القول: “الإقليم لن يتحمّل مزيداً من إضعاف كيانه الدستوري بسبب تعنّت الحزبين، وعدم دقّة قراءاتهما لمسارات تطوّر الأحداث، فهناك قضايا وملفّات لا تحتمل التسويف والتأجيل”.
أُنجز التقرير تحت إشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية