تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • في معنى التظاهر والشارع مقابل شارع
  • مقالات رأي

في معنى التظاهر والشارع مقابل شارع

المحرر Editor 1 يناير، 2026 تمت قراءة 1 دقيقة

عبد الله مكسور

التاريخ يخبرنا أن النُظُم السياسية التي تتقن فن إدارة الأزمات وتقديم الوجوه، التي تعبِّر عن الرؤية الخاصة بها، هي وحدها القادرة على عبورها من دون أن تنكسر أو تنهزم.

في السياق السوري -الحديث هنا تحت سقف الدولة- تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة، باعتبار أن سوريا خرجت لتوّها من نظام أمني ديكتاتوري مغلق، ثم ما لبثت أن دخلت مرحلة انتقالية مثقلة بالجراح والشكوك من كل الأطراف.

يرافق كل هذا مزاج “لبّت لبّت” الذي لا يستطيع التعامل مع الشارع إلا بذهنية الشبهة الدائمة، هنا بالضبط يتحدّد معنى الدولة الحديثة القائمة في جوهرها على حماية الحق، وضبط الفعل، ومنع انزلاق السلمي إلى الفوضوي، والوطني إلى التفكيكي.

الحق في التظاهر السلمي ليس منحةً أو هِبَةً أو ترفاً سياسياً يُسحب عند أوّل ارتباك أمني، بل هو من صميم العقد الأخلاقي والتوافقي بين الدولة والمجتمع، فحين يخرج جمهور ما إلى الشارع، حاملاً مطالبه وقلقه واحتجاجه، فإنّه لا يهدّد الدولة بقدر ما يختبر قدرتها على الإصغاء، وقد احتفى السوريون بعنصر من قوات الأمن العام كان يحمي مظاهرة ضد الدولة، في مشهد غاب عن السيناريو السوري في كل منعطفاتِه السياسية عبر عقود حقبة الأسد “الأب والابن” وما قبله.

ما جرى في اللاذقية يكشف هذه المعادلة الدقيقة، فالمشهد في صورته المباشرة يتمثَّل في رجل دين متقوقع على طائفة بذاتها، يدعو للتظاهر، فتتقاطع المصالح مع حركات تمثِّل الفلول أو تتصل بهم بشكل مباشر، هذا مُدان بالمطلق، لكن لا يمكن إغماض العين عن أن غضباً حقيقياً، متراكماً هناك، له أسباب أمنية ونفسية واضحة.

إحساس بالهشاشة، فقدان مصادر العيش، الخوف من الانتقام، والقلق من المستقبل السياسي؛ كلها عناصر تدفع أي مجتمع إلى التعبير، وأحياناً إلى الصراخ، إنكار ذلك خطأ سياسي، لكن الخطأ الأكبر الذي على الدولة عدم التسامح أو التساهل به، هو تحويل هذا الغضب إلى منصة يستغلها حلفاء النظام الساقط -في الداخل والخارج- لطرح أو تحقيق مشاريع تقسيمية، أو صيغ سياسية تقوم على الفرز الطائفي والجغرافي لتفتيت المُفتَّت في الأصل.

فأيُّ حقِّ يفقد جوهره حين يُحمَّل بما لا يحتمل: حين يُستدعى الخارج، وتُستعاد لغة الكيانات المغلقة، أو تُطرح الحلول بوصفها الخريطة السحرية في بلد لم يلتئم جرحه الوطني بعد.

التجربة السورية -سياسياً وتاريخياً واجتماعياً- منذ الانتداب حتى اليوم، تقول بوضوح إنّ التقسيم لا يحل المظالم بل يجمّدها داخل حدود أصغر، ويحوّل الخوف إلى هوية دائمة، وسوريا التي نعرفها لم تكن مشكلتها يوماً في تنوعها، بل في استخدام هذا التنوع أداة للسيطرة أو للابتزاز.

وأي خطاب سياسي -مهما بدا مبرَّراً عاطفياً- إذا قاد إلى تهديد أو سعى إلى تفكيك الدولة، فهو يفتح الباب إلى حروب مؤجلة لا إلى مصالحات حقيقية تردم فجوات الماضي وتؤسس لمستقبل أفضل ومشترك.

أمام دعوات التقسيم والهتاف للأسد والفلول، يُحسب للدولة الجديدة أنها اختبرت مقاربة مختلفة في إدارة الاحتجاج، الانتشار الأمني المنضبط، وتجنب الاحتكاك، وحماية المتظاهرين، ومنع الانزلاق السريع إلى العنف؛ كلها مؤشرات على وعي جديد بأن الشرعية لا تُبنى بالهراوات والرصاص الموجّه إلى الشارع.

هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية: الدولة الجديدة -رغم كل أزماتها- تريد أن تُرى وتُختبر بطريقة مختلفة، لكن هذه الرسالة، مهما كانت مهمة، تبقى ناقصة إن لم تتبعها سياسات ملموسة تعالج جذور السخط.

الأمن، في سوريا اليوم، ليس مسألة دوريات، وسيارات جديدة، وحواجز، واستعراضات ميدانية فقط، بل في خطوته الأولى يقوم على مسألة العدالة الانتقالية الواضحة، والخطاب السياسي الجامع، فالاستقرار لا يمكن أن يُبنى عبر الإقصاء الجماعي أو القرارات الفجائية التي تترك الآلاف بلا أفق.

وفي الوقت ذاته لا يمكن أيضاً التساهل مع شبكات عنف منظمة تحاول استثمار الاحتجاج لإعادة إنتاج الفوضى أو الترويج لعودة منظومة الديكتاتورية، التحدي الحقيقي الذي يجب أن تطرحه الدولة هو التفريق الصارم بين الاحتجاج كحق، والتخريب كجريمة.

سوريا بحاجة حقيقية إلى خطاب وطني صريح تقوده الدولة، ليقطع بشكل تام مع منطق “نحن وهم”، ويعيد تعريف المواطنة على أساس الحقوق لا الانتماءات، روح الشعب متعبة، لكنها لم تنكسر، ما زالت تبحث عن دولة تحمي ولا تخوّف، تسمع ولا تتربص، وتُصلح بدل أن تؤجل الانفجار.

ووفقاً لهذا المنطق فإن الكُرَة اليوم -كما هي دائماً- في ملعب الدولة: إما أن تجعل من الشارع شريكاً في العبور، أو تتركه في ساحة مفتوحة لرياح لا يمكن السيطرة عليها في منطق الشيخ والتابع!.

يقودني هذا للحديث عن الشارع المؤيد للسلطة الذي يتحرك لمواجهة شارع معارض -بالقول أو بالفعل- هذا السلوك يتحول من مساحة تعبير إلى أداة ضغط مضاد ضد الدولة، فلا يعود الهدف من وجوده الدفاع عن فكرة أو برنامج، بل كسر الآخر، وإخافته، أو نزع شرعية مطالبه.

في هذه اللحظة -على الشارع المؤيد أن يدرك ذلك جيداً- تتراجع الدولة خطوة إلى الخلف، وتترك المواطنين في مواجهة بعضهم بعضاً، ولو من دون إعلان صريح، وهذا أخطر ما في الأمر: أن تُدار السياسة بالوكالة عبر الحشود، ثم يقول الجميع: لقد وقعنا في فخ!

فكرة “الشارع مقابل شارع”، التي يمشي إليها المجتمع السوري بكامله، ليست مجرد توصيف صحفي لحشود متقابلة، بل هي فلسفة سياسية خطِرة، تُنذر -حين تُستدعى- بأنَّ آخر القِلاع قد صارت في خطر.

إنها أشبه باتجاه أي نظام سياسي في العالم لإعلان التعبئة العامة لكل من هو قادر على حمل السلاح، حتى وإن بدت في ظاهرها شكلاً متقدِّماً وتعبيراً عن التعدد أو الحيوية العامة، لكن لا يمكن التعامل مع هذا المفهوم ببرود نظري؛ خاصة مع ما يحمل في ذاكرته القريبة أثقالاً من الدم والانقسام والانزلاق السريع من الهتاف إلى الاقتتال.

في حالة سوريا، يكتسب “الشارع مقابل شارع” طابعاً أكثر خطورة لأنّ المجتمع لم يخرج بعد من صدمة الاستقطاب السياسي والاستقطاب الطائفي، فالسنوات الماضية لم تنتج خلافاً سياسياً عادياً، بل شروخاً عميقة في الثقة، وخوفاً متبادلاً بين جماعات ترى في الآخر تهديداً محتملاً لا خصماً سياسياً.

وعندما تتواجه هذه الجماعات في الشارع فإن الذاكرة الجماعية لا تستدعي لغة الشعارات، بل صور العنف والانفلات وهذه بطبيعة الحال تتناسل من بعضها مهما بذلت أطراف محاولات لضبطها.

