خليل حسين محرر بموقع السفينة
في زمنٍ تتقدّم فيه الشعارات على الحقيقة، ويعلو فيه ضجيج الأيديولوجيا على صوت الإنسان، تبدو الحاجة ملحّة إلى مشاريع مختلفة، لا تبني حضورها على الانفعال والتحريض، بل على المعرفة والعقل والوعي. فالمجتمعات التي أنهكتها الحروب والانقسامات لم تعد تبحث عمّن يرفع رايات الصراع بقدر ما تبحث عمّن يعيد إليها معنى الحياة، ويمنحها فرصة للخروج من دوائر الكراهية والعنف.
هناك من اختار أن يواجه الخراب بالكلمة، وأن يقف في وجه التطرّف بالكتاب، وأن يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة أخلاقية وحضارية في مواجهة الانهيار. لم يدخل معارك الشعارات الجوفاء، ولم يغرق في سوق المزايدات الأيديولوجية، بل اختار الورقة والقلم والمعرفة بوصفها أدوات مقاومة حقيقية ضد الجهل ومحاولات اختطاف المجتمعات وتفكيك وعيها.
إن قيمة هذا المشروع تكمن في قربه من الناس، لأنه ينطلق من همومهم اليومية ومن حاجتهم إلى الأمان والاستقرار والعيش المشترك، لا من رغبة في تعبئتهم داخل معسكرات فكرية مغلقة. فالناس، بعد كل ما عاشته المنطقة من حروب وصراعات، باتت أكثر إدراكاً لخطورة الخطابات التي تبني وجودها على التخويف والتحريض والانقسام. ولهذا لم تعد الطائفية قادرة على إقناع المجتمعات كما في السابق، ولا المشاريع المتشددة قادرة على تسويق نفسها باعتبارها خلاصاً.
لقد جرّبت الشعوب المنظقة خلال العقود الأخيرة، أشكالاً مختلفة من الأصوليات السياسية والدينية، واكتشفت أن كثيراً من تلك المشاريع لم تنتج سوى المزيد من العنف والانقسام والكراهية. فحين تتحول الأيديولوجيا إلى أداة لإلغاء الآخر، تصبح الثقافة فعلاً مقاوماً، ويصبح الدفاع عن العقل والمعرفة دفاعاً عن المجتمع نفسه.
ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الثقافية والفكرية التي تراهن على الإنسان، لا على العصبيات المغلقة. فالثقافة قادرة على بناء الجسور بين الناس، وعلى إعادة الاعتبار لفكرة المواطنة والتعدد والاختلاف الطبيعي داخل أي مجتمع حي. كما أنها تفتح الباب أمام جيل جديد أكثر قدرة على التفكير النقدي، وأقل قابلية للانجرار خلف خطابات التطرّف والكراهية.
إن معركة المجتمعات اليوم ليست فقط معركة سياسية، بل هي أيضاً معركة وعي. فإما أن تنتصر قيم المعرفة والتسامح والانفتاح، وإما أن يستمر إنتاج العنف بأشكال مختلفة. ولهذا فإن الرهان على الكتاب والفكر والتعليم ليس موقفاً نخبوياً معزولاً، بل خياراً استراتيجياً لحماية المجتمعات من التفكك والانهيار.
لقد تعبت الشعوب من الحروب الطويلة، ومن الأصوات التي تعيش على تأجيج الانقسامات، وهي اليوم أقرب إلى كل مشروع يمنحها أملاً بالحياة لا بالموت، وبالمعرفة لا بالغريزة، وبالإنسان لا بالطائفة أو الأيديولوجيا. وربما لهذا السبب تحديداً، تظل المشاريع الثقافية الصادقة أكثر قدرة على البقاء، لأنها تخاطب ما هو أعمق في الإنسان: حاجته إلى المعنى، والحرية، والكرامة، والسلام.