د. أحمد سينو
المقدّمة:
تم التوقيع على الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة، في 30 كانون الثاني 2026م، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تخرق الاتفاق وتتقدّم بقوّاتها ممّا تسمّى “الأمن العام”، والفصائل الموالية لتركيا، والعشائر العربية الموالية المنضوية تحت لوائها في المناطق الواقعة تحت نفوذ الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية التي كانت تعيد انتشارها وتمركزها وفق الاتفاق الأخير بين الجانبين المذكورين، وبتوجيهات استخباراتية تركيّة استفادت الحكومة السورية المؤقّتة وما يسمّى بالجيش السوري، والأمن العام، والفصائل الموالية لتركيا، والعشائر، من المتغيّرات الدولية والإقليمية التي أعلنت عن حاجتها للرئيس السوري المؤقّت أحمد الشرع، وذلك لاحتمالية مواجهة الحشد الشعبي وإيران، واعتماد الدولة السورية حليفاً في التحالف الدولي لمحاربة داعش بدلاً من قوات سوريا الديمقراطية، التي تراجعت أولويتها مع التحالف الدولي الذي يحاول الاستفادة من قوات سوريا الديمقراطية في المحافظة على بقايا سجون داعش، والاستفادة كذلك من بنيتها العسكرية المتماسكة بعد اندماجها في الجيش السوري، واستغلال مهارتها في استتباب الأمن في شرق الفرات، وتشكيل قوات الأمن الداخلي منها (الآسايش) لحماية المدن، خاصة في الحسكة والقامشلي وكوباني، وخبرتها في إدارة المعابر وحماية حقول النفط والمؤسسات الحيوية العامة، خاصة أنّ قوات سوريا الديمقراطية برهنت على براعتها في القضاء على الإرهاب الداعشي، وأثبتت خبرتها ودرايتها في ضبط الإدارة والأمن على كامل تراب شمال وشرق سوريا.
المنطقة قاب قوسين أو أدنى من الإقبال على تغيّرات أخرى قادمة؛ فالمفاوضات النووية مع إيران جرت في سلطنة عمان بين وزير خارجية إيران عباس عرقجي والممثل الأمريكي ستيف ويتكوف، وربما ينجح الاتفاق بين الجانبين الإيراني والامريكي؛ وهذا ما ستكون له تبعات مختلفة مغايرة للتوقّعات، بأن تتلقّى إيران ضربة ثانية تطال مفاعلاتها النووية وصواريخها البالستية التي تهدّد إسرائيل، وتطلب إسرائيل من الولايات المتحدة تنفيذ الضربة بهدف تغيير النظام الإيراني، وهذا ما لا تميل إليه الولايات المتحدة الأمريكية ولا تركيا؛ لأنّ ذلك سيغيّر خريطة إيران وربما كامل الشرق الأوسط. أمّا إذا ما توصل الجانبان الإيراني والأمريكي إلى عقد صفقة وتوقيع اتفاق اقتصادي، ووافقت إيران على سلمية برامجها النووية؛ فإنّه حينها سيختلف الوضع في المنطقة ولن تعود هناك حاجة للرئيس السوري أحمد الشرع لمجابهة الحشد الشعبي، وربما يؤدّي هذا إلى تغييرات قادمة في الوضع الداخلي السوري، وتبرز قوى وطنية سورية جديدة، كما ستنتفي الحاجة لوصول نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء في العراق وسيبقى السوداني لفترة ثانية.
الاتفاق وحيثياته:
في غمرة هذه الأحداث والتغيّرات الدولية والإقليمية والتوقّعات القادمة تم التوقيع على الاتفاق الأخير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقّتة، والتي باتت تضغط على مناطق قوات سوريا الديمقراطية في كوباني والحسكة والقامشلي، مستفيدة من مساندة أمريكا وفرنسا وتركيا لها، وملوّحة بغوغاء العشائر مثلما فعلت في الساحل السوري ومدنه وكذلك في السويداء. استمرّ الحصار على مدينة كوباني وتم شنّ هجمات ضدّها، كما تمّت سرقة قراها وتجريد المنازل من محتوياتها، وتم منع دخول المساعدات الإنسانية؛ ورغم ذلك جوبهت الهجمات بقوة وإصرار على حمايتها من قبل قوات سوريا الديمقراطية؛ والأمر لم يقف عند هذا الحد، بل استيقظت الخلايا النائمة في الحسكة وفي تل حميس وتل براك وغيرها، ولكنّها سوف تندثر وتتقهقر أمام القوات الكردية.
لن ندخل في تفاصيل الاتفاق، فقد تناقلتها وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لقد جرى تطبيق الاتفاق في مرحلته الأولى وسط التهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية، ودخلت قوات الأمن العام مدينة الحسكة، وجرى استلام المؤسسات الحكومية مثل القصر العدلي ومديرية التربية ودائرة النفوس والتجنيد وغيرها، كما جرى تعيين محافظ للحسكة بناء على مقترح قوات سوريا الديمقراطية، وسار الأمر في اليوم التالي في مدينة قامشلو وسط ترحيب الأهالي في المدينة، وسار الأمر بسلاسة من قبل قوات سوريا الديمقراطية والأهالي في المدينتَين، فما هي مصلحة كل طرف من الاتفاق:
ماذا تريد الحكومة المؤقّتة:
1- استغلال الظرف الدولي والإقليمي لتحقيق سيطرتها على كامل الأراضي السورية، مستفيدة من دعم أمريكا وفرنسا وتركيا والسعودية وقطر، وتثبيت شرعية وجودها في الحكم والسلطة.
2- إظهار سلطة دمشق نفسها كحليف قوي يمكن الاعتماد عليه في التحالفات الدولية والإقليمية.
3- رفض كل أشكال الفيدرالية، وتثبيت الحكم المركزي في سوريا؛ لقطع الطريق أمام مطالبات الدروز والعلويين.
4- الإيحاء لإسرائيل بأنّ الحكومة قوية، وأنّ بقائها يلبّي الطموحات الإسرائيلية والغربية في سوريا، كما يُبعد شبح حزب الله وإيران والحرس الثوري.
5- تحسين الميزانية السورية من خلال وضع اليد على منابع النفط والغاز في سوريا وعلى كامل حقولها.
6- تقوية الجيش السوري بانضمام قوات سوريا الديمقراطية إليه كقوات احترافية.
7- السيطرة على المعابر في شرق الفرات على الحدود التركية والعراقية، وتحقيق الفوائد الاقتصادية.
8- تحقيق السيادة السورية على كامل الجغرافية، وضمّ مطار القامشلي إلى مطارَي حلب ودمشق، والاستفادة من العائدات المالية.
9- إظهار الوفاء لتركيا وتنفيذ كامل أجنداتها في شرق الفرات كحليف يمكن الاعتماد عليه.
10- القضاء على محاولات قوات سوريا الديمقراطية والأحزاب الكردية في توحيد الصف الكردي على الصعيد الدولي والإقليمي.
11- محاولة منع تدويل القضية الكردية، خاصة بعد مساندة الكرد في جنوب كردستان وشمال كردستان وشرق كردستان، وقيام الكرد في كل الدول والمدن الأوربية بالمظاهرات السلمية المساندة لقوات سوريا الديمقراطية وروج آفاي كردستان.
12- خشية تركيا والشرع من التدخّل الإسرائيلي أمام الأمم المتحدة ودول العالم في أوربا وأمريكا لقلب الموازين لصالحها في جميع الأروقة الدبلوماسية؛ وهذا ما يرعب الدول الإقليمية، خاصة تركيا وإيران.
13- رغبة الحكومة السورية المؤقّتة في التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية لمحاربة داعش، خاصة في البادية السورية في قادم الأيام.
14- رغبة حكومة دمشق في الاستفادة من خبرات قوات سوريا الديمقراطية في حراسة سجون معتقلي داعش الذين ممّن لا يزالون داخل الأراضي السورية.
أمّا بخصوص ما تريده قوات سوريا الديمقراطية من الاتفاق:
فمن المناسب القول أنّ هذا الاتفاق بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع لم يلبِّ كل مطالب قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية بكل مكوناتها من الكرد والعرب والسريان والآشوريين، لكنّ الجنرال قبل بها لأنّها تحقّق بعض الخطوات في تعزيز السلم الأهلي، وتعزّز العيش المشترك بين كافة الشعوب في شمال وشرق سوريا، ومنها:
1- القضاء على كل الفتن الداخلية والحرب الأهلية بين العرب والكرد وباقي المكوّنات، والقضاء على مجازر رهيبة كان من الممكن أن تحدث، خاصة أنّ المتربّصين لا يزالون يراهنون على ذلك من قبل الاستخبارات التركية وغوغاء العشائر.
