خوشناف حمو: كاتب وناشط مدني
ليس التاريخ الكردي الحديث سوى تكرار لاندفاعٍ واحد، بأشكال متعددة.
ما بين (45 إلى 70 انتفاضة/ ثورة) كردية حدثت منذ القرن السادس عشر.
يمكن قراءة هذا التاريخ بوصفه محاولة دؤوبة لقول شيء بسيط:
” نحن هنا “.
لكن ما يُقال بهذه الكثافة، لا يُسمع دائمًا بالقوة ذاتها.
هكذا، انتهت أغلب تلك المحاولات إلى إخفاق عسكري، فيما ظلّ صداها الرمزي يتكاثر.
المفارقة، إذًا، ليست في الفشل ذاته، بل في هذا التلازم بين خسارةٍ على الأرض وربحٍ في المعنى.
فالتاريخ الذي كُتب بدم التضحيات، كُتب أيضًا بثقل المآسي التي خلّفها. وبين نُبل الغاية وقسوة النتيجة، يتشكل سؤال لا يطمئن إلى الإجابات السهلة:
هل كانت تلك الحركات طريقًا إلى الخلاص، أم إعادة إنتاجٍ لأزماته؟
لكن، ربما لم تكن كل أشكال المقاومة صاخبة.
وربما لم يكن العنف دائمًا لغتها الأكثر عمقا.
هنا، يبدأ انزياحٌ مختلف، من المواجهة إلى الرمز، من الصدام إلى المعنى.
في هذا السياق، تبرز لحظة تكاد تختصر هذا التحوّل،
فكرة إشعال نيران نوروز. من داخل السجن، حيث يُفترض أن تُخمد الإرادة، خرجت هذه الإشارة على يد رشيد حمو وعثمان صبري، لا بوصفها دعوة احتفالية، بل كفعلٍ ذكي يراهن على ما لا يمكن ضبطه.
فالنار، بخلاف الشعار، لا تُعتقل، ولا تُحاصر.
إنها تنتقل، بطبيعتها، من مكان إلى آخر، دون إذن، ودون مركز.
هنا تكمن عبقرية الفكرة، تحويل الرمز إلى طقس قابل للانتشار، عصيّ على الاحتواء.
من جبل الكرد في سوريا، خرجت الشعلة، لا كحدث محلي، بل كبداية لمسار يتجاوز الجغرافيا.
ومع الزمن، لم تعد النار مجرّد جزء من احتفال، بل صارت لغة بحد ذاتها، تنتقل عبر الحدود، وتقول، بِصمتها المضيء، ما تعجز عنه الشعارات.
وإذا كانت النار قد فتحت هذا الأفق الرمزي، فإن الرقص جاء ليعمّقه.
لم يعد الرقص في نوروز مجرد طقس فولكلوري، بل تحوّل، بهدوء، إلى بيان بلا كلمات.
الجسد الذي يتحرك ضمن حلقة جماعية، لا يعبّر عن فرحٍ عابر، بل عن حضورٍ يتحدى الإنكار.
في لحظة كهذه، يصبح القول:
“نحن هنا” … فعلاً يُرى، لا يُقال.
هذه ليست خصوصية كردية تمامًا. ففي تجارب أخرى، كما لدى الأفارقة السود في زمن العبودية، تحوّل الرقص إلى لغة بديلة، وإلى ذاكرة حيّة.
الكابويرا، مثلًا، لم تكن رقصة فقط، بل قتالًا متخفيًا، أو مقاومة مؤجلة.
وفي سياقات أخرى، حملت الأغاني والرقصات عبء الحفاظ على “هوية مهددة بالذوبان” .
ما يجمع هذه التجارب هو إدراكٌ ضمني، أن السلطة، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تُحكم سيطرتها على المعنى.
فالجسد الراقص، كما الشعلة المشتعلة، يخرجان من منطق السيطرة إلى منطق الانتشار.
الأول يعيد تعريف الحضور، والثانية تعيد تعريف الفضاء.
في الحالة الكردية، يكتسب نوروز هذا المعنى بكثافة إضافية.
إنه ليس مجرد عيد، بل استعارة مستمرة.
أسطورة كاوا الحداد لا تُستعاد كحكاية، بل كإشارة، إلى أن الظلم ليس قدرًا نهائيًا. وفي النار والرقص معًا، يُعاد إنتاج هذا المعنى، لا كذاكرة، بل كفعل.
الأهم، ربما، أن الفرح نفسه يتحول هنا إلى موقف.
ففي سياقات يُراد فيها للإنسان أن ينكفئ، أن يخاف، أن يختفي، تصبح الشعلة والرقصة فعلين معاكسين:
“إعلان حضور، واستعادة للذات”.
ليس ذلك هروبًا من الألم، بل طريقة أخرى لتجاوزه.
بهذا المعنى، لا تعود المقاومة محصورة في لحظة الصدام، بل تمتد إلى ما هو أبعد.
إلى الرموز، إلى الطقوس، إلى ما لا يمكن مصادرته.
وهنا، بين نارٍ تنتشر وجسدٍ يرقص، تتشكّل صيغة مختلفة لقول: “لا” .
صيغة هادئة، لكنها أكثر بقاءً.