-
ياسين الحاج صالح… الجمهورية .نت
-
-
-
1
كان من أوْلى الواجبات الفكرية السياسية في الحقبة الأسدية تطويرُ نموذجٍ نظري يُحيط بمحركات وهياكل ونمطِ ممارسة السلطة فيها، يقول للسوريين ولعموم المهتمين ما هي الملامح الرئيسية لتلك التشكيلة السياسية التي عاش معظمُ الأحياءِ منهم أعمارهم تحت ظلها الثقيل. وبخصوصِ المشتغلين بالشؤون العامة من السوريين، كان هذا الوجوبُ موجهاً نحو الفعل السياسي، أو في أقل تقدير نحو بلورة الموقف الحقوقي والأخلاقي من تلك التشكيلة.
لم يَعُد الأمر كذلك اليوم. سقط الحكم الأسدي، وتتصدَّر واجبات المثقفين والناشطين السوريين محاولةُ تطوير تحليلات، وربما بعدَ حين نموذج نظري، يحيط بالتشكيلة الجديدة. هذا مُلزِم سياسياً، مثلما هو كذلك أخلاقياً وحقوقياً. وهو يقتضي إلماماً عن قرب، وتفضيلياً من داخل البلد، بالعلاقات والعمليات والممارسات والهياكل التي تُشكِّلُ نسيجَ الواقع السوري الآخذ بالتشكل. يبدو هذا بديهياً، لكننا نقوله من أجل شيء آخر: ليس للاستمرار في هجاء الحكم الأسدي، أو حتى نقده الجاد (خارج نطاق البحث الاختصاصي)، المعنى نفسه اليوم مثلما كان الأمر قبل عامين وأكثر. بالعكس، يمكن له أن يُبرِّر أوضاعاً قائمة، أو تقوم اليوم، عبر الاستمرار في محاربة عدوٍّ ميت، صار تسليطُ الضوء على تكوينه وممارساته من شؤون المؤرِّخين. نحن هنا حيالَ تَعارُضٍ بين مضمون ما يُقال، وقد يكون صحيحاً بحذافيره، وبين وظيفته الاجتماعية أو نمط استخدامه السياسي الذي يَشيعُ أن يكون تبريرياً. الوظيفة الاجتماعية لنقد الأسدية اليوم ليست استمراراً لنقدها قبل السقوط. ما هو استمرار لنقدِ الأسدية بالأمس هو بالأحرى نقدُ الأوضاع الراهنة في البلد اليوم.
ويُوفِّر تاريخ سورية المعاصرة أمثلةً وفيرةً على صواب هذا المبدأ الخاص بوجوب التنبُّه إلى الوظائف الاجتماعية للأفكار، وليس حصراً إلى مضامينها، وبالتالي وجوبِ النظر في سياقات الاستخدام التاريخية العينية وعدم الاقتصار على أنساق الأفكار ومقاصدها الأصلية. ومن أجل مثال منير سابق للثورة السورية، كان غيرُ قليلٍ من الكلام العلماني السوري موجهاً حصراً ضد إسلاميةٍ لم تكن غير حاكمة فقط، وإنما بُني النظام السياسي على استبعادها العنيف، دون اعتراض يُذكَر حتى على الصور الأشدِّ وحشيةً لذلك الاستبعاد من قبل أصحاب هذا الكلام. حتى أن المرحوم نبيل فياض تفاخرَ بمشاركته فيما سمَّاه خلية علمانية تنويرية كانت تعقد اجتماعاتها في مكتب ضابط المخابرات كمال ناصيف خير بيك، بمساهمة مؤسفة من مثقفين سوريين معروفين. يتجاوز الأمر هنا تسويغ استبعادٍ لم يقتصر يوماً على الإسلاميين وحدهم إلى تبرير الحكم الأسدي. لقد ضُحِّيَ بالمضمون التحرُّري للفكرة العلمانية لمصلحة توظيف إيديولوجي تبريري.
ولقد حدثَ في الواقع، وإن بدرجة أقل، أن الفكرة الديمقراطية استُخدمت وظيفياً أحياناً في الحقبة الأسدية لتبرير أحقية المسلمين السُّنيين بالسلطة، وإن عبر اختزالِ الديمقراطية إلى حكم الأكثرية، مع ردِّ مفهوم الأكثرية إلى تَصوُّرها الوراثي الساكن. الاستخدام الوظيفي للأفكار اختزاليٌّ في كل حال لأن المقصود به التبرير أو التعبئة أو التأثير العملي، وليس المعرفة والحرص على الحقيقة. كان مهماً في ذلك الوقت نَقدُ تلك التوظيفات.
2
وهو مهم اليوم.