التجارب المقارنة في بلدان تشبه الحالة السورية بشكل أو بآخر، من بيروت، وبغداد، وصنعاء، والقاهرة، تُذكِّرنا أن لحظة “الشارع مقابل شارع” هي غالباً لحظة ما قبل الانفجار أو الانقلاب على المسار.

إذ ما إن يصبح الشارع أداة ردع متبادل، حتى يدخل الجميع في سباق استعراض القوة، وتصبح اللغة أكثر حدّة، والحدود بين السلمي والعنيف أكثر هشاشة وقرباً للاشتعال، الأخطر من ذلك أن “الشارع مقابل شارع” يعيد إنتاج منطق التخندق والدفاع عن مقولة ما، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.

فالحشود لا تتشكل في فراغ، هي تُقرأ وتُؤوَّل اجتماعياً، ودينياً، وعرقياً، وطائفياً، ومع كل مواجهة رمزية تتعمق القطيعة النفسية، وفي ظل هذا الحال يفقد الفرد صفته كمواطن، ليعود ممثلاً لهوية ذاتية منغلقة وصلبة، تُحمَّل ما لا تحتمل من خوف وغضب، والأهم أنها تحيِّد فكرة الدولة وتستقطب كل من تأتي على هواه الضيِّق..

كي لا تصل سوريا إلى هذه المرحلة، أو لمنعها بتعبير أدق من الوصول إلى هذه النقطة، لا بد من الأخذ بكل أسباب التهدئة، بما في ذلك مسار العدالة الانتقالية، والعمل على الفصل بوضوح تام بين الفلول وأنصار العداء للدولة الوليدة من جهة، وبين أولئك المطالبين بحقوق مشروعة في وطنهم.

وبالتالي فإن إطلاق الرصاص أو الاعتداء على عناصر الأمن العام أمر مرفوض ومدان، ويجب أن يكون الرد عليه بإجراءات أمنية أكثر شدة وحسماً مع مرتكبي الجرائم وفق محاكمات علنية.

وأيضاً فكرة النزول من الشارع المؤيد إلى الساحات كلما لاحت أزمة أمنية، وكأنَّ الدولة الوليدة غير قادرة على إدارة الأمر سيضع المجتمع بكامله أمام أمواج من الكراهية لا تنتهي أبداً، وستكون عواقبه أكبر من قدرتنا جميعاً على الاحتمال.

الدولة الحديثة لا تتباهى بالشارع، لا تقوم على الاحتكام إلى الشارع بوصفه أداة حسم -كما يفعل كثير من الذين يظهرون على الشاشات من قلب دمشق دون صفات رسمية خلال الخطاب مع المعارضين- الشارع ليس معياراً حقيقياً للحكم الرشيد.

قد يندفع نتيجة لعديد من العوامل ليس المقام لذكرها هنا، لكنه في أصله فضاء للتعبير، لا منصة لتقرير الشرعية، وحين يتحول الشارع إلى مصدر وحيد للشرعية، تتراجع السياسة، ويُختصر القانون في ميزان الأعداد والانفعالات، هنا تبدأ المعضلة: من يملك الشارع الأكبر؟ ومن يحدد متى ينتهي الاحتجاج ويبدأ التفويض؟ هذه الأسئلة لا إجابات دستورية لها في سوريا اليوم، إنها تفتح الباب لمنطق القوة، حتى إن لبس ثوب “السلمية” أو “الدولة”.

تلفزيون سوريا

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: حرب الصور” السرد البصري في سوريا
التالي: خطاب أقلوي لمعالجة مشكلات الدولة الوطنية!

قصص ذات صلة

  • مقالات رأي

شطرنج الدوحة وموسكو: النافذة الأخيرة قبل الانفجار

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

لبنان ورقة تفاوض أميركيّ إيرانيّ وهدف للنّار الإسرائيليّة

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

مرحلة الانتظار الاستراتيجيّ

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • شطرنج الدوحة وموسكو: النافذة الأخيرة قبل الانفجار
  • لبنان ورقة تفاوض أميركيّ إيرانيّ وهدف للنّار الإسرائيليّة
  • مرحلة الانتظار الاستراتيجيّ
  • من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل
  • كيف أصبح العالم معبدا هائلا من الشاشات؟

لربما فاتك

  • مقالات رأي

شطرنج الدوحة وموسكو: النافذة الأخيرة قبل الانفجار

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

لبنان ورقة تفاوض أميركيّ إيرانيّ وهدف للنّار الإسرائيليّة

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

مرحلة الانتظار الاستراتيجيّ

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل

المحرر Editor 7 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.