ليس سؤال “من نحن؟” سؤالًا بريئًا من الافتراضات، ولا هو مجرد استفسار طارئ عن خصائص تميز فردًا أو جماعة عن غيرهما. إنه سؤال يفترض وجود ذات تعي نفسها، وتبحث عن معنى لاستمرارها عبر الزمن، وتحدد موقعها في شبكة من العلاقات والانتماءات. غير أن هذا السؤال لا يكتسب دلالته الإشكالية إلا حين تصبح هذه العلاقة بين “الأنا” و”النحن” موضوعًا للتفكير والمراجعة، أي حين لا يعود الانتماء معطى مباشرًا، بل يتحول إلى عنصر في فهم الإنسان لذاته.
هذا هو السؤال أو المسألة التي يعالجها عزمي بشارة في كتابه “مسألة الهوية”، انطلاقًا من أطروحة مركزية مفادها أن الهوية ليست جوهرًا ثابتًا سابقًا على التاريخ، ولا مجرد بناء متخيل يمكن إلغاؤه بالكشف عن شروط إنتاجه، وإنما هي ظاهرة اجتماعية حديثة تنشأ عند تقاطع وعي الفرد المستقل بذاته مع وعيه بانتمائه إلى جماعة أو جماعات. ولا تكمن أهمية هذا التحديد في التوفيق بين تصورين متعارضين للهوية، بل في إعادة بناء مفهوم الهوية نفسه، وتحديد مجاله التحليلي، وتمييزه من التصنيف الاجتماعي، ومن الأيديولوجيا الهوياتية، ومن سياسات الهوية.
بهذا المعنى، لا ينشغل بشارة بإثبات أن الهويات متغيرة، وهي قضية تكاد تكون محسومة أو بديهية في العلوم الاجتماعية، بل بالسؤال الذي يترتب عليها وهو إذا كانت الهويات تاريخية ومصنوعة اجتماعيًا، فلماذا تظل متلازمة مع حياة البشر؟ وكيف يتحول الانتماء إلى الجماعة مكوّن من مكونات الذات نفسها، وإلى مصدر للمعنى والكرامة والالتزام الأخلاقي؟
يبدأ بشارة بتحديد ما يطلق عليها منزلقات البحث في الهوية، وفي مقدمتها الخلط بين الاستخدام اليومي والاستخدام العلمي للمفهوم، وتبرز هذه المشكلة في حالة مفاهيم مثل “العرق” و “الأمة” و “الهوية” ومقاربتها ككيانات حقيقية قائمة في حد ذاتها. ويقف أيضاً عند الإفراط في توسيع نطاق مفهوم الهوية حتى يصبح تفسيرًا شاملًا للظواهر الاجتماعية والسياسية. ويقر بشارة بوجاهة الاعتراض على غموض المفهوم واتساع نطاقه والخلط بين استخدامه اليومي واستخدامه العلمي، لكنه يرفض الاستنتاج الذي يحوّل نقد المفهوم إلى إنكار موضوعه ويشكك في قيمته التحليلية بسبب تعدد معانيه واتساع استعمالاته.
كما يوضح بشارة منزلقاً آخر، يتمثل في الاعتقاد عند بعض الباحثين بأن إثبات تاريخية الهويات وتركيبها المتغير ينفي واقعيتها، فهي بالنسبة لهم مجرد أوهام. أما بالنسبة له “لاجدال في أن الهوية مصنوعة، ولكنها لا تصنع من “لا شيء”، إذ إن هناك مشتركات يرتكز عليها الانتماء الجماعي، ما يفترِض وجود عاطفة تدفع الفرد إلى تصنيف نفسه ضمن جماعة بحيث يصنف انتسابه إليها ضمن خصائصه”. إذاً كون الهوية بناءً اجتماعياً تاريخياً متغيراً لا يجعلها وهماً. بل إن أغلبية المؤسسات والكيانات التي تنظم حياة البشر نتاج تاريخي، ومع ذلك لا يشك أحد في واقعيتها وفاعليتها، فالجماعات قد تكون متخيلة بمعنى أنها تتشكل مع الزمن عبر وسائط ثقافية ومؤسسية، لكنها تصبح واقعاً اجتماعياً حين يعي الأفراد انتماءهم إليها ويتصرفون على هذا الأساس.
يرفض بشارة النزعة الجوهرانية التي تفترض وجود هوية مكتملة خارج التاريخ، كما يرفض النزعة التفكيكية حين تتوهم أن تفسير نشأة الهوية يكفي لتبديدها. وهو يذهب أبعد من ذلك حين ينتقد الاكتفاء بتكرار القول إن الهوية متغيرة واجتماعية التكوين، من دون تحديد ما يجعلها هوية من الأساس. فالمشكلة النظرية ليست في إثبات تاريخية المفهوم، بل في ضبط دلالته وقدرته التفسيرية.
من هنا تأتي أهمية العودة إلى الأصل الفلسفي للمفهوم. فالهوية في المنطق الشكلي تحيل إلى مبدأ التساوي، حيث يكون الشيء مطابقاً لذاته، ومتميزاً من غيره. غير أن هذا المعنى لا يفسر الهوية كما تتناولها العلوم الاجتماعية الحديثة. فالإنسان ليس موضوعاً منطقياً ثابت الخصائص، بل ذات تتشكل عبر الزمن، وتعيد تفسير خبراتها وانتماءاتها، وتمنح بعض عناصر وجودها أهمية خاصة في تعريف نفسها.
وهنا يميز بشارة بين الهوية الذاتية الفردية، بوصفها فهم الإنسان لذاته وللخصائص والقيم التي يعدّها أساسية في شخصيته، والهوية الجماعية، بوصفها وعيه الانتماء المشترك مع آخرين إلى جماعة أو جماعات. غير أن هذا التمييز تحليلي، ولا يعني وجود هويتين منفصلتين؛ فالذات الفردية تتكون اجتماعياً، والانتماء الجماعي لا يوجد خارج وعي الأفراد الذين يحملونه.
وهذا يحيلنا إلى تحديد خصوصية مسألة الهوية في الحداثة. ففي الجماعات التقليدية قد يكون الانتماء مباشراً وغير مفكّر فيه، فلا يُطرح بوصفه مشكلة مستقلة. أما مع نشوء الفرد الذي يعي استقلال شخصيته، وتراجع الروابط الجمعية الموروثة، فقد أصبح الانتماء نفسه موضوعاً للاختيار والتأويل والتساؤل. ولم تؤدِّ الحداثة إلى تحرير الفرد من الروابط التقليدية فحسب، بل عرّضته أيضاً للتذرّر والاغتراب، وجعلت حاجته إلى الانتماء تتخذ أشكالاً جديدة. فلا تنشأ مسألة الهوية من مجرد وجود الجماعات، بل من التوتر بين استقلال الذات الفردية وحاجتها إلى الانتماء. فالإنسان الحديث لا يكتفي بأن يكون عضواً في جماعة، وإنما يعي هذا الانتماء، ويمنحه موقعاً ضمن فهمه لذاته، وقد يعيد النظر فيه أو يضعه موضع المساءلة.
وتقود هذه المقاربة إلى إحدى أهم أطروحات الكتاب: لا جماعة من دون انتماء إلى الجماعة. والمقصود أن التشابه الموضوعي بين الأفراد، سواء في الموقع الاقتصادي أو الأصل الإثني أو الخصائص الثقافية، لا يكفي وحده لقيام جماعة هوية. فالتصنيف الخارجي يحدد فئة، لكنه لا ينشئ بالضرورة جماعة يعي أفرادها اشتراكهم في الانتماء إليها.
