لعلّ ما يشدّ الدارس إلى التجربة الروائية للكاتب المغربي يوسف فاضل، في تنوعها، وفي تعدد مقترحاتها الجمالية، هو نهوضُها على رؤية للسرد تقوم أساسًا على عدم الاطمئنان للمنظور الخطّي الذي طبع نماذج متعددة من الإنتاج الروائي المغربي إلى حدود العقدين الأخيرين من القرن الماضي. وتفسير ذلك يكمن في عدم ارتهان يوسف فاضل إلى معين واحدٍ في توليد الحكاية، قدر ما يستفيد من إمكانات تعبيرية متعددة، كالمسرح، والسينما، والحكي الشفوي. وكأنّ الكاتب لا يكفّ عن نقل خبرته الجمالية المتنوعة إلى النصّ السّردي حتى يوفر له النّفسَ الملائمَ للتعبير عن الأسئلة الضاغطة والانشغالات ذات العلاقة بسياق المرحلة. ونتصور أن هذه السّمة تعد من علامات التجديد التي تطبع الرواية المغربية المعاصرة، حيث النصّ يتعين مرصدًا حقيقيًّا لاستجلاء اللحظة الفنية والفكرية بما يوفره لها المتخيل من ثراء يتجلى على مستوى الرؤية والشكل والدلالة.
منذ الثمانينيات من القرن الماضي ويوسف فاضل لا يتخلف عن مدّ الرواية المغربية والعربية بنصوص لا تضفي القيمة وحسب على السّرد بوصفه قوة تعبيرية وعلاجية، كما أشار إلى ذلك الأستاذ عبد الفتاح كيليطو في قراءته العميقة لـ “ألف ليلة وليلة”، وإنما تُبوئُ المبدعَ المكانة التي تليق به بوصفه منتجًا لمعرفة من شأنها إعادة الاهتمام بالوجود الذي نسيته الأنساق الغامضة، والسرديات الاختزالية والناجزة. وليس السرد في بعدهِ الأنثروبولوجي إلا مساهمة في تبئير التأمل على التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتلقي بظلالها على سكنى الإنسان فيه.
في سنة 1982، أصدر يوسف فاضل روايته الأولى “الخنازير”، وفي سنة 1989، أصدر رواية “أغمات”. وبعد هذين العملين بثلاث سنوات أصدر رواية “سلستيا” سنة 1992. أما رواية “ملك اليهود” فظهرت سنة 1996. وفي بداية هذا القرن أنتج يوسف فاضل ثلاثة أعمال روائية هي: “حشيش”، وصدرت سنة 2000، و”مترو محال” سنة 2006، ثم رواية “قصة حديقة الحيوان” سنة 2008. هكذا استمر يوسف فاضل في إثراء سجلّ الرواية المغربية، إذ صدر له أيضًا: “طائر أزرق نادر يحلق معي” 2013؛ “قط أبيض جميل يسير معي” 2011؛ “فرح” 2016؛ “حياة الفراشات” 2020؛ “ريفوبليكا” 2024، وهي ثلاثية روائية. علاوة على ذلك، فقد حظيت بعض أعماله بالتتويج في محافل أدبية رفيعة، كجائزة الأطلس الكبرى، وجائزة المغرب للكتاب، فضلًا عن وصول جملة من نصوصه إلى القوائم القصيرة لجوائز عربية مرموقة، كجائزة كتارا، والجائزة العالمية للرواية العربيّة.
نتبيّن من هذه العناوين أن تجربة يوسف فاضل السّردية تتميز بالانتظام في الصدور: أي بمعدل رواية كل أربع سنوات. لذلك تأخذ أعماله على عاتقها أبرز القضايا والأسئلة التي تهم كتابة الرواية، خاصة في منحييها التجريبي، عندما يتعلق الأمر بمغامرة الرواية قياسًا إلى الأعمال السابقة، والمعرفي حينما الرواية تنفتح عبر التّلقي على الواقعين الاجتماعي والتّاريخي اللذين يستكشفهما الكاتب بصنعة فنية بالغة الدقة. هذه العناصر التي تُخصّصُ التجربة الروائية ليوسف فاضل تقودنا إلى التساؤل عن المداخل الملائمة لقراءتها، والقمينة بإبراز مساهمتها الجمالية في تعميق سؤال الكتابة بالمغرب، ووصله بتحولات العالم وموقع الإنسان فيه. فإذا اكتفينا بالانشغال بالبحث في تركيبها السردي، وما يجتلبه لها الكاتب من مظاهر التشذر والتذرير، فإننا لن نتجاوز إطار الأدبية بالمعنى الذي تعرفنا عليه من خلال القراءات ذات الخلفية الداخلية للخطاب الأدبي. من الواضح أن هذه الخطوة ذات دلالة لافتة بالنسبة للتلقي. ذلك أنها تشكل أساسَ الفهم، وبدونها لا يمكننا الانتقال إلى التأويل، ومن ثم تركيب العناصر التي تسعفنا على استخلاص الدلالة/ الدلالات التي يتغياها الروائي من خلال أعماله. لذلك يَصحّ القول بأنّ أعمال يوسف فاضل تستدعي قراءة مغايرة: أي بالمعنى الذي تُنشَّطُ فيه فرضيات جديدة من شأنها تلقّي الرواية باعتبارها حدثًا أو ممارسة خطابية بالمعنى الذي تقصد إليه ميشيل فوكو في دراسته للخطابات الدالة، ومنها خطاب الثقافة. ونعني بالرواية بوصفها حدثًا انخراطُها في سياقها الاجتماعي والثقافي، وتشخيصُها لأنساقه الجلية، أو المضمرة.
1 ــ مستوى الفهم: التركيب السردي
إذا كانت هذه العناصر تخصّص تجربة الكاتب السردية في منجزها العام، فما هو الموقع الذي تحتله رواية “قصة حديقة الحيوان” التي نحن بصدد تقديمها ضمن مجمل هذه التجربة؟
ترتبط “قصة حديقة الحيوان” بشدة بالواقع اليومي للشخصيات، وما تكابدهُ من مظاهر الألم والقسوةِ في مجال اجتماعي يفقدها نقاط الارتكاز، ولا يوفر لها مساحة لإبراز مواهبها وانشغالاتها بتغيير واقعها. ويوسف فاضل ينجزُ هذا التّشخيص معتمدًا استراتيجية أسلوبية تهيمنُ على ما عداها من تقنياتٍ وصيغٍ تعبيريةٍ. وإذا كان الناقد عبد اللطيف محفوظ قد لاحظ في سياق قراءته اللّماحة لرواية “حشيش” بأنها نادرًا ما تفتح الباب أمام اللغة العامية، لأن الصوت غالبًا ما يظلّ في هذه الرواية هو صوتُ السارد الذي لا يتنازل عن صوته لصالح صوت شخصية ما، إلا لمامًا[1]، فإن رواية “قصة حديقة الحيوان” يمكن