2- تحقيق وقف إطلاق النار الدائم لما فيه مصلحة كل السوريين، وتعزيز الأمن والأمان في المنطقة.
3- قبلت قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق لوجود جهات دولية ضامنة للاتفاق، مثل الولايات المتحدة وفرنسا التي لاتزال عبر وزير خارجيتها تستمرّ في تثبيت الاتفاق، عبر لقائه برئيس حكومة إقليم كردستان نيجرفان برزاني، واجتماعه مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد وروهلات عفرين في أربيل يوم أمس في 4 شباط 2026م.
4- الاتفاق لا ينصّ على حلّ قوات سوريا الديمقراطية، ولا يدعوا كذلك إلى تسليم سلاح قوات سوريا الديمقراطية، ويبقى هذا الضامن الحقيقي للكرد وباقي المكوّنات في شمال وشرق سوريا؛ ولعلّ هذا هو ما دفع بالشرع لأن يعلن أنّ قوات الأمن العام لن تدخل المدن الكردية في الحسكة والقامشلي وكوباني.
5- قبلت قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق لأنّه ينصّ على الاعتراف بالمكوّن الكردي وباقي المكوّنات في المشاركة والتمثيل السياسي، بل إنّ قوات سوريا الديمقراطية هي التي دعت الأحزاب الكردية لتوحيد الصف في مؤتمر قامشلو، وقوات سوريا الديمقراطية نواتها الصلبة من الكرد، وتسعى لضمان الحقوق الكردية السياسية في الدستور السوري القادم، وهي مثلت خط الدفاع الأول لحماية الحسكة والقامشلي وكوباني.
6- قوات سوريا الديمقراطية تدرك أهميتها، وبعملية دمجها في الجيش السوري تكتسب الشرعية، وبمشاركة المكوّن الكردي يرضي المجتمع الدولي ويكتسب الجيش السوري قوة عسكرية حقيقية أمام الأخطار الخارجية، خاصة في الجنوب السوري.
7- رغبة قوات سوريا الديمقراطية في الحصول على حصة من النفط المستخرج من أراضيها، والحفاظ على حصة من مخزون القمح والشعير لتلبية حاجة المنطقة والعمل على تحقيق الأمن الغذائي في شمال وشرق سوريا.
8- الاتفاق – كما قال الجنرال مظلوم عبدي – يمثّل فرصة تاريخية يمكن البناء عليها لتحقيق كامل المطالب لكامل المكوّنات في الدستور السوري، ومن ثم في التمثيل في البرلمان وانعقاد مؤتمر وطني جامع يلبّي مطامح الجميع، ويحقّق الاستقرار في سوريا.
9- صحيح أنّ الاتفاق لم ينصَّ صراحة على اللامركزية، لكن في الواقع حققت قوات سوريا الديمقراطية منجزاً حقيقياً بالاعتراف بالحكم المحلّي وبالحقوق اللغوية والتربوية، وفيما بعد بالحقوق القومية الكردية، ولاحقاً بالحقوق اللغوية للسريان والإيزيديين وغيرهم.
10- سوف تعمل قوات سوريا الديمقراطية على إعادة المهجرين في سري كانييه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) وعفرين، كما ستعيدها إلى السيادة السورية ومن ثم تضمّها إلى المناطق الكردية.
وأخيراً؛ يمكن القول أنّ قوات سوريا الديمقراطية قد جنّبت المنطقة – خاصة في شمال وشرق سوريا، الحرب الاهلية والفتن الداخلية، واستطاعت حماية المناطق الكردية، وربطتها بالنسيج الكردي في جنوب وشمال كردستان وشرق كردستان، وخلقت وحدة الصف الكردي في سوريا، ووحدة الصف الكردستاني، ومهّدت للقاء ممثّلي الأحزاب الكردية بالرئيس المؤقّت أحمد الشرع وبوزير خارجيته على أمل تثبيت كامل الحقوق السياسية الكردية في الدستور القادم، كما تواصلت قوات سوريا الديمقراطية مع العلويين والدروز، وحقّقت مكانة دولية ودبلوماسية، ونالت احترام العالم في محاربة الإرهاب، كما حقّقت التلاحم مع القوى الكردستانية في الأجزاء الأربعة لكردستان، وحقّقت التلاحم مع الكرد القاطنين في المهجر، ولا تزال قوات سوريا الديمقراطية تسعى في عملها من أجل استقرار سوريا وتحقيق التنمية المستدامة.
مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية NRLS