ولهذا يحاجج بشارة في مفهوم الطبقة عند ماركس. فالانتقال من “طبقة بذاتها” إلى “طبقة لذاتها” لا يتحقق بمجرد إدراك المصالح الاقتصادية المشتركة، بل يتطلب تشكل وعي بالانتماء، تسهم في إنتاجه الأحزاب والنقابات والرموز والنضالات والتجارب التاريخية. وحين يضعف هذا الوعي، قد تتغلب عليه انتماءات قومية أو إثنية، حتى لدى فئات تتشارك موقعاً اقتصادياً واحداً. طبعاً لا ينفي ذلك وجود الطبقة بوصفها فئة تحليلية تقوم على علاقات اقتصادية واجتماعية موضوعية، لكنه يميز بينها وبين الطبقة بوصفها جماعة انتماء. وهذا التمييز يتيح تفسير ظواهر تعجز المقاربات الاقتصادية الاختزالية عن استيعابها، ومنها انجذاب فئات من العمال إلى حركات يمينية شعبوية تمنحهم شعوراً بالانتماء والاعتراف، ولو تعارضت سياساتها مع مصالحهم المادية.
غير أن وجود الانتماء لا يعني وجود ذات جماعية مستقلة عن الأفراد. فالجماعة لا تمتلك “أنا” تفكر وتشعر وتختار على نحو مماثل للذات الفردية. إن ضمير «نحن» يوجد في وعي ذوات متعددة تتشارك الانتماء، وتعبر عنه عبر المؤسسات والرموز والممارسات.
وتتضح أهمية هذه الأطروحة أيضاً في تفسير نشوء الجماعات القومية. فالأمة لا تقوم على خصائص موضوعية مشتركة وحدها، وإنما تتشكل عبر الثقافة والمؤسسات وفعل النخب، التي تسهم في تحويل المشتركات التاريخية واللغوية إلى وعي جماعي. وبالتالي تتكون الجماعات المتخيلة، لكن التخيل هنا لا يلغي الواقع الاجتماعي للجماعة، بل يفسر أحد شروط نشوئها.
يغوص بشارة في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، محاوراً ومحاججاً الكثيرَ من النظريات والمنظرين، مستفيدًا من التصورات التي تؤكد أن الذات لا تتشكل خارج العلاقات الاجتماعية. فالفرد يكتسب فهمه لنفسه عبر اللغة والتنشئة والأدوار الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين. لكن الإقرار بالطابع الاجتماعي للهوية لا يلغي فاعلية الذات، ولا يحول الإنسان إلى مجرد نتاج سلبي للبنية الاجتماعية. وهنا تبرز أهمية الاعتراف في تكوين الهوية. فالإنسان لا يحدد صورته عن ذاته بمعزل عن نظرة الآخرين إليه، لكنه لا يتطابق بالضرورة مع التصنيفات التي يفرضونها عليه. وقد يؤدي إنكار هوية جماعية إلى تعزيز الوعي بها، كما في حالة الهوية الفلسطينية التي اكتسبت حضوراً متزايداً في مواجهة الإنكار الصهيوني لوجود الشعب الفلسطيني.
ولا يعني ذلك أن التصنيف الخارجي يصنع الهوية من العدم، بل إنه يتفاعل مع مشتركات تاريخية وثقافية وتجارب سياسية قائمة، ويعيد تشكيل موقعها في وعي الأفراد. فالهوية تتكون في العلاقة بين التعريف الذاتي والاعتراف الخارجي، وبين عناصر الاستمرار التاريخي وعمليات التحول.
لكن الأهمية لهذه المقاربة لا تتوقف عند تفسير نشوء الهوية، بل تمتد إلى علاقتها بالأخلاق. ففهم الإنسان لذاته يتضمن، إلى جانب خصائصه وانتماءاته، القيم التي يلتزم بها، والتصورات التي يحملها عن الخير والشر، والحياة الجديرة بأن تُعاش. وهنا لا تعود الهوية مجرد تحديد لما يكونه الإنسان، بل تصبح مرتبطة بوعيه لما يريد أن يكونه.