غير الاستمرار في هجاءٍ لا يُكلِّفُ شيئاً للأسدية (تماماً مثل الطعن في الإسلاميين وإنكار الحق لهم في الوجود السياسي أيام الأسدية)، يُبرِّر أهلُ السلطة اليوم أصوليةَ السوق التي يعتنقونها بالتخلُّص من الاشتراكية أو «شبه الاشتراكية» بعبارة الرئيس الانتقالي. وهي لا تبدو لهم سمةً جوهريةً للأسدية فقط، وإنما كذلك شيء فاسد وتمييزي مثلها، وفاشل فوق ذلك. هنا تتكشفُ الوظيفية عن تبرير إيديولوجي كلاسيكي، من الصنف الذي ظهر مفهومُ الإيديولوجيا لتمثيله. الواقع أن نصيبَ الأسدية من الاشتراكية مثلُ نصيبها من الديمقراطية في انعدامه، بل ومثلُ نصيبها من العلمانية في دلالاتها المساواتية والمعادية للطائفية. الاشتراكية تعني توسيع المُشترَك الاجتماعي، ليس الاقتصادي وحده، بل كذلك السياسي عبر التعدُّد والمشاركة العامة في الحياة الوطنية، والثقافي بمعنى المشاعية المبدئية للمعلومات والحق الشامل في التعليم وتمكين السكان من الوصول إلى الموارد الثقافية، وبالطبع حرية التعبير والنشر والاعتقاد. أيْ باختصار ملكية السكان لبلدهم، وقبل كل شيء للدولة. بدولة مخصخصة، وبرقابةٍ مُشدَّدة على تداول المعلومات وعلى حرية التعبير، ثم بتخلي الدولة منذ الثمانينيات عن دورها التنموي، وفي عهد بشار لبرلة الاقتصاد لمصلحة «الجيل البعثي الثالث» (جيل أبناء المسؤولين)، لم يكن في سورية من الاشتراكية غير كلمة في شعار حزب البعث.
ومع ذلك فالمسألة ليست في المضمون الضحل لما يُقال عن اشتراكية النظام السابق، بل في وظيفة هذا الكلام في تبرير خيارات راهنة تجمع بين مُحافَظة دينية وبين لبرلة اقتصادية بلا مسؤولية اجتماعية، ومع تعويلٍ شديدٍ على التطبيع العربي والدولي. ما يجري تمريره وتبريره بالتحوُّل عن الاشتراكية المزعومة هو عملية تفويت ملكية إلى خواصَّ مقريين، من شأنها أن تؤسس لقيام طبقة سلطة جديدة ضارية.
3
ومثلُ ذلك يُقال على نقد العلمانية اليوم، أو بالأحرى التعريض بها، مما هو شائع اليوم. وله الوظيفة التبريرية المعتادة، إضفاء الشرعية على حُكمٍ يقوم على التمييز بين السوريين المختلفين، لمصلحة تشكيل ديني سياسي حاكم.
الأفكار لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وليس منها ما تملك حصانةً ذاتيةً تحُول دون استثمارها الوظيفي الاختزالي. الحصانةُ المُحتمَلة، النسبية دوماً، مشروطةٌ بوجود حقل تداول للأفكار ونقاش عام مفتوح متعدد الأصوات بشأنها. في حال كهذه فقط، يضغط مضمون الأفكار المضبوط والمُوضَّح على استخدامها الاجتماعي المُرسَل ويحدُّ منه، فتستعصي على الاستخدامات التبريرية المبتذلة. كرامة الأفكار في مضامينها، وهي لا تُصان دون وجودٍ مستقلٍ وآمنٍ لمن يدافعون عنها ويوضِّحون مضامينها، أي في غير حقل فكري سياسي تعددي ومفتوح. وبالنظر إلى أننا لم نعرف طوال حياة معظمنا حقلاً كهذا، فلا عجب أنه لم تكد توجد أفكار أو دعوات فكرية لم تُبتَذل وتُفرَغ من مضامينها، وربما استُخدمت عكسَ مقاصدها.
في تاريخ سورية المعاصر، تبدو الوظيفية في التعامل مع الأفكار قويةَ الحضور بأثر تقاطع إغلاق الحقل السياسي العام، وتحوُّل الثقافة إلى ميدان وكيل للصراع السياسي.
4
وإنما لذلك لا نتوقَّع ازدهاراً للتفكير والنظر الإسلامي في سورية الراهنة التي يحكُمها إسلاميون. الأمر مرهونٌ بالتعدُّد ومساحات التفكير النقدي، أي أن فُرَصَ الفكر الإسلامي في الازدهار مرهونة بفُرَص الفكر اللاإسلامي، العلماني واليساري والليبرالي وغيرهما، في ازدهار مماثل. وليس هناك ما يُشجِّع على توقعات إيجابية في هذا الاتجاه. نتذكَّر أنه ليس لستين عاماً من الحُكم البعثي مساهمةٌ فكريةٌ تُذكَر في تطور التفكير القومي العربي، وأن أفضل المساهمات جاءت من مفكرين نقديين وغير بعثيين، إما لم يعيشوا في سورية أو لم ينشروا فيها. مثلُ ذلك ينطبقُ على الفكر الماركسي في الاتحاد السوفييتي، ليس رغم أنه كان سائداً، بل بالضبط لأنه كان سائداً وبكفالة السلطة الحزبية والأمنية، مُستغنياً بذلك عن النقاش وتطوير براهينه وحججه العقلية. تَطوّرُ الأفكار مسألةُ تعدُّد وانفتاح وتفاعل ونقد، وليس مسألةَ تكريس وتحنيط أو تقديس بقوة السلطة.
