في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبرز تساؤلات مشروعة حول مستقبل الوجود الكردي في سوريا، ودور القوى المسيطرة في شمال وشرق البلاد، وفي مقدمتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في توجيه هذا المسار. فالمشهد الحالي يفرض وقفة مراجعة هادئة ومسؤولة، بعيدًا عن المزايدات أو الخصومات السياسية، انطلاقًا من الحرص على مكوّن أساسي من مكونات المجتمع السوري، قدّم تضحيات كبيرة خلال سنوات الصراع.
السؤال الجوهري المطروح اليوم هو: هل تسير السياسات المتبعة نحو ترسيخ موقع سياسي مستدام للكرد ضمن سوريا المستقبل، أم أنها قد تقود—من دون قصد—إلى خيارات يصعب تدارك نتائجها لاحقًا؟
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته «قسد» خلال سنوات الحرب، سواء في مواجهة تنظيم «داعش» أو في فرض حالة من الاستقرار النسبي في مناطق سيطرتها، مستفيدة من ظروف استثنائية ودعم دولي واضح. غير أن التحولات الجارية على المستويين الإقليمي والدولي تفرض إعادة تقييم للمرحلة، إذ إن شرعية القوة التي أفرزتها ظروف الحرب لا تتحول تلقائيًا إلى شرعية سياسية دائمة.
اليوم، تتغير المعادلات: حضور أمريكي أقل التزامًا على المدى البعيد، دور روسي متنامٍ عبر دمشق، موقف تركي ثابت في رفض أي كيان كردي مسلح على حدوده، ونظام سوري ما زال يحتفظ بشرعية دولية وإقليمية متجددة. هذه الوقائع تستدعي مقاربة سياسية مختلفة، أكثر انسجامًا مع ميزان القوى الجديد.
أحد مصادر القلق يتمثل في طبيعة آليات صنع القرار داخل الهياكل السياسية والعسكرية القائمة، حيث يلاحظ ميل إلى تركيز القرار وتضييق مساحة النقاش، مع محدودية إشراك القوى الكردية الأخرى أو الأصوات الناقدة. إن غياب التعددية السياسية، مهما كانت المبررات، يضعف أي مشروع طويل الأمد، ويحدّ من قدرته على التكيّف مع المتغيرات.
التجارب الكردية السابقة في المنطقة تُظهر بوضوح أن احتكار القرار وإقصاء الشركاء غالبًا ما أدى إلى نتائج قاسية، دفع ثمنها المجتمع الكردي بأكمله. ومن هنا، فإن استحضار دروس الماضي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية.
المرحلة الراهنة تفرض قدرًا أعلى من الواقعية والبراغماتية، تنطلق من عدة مسلمات أساسية:
أن الحل في سوريا سيكون سياسيًا في نهاية المطاف، وأن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تنتج استقرارًا دائمًا أو اعترافًا مستمرًا.
أن الانفتاح على بقية المكونات السورية، العربية والكردية على حد سواء، يعزز الموقف التفاوضي، ويعيد للقضية الكردية طابعها الحقوقي المشروع ضمن الإطار الوطني.
أن العلاقة مع دمشق، رغم تعقيدها، لا يمكن تجاوزها كليًا، كما أن تجاهل الهواجس الإقليمية، وفي مقدمتها التركية، يحمل مخاطر يصعب التحكم بتداعياتها.
التحدي الحقيقي أمام قيادة «قسد» اليوم لا يكمن في الحفاظ على مكاسب مرحلية فُرضت بظروف استثنائية، بل في تحويل هذه المكاسب إلى مسار سياسي قابل للاستمرار، يحمي الحقوق الثقافية والسياسية للكرد، دون عزلهم عن محيطهم السوري أو الإقليمي.
الوقت لم يعد عاملًا محايدًا، بل أصبح عنصر ضغط حقيقي. والمراجعة الشجاعة، والانفتاح الداخلي، وتوسيع دائرة الشراكة، لم تعد خيارات إضافية، بل متطلبات أساسية لتجنب سيناريوهات غير محسوبة.
إن طرح هذه الأسئلة لا يهدف إلى الاستفزاز أو التشكيك، بل إلى التنبيه إلى مفترق طرق بالغ الحساسية. فالمستقبل لا يُصنع بالشعارات، بل بقراءة دقيقة للواقع، وبقرارات مسؤولة توازن بين الطموح المشروع والقدرة الفعلية على حمايته.