وفي هذا السياق، يحاور بشارة التصورات الأخلاقية التي تربط تكوين الذات بالاعتراف والتعاطف والتضامن. فالانتماء قد يشكل مصدراً للاستعداد الأخلاقي، لأنه يخرج الفرد من انغلاقه على مصلحته المباشرة، ويجعله معنياً بمصائر الآخرين. غير أن هذا الاستعداد لا يضمن بذاته سلوكاً أخلاقياً؛ إذ قد يتحول التضامن مع الجماعة إلى تبرير للعدوان على غيرها.
من هنا يميز بشارة بين الانتماء الجماعي والأخلاق الكونية. فالإنسانية ليست جماعة هوية بالمعنى الذي تتشكل به الجماعات القومية والثقافية، لكن الإنسان يستطيع أن يتبنى قيماً أخلاقية تنطلق من المساواة في القيمة بين البشر. ولا يتطلب الاعتراف بكرامة الآخر أن يكون شريكاً لنا في الانتماء. وهذا التمييز ضروري لفهم العلاقة بين الهوية والحرية الأخلاقية. فالانتماء يمنح الفرد معنى، لكنه لا ينبغي أن يكون المرجع النهائي لأحكامه. إذ تقتضي الفاعلية الأخلاقية قدرة الإنسان على مساءلة جماعته، ورفض الظلم حتى حين يُرتكب باسمها. وهنا يصبح الاستقلال الأخلاقي شرطاً لئلا تتحول الهوية إلى سلطة تلغي الذات التي يفترض أنها تعبّر عنها.
عند هذه النقطة يتبلور التمييز الأكثر مركزية في مشروع بشارة: الهوية ليست الأيديولوجيا الهوياتية. فالهوية وعي بالانتماء، أما الأيديولوجيا الهوياتية فهي تحويل هذا الوعي إلى منظومة تفسر العالم انطلاقاً من خصائص مزعومة وثابتة للجماعة، وتختزل أفرادها في ماهية متجانسة، وتحدد علاقتهم بالآخرين وفق حدود فاصلة بين “نحن” و”هم”.
إن الانتقال من الهوية إلى الأيديولوجيا الهوياتية ليس انتقالاً ضرورياً أو بنيوياً، بل عملية اجتماعية وسياسية تتدخل فيها النخب والمؤسسات والصراعات على السلطة. وقد تتحول الهوية إلى مصدر للتعبئة السياسية، أو إلى وسيلة لشرعنة الاستبداد، أو إلى أساس للمطالبة بامتيازات جماعاتية بدلاً من الحقوق المتساوية.
وفي الدول التي لم تترسخ فيها المواطنة، تزداد خطورة هذه العملية؛ إذ تصبح الجماعات وسائط للحصول على الحقوق والمنافع، ويُستبدل النقاش في الصالح العام بالتفاوض بين ممثلي الهويات. وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً للمساواة بين المواطنين، تتحول إلى مجال لتقاسم النفوذ، بما يضعف الانتماء الوطني نفسه.
غير أن الوجاهة النظرية لهذا التمييز عند بشارة بين الهوية والأيديولوجيا الهوياتية تجعلنا نتساءل عن مدى إمكان الفصل بين الهوية والأيديولوجيا الهوياتية على أرض الواقع. فإذا كان الانتماء إلى الجماعات لا يتشكل، وفقاً لبشارة نفسه، إلا عبر توسط الثقافة والمؤسسات وفعل النخب، وإذا كانت هذه الوسائط تسهم في انتقاء المشتركات وإنتاج السرديات وترسيم حدود الجماعة، فإلى أي حد يمكن اعتبار الهوية سابقة على الأيديولوجيا أو مستقلة عنها؟ أليست عملية تحديد ما يجمع أفراد الجماعة، وما يميزهم من غيرهم، متضمنة منذ البداية قدراً من التأويل والانتقاء وإنتاج المعنى المشترك؟ وخاصة أن الهويات لا تتشكل في فضاء اجتماعي محايد، كما أن المؤسسات التي تنتج الانتماء لا تخلو من تصورات معيارية وسياسية بشأن الجماعة وحدودها.
وإذا كانت الهوية هي وعي الفرد بذاته وانتماءاته؛ والأيديولوجيا الهوياتية هي تحويل هذا الانتماء إلى تصور جوهراني مغلق للجماعة؛ فإن سياسات الهوية هي توظيف الانتماء الجماعي في المجال السياسي، سواء للمطالبة بالاعتراف والمساواة والحقوق، أو للتعبئة السياسية وتوزيع السلطة والموارد.
والفارق هنا جوهري: ليست كل سياسة هوية أيديولوجيا هوياتية. فقد تنشأ سياسات الهوية من تعرض جماعة للتمييز أو الإقصاء، فتكون وسيلة للمطالبة بحقوق حُرمت منها. لكنها قد تتحول أيضاً إلى ممارسة تعزز الانقسامات، وتختزل الأفراد في انتماءاتهم، وتستبدل المواطنة المتساوية بمنطق التمثيل الجماعاتي.
وفي ضوء مسألة الهوية، نتبين معالجة بشارة للهوية العربية. فهو لا يتعامل مع العروبة بوصفها جوهراً عرقياً أو شخصية حضارية ثابتة، بل بوصفها انتماءً ثقافياً وتاريخياً تتصدر اللغة العربية مقوماته. فاللغة ليست أداة تواصل فحسب، وإنما وسيط لتراكم الثقافة وإنتاج المعرفة وتشكيل الذاكرة المشتركة.
غير أن الدفاع عن الانتماء العربي لا يقتضي تحويله إلى أيديولوجيا إقصائية، ولا إنكار التنوع اللغوي والثقافي في المجتمعات العربية. كما أن الانتماء إلى الدولة الوطنية لا يستلزم التنكر للعروبة؛ إذ يمكن أن تتعدد انتماءات الفرد دون أن تتناقض، ما دامت لا تتحول إلى مطالب بالولاء الحصري لهذه الجماعة أو تلك.
ويؤكد بشارة من جديد أن المواطنة أساس الانتماء إلى الدولة الحديثة، وأن بناء الهوية الوطنية ينبغي أن يستند إلى الحقوق والمؤسسات والمشتركات التي تنتجها الحياة السياسية، لا إلى افتعال التعارض مع الانتماء العربي الأوسع. فالهوية الوطنية لا تكتسب مشروعيتها من نفي الانتماءات الأخرى، وإنما من قدرتها على توفير إطار سياسي مشترك للمواطنين.
يرفض بشارة التعارض المصطنع بين الأصالة والحداثة. فالأصالة ليست عودة إلى أصل تاريخي نقي، لأن التاريخ لا يعرف العودة، والحداثة لا تقتضي التنكر للغة والثقافة. إن التحدي يكمن في إنتاج حداثة تستوعب الميراث الثقافي وتعيد تطويره، وتربط الانتماء الجماعي بالكرامة الفردية والحرية.
تفضي هذه المسارات إلى النتيجة المهمة في الكتاب: ليست الهوية قيمة إيجابية بذاتها، كما أنها ليست وهماً ينبغي التخلص منه. إنها ظاهرة إنسانية حديثة، تتشكل عند تقاطع حاجة الفرد إلى الانتماء مع وعيه باستقلال ذاته، وترتبط ببحثه عن المعنى والكرامة والاعتراف. وتكمن خطورتها حين تتحول إلى أيديولوجيا تدّعي امتلاك حقيقة الجماعة وتفرضها على أفرادها.
ومن هنا تكتسب دعوة بشارة إلى “التحرر في الهوية” بدلاً من “التحرر منها” دلالتها النظرية والأخلاقية. فهي لا تدعو إلى تجاوز الانتماءات بوصفها بقايا من الماضي، ولا إلى الاستسلام لسلطتها بوصفها حقائق نهائية، وإنما إلى تحرير وعي الانتماء من النزعة الجوهرانية ومن احتكار الأيديولوجيا الهوياتية له.