نجزمُ بأن يكون مصير الفكر الإسلامي في سورية اليوم مماثلاً بفعل أرجحية وظيفته الإيديولوجية التبريرية على النظر النقدي فيه. ولا يبدو أن أحداً يشعر بالحاجة إلى ذلك، أو أن الإسلام يمكن أن يكون شيئاً آخر غير انحياز عقدي لا يُناقَش. خلال عقود من غياب النقاش والفكر، ثم من حضور العنف والدم، تقلَّصت الثقافة في سورية إلى عناوين بلا مضامين. إسلامي هو اسم لمعسكر، لهوى، ولهوية، لتعصُّب خاص، وليس لانحياز اجتماعي سياسي أخلاقي واضح المعالم، يستطيع معتنقوه توضيحه والدفاع عنه أمام ناقدين يتمتّعون بحق التفنيد والاعتراض. مثل ذلك بتفاوتٍ تياراتنا الإيديولوجية الأخرى. تطردُ العناوينُ والشعارات المضامينَ المحتملة من التداول الفكري مثلما تطرد العملات الرديئة العملات الجيدة من التداول المالي. وتُعرِّف هذه العناوين منتحلي الأفكار أكثر مما هي تشرح وتحلل الواقع حولهم، أي أنها تقوم بوظيفة الهوية لا بوظيفة النظرية. من يحتاج إلى أفكار ونقاش مفتوح حول الواقع والتجربة والمنهج والنظرية، حول التجدُّد الفكري، في مثل هذه الشروط؟ لا أحد تقريباً. هياكل الأفكار الفارغة تُغني عن أجسادها المعافاة.
5
لأنه ليس للأفكار حصانة ذاتية ضدَّ الاستخدام السيئ، فلا نرى مُقنعاً ما تقوله حنه آرنت من أن الكتب السيئة وحدها يمكن أن تكون أسلحة جيدة. هناك كتب سيئة بالفعل، تُكتَب كأسلحة دعاية أو تعبوية، لكن هناك استخدامات سيئة لكتب جيدة، تُوظَّف لتبرير خيارات مُجادَل فيها بالضبط لأنها كتب جيدة. السيئ يحتاج إلى تبرير لأنه سيئ، وفقط الجيد هو ما يستطيع أن يُبرِّر. تاريخ الفكر الاشتراكي يوفر أمثلة غير قليلة على ذلك. وكتابات آرنت نفسها، ومنها بخاصة كتابها عن جذور التوتاليتارية، يمكن أن تستخدم، وقد استُخدمت في سياق الحرب الباردة لتبرير السياسة الأميركية.
لكن هناك استخدامات جيدة، حين تخدم الأفكار في الاحتجاج، في حفز التغيير وتنظيم قواه. كان ماركس يقول إن النظرية تصير قوة مادية حين تستحوذ على الجماهير، أي قوة تغيير ثوري. لكنها بذلك تكفُّ عن أن تكون نظرية، على ما أظهر هو نفسه في الكتاب نفسه، نقد فلسفة الحق عند هيغل، حين قال إن الفلسفة تزول حين تتحقق في الواقع. ماركس ليس مسؤولاً عن شكل التحقُّق السوفييتي حيث دخل فكرُهُ التاريخ دخولاً قوياً فاعلاً، لكنه خسر الحياة الفكرية القابلة للمراجعة والتطور والنقد. استعاد فكرُ الرجل بعض كرامته العقلية بعد انهيار القوى التي استَخدمته لتبرير سلطانها.
والقصد أن ما قد يبدو استخداماً جيداً للأفكار لا يستمر إلا في مناخ من الحرية الفكرية، وأن الانتصار السياسي لنظرية ما قد يكون أسوأ ما يحدث لها من حيث فرصها في التجدُّد والاغتناء. حرية الفكر هي ما تضمن دخول الأفكار في التاريخ بكرامة، مُحافِظةً على مضامينها الحية، ومؤثرةً في خيارات الناس وتفكيرهم.
6
يبقى أن عمل النقد لا يقتصر على كشف وظائف الأفكار الاجتماعية، بل يشمل مضامينها كذلك. نقد التوظيفات السيئة يمكن أن يكون مدخلاً لنقد الأفكار، عبر إظهار تزييفها والتلاعب بها لغير غاياتها الأصلية. لكن هذا لا يمنع نقد تلك الغايات والمضامين. ليس هناك أفكارٌ خالدة، والتاريخ هو تاريخ موت الأفكار وليس حياتها فقط. وما دُمنا نحن أحياء، يقع علينا أن نُسهِمَ في هذا التاريخ، ونتركَ لأفكارنا أن تعيش حياتها هي وتموتَ موتَها هي.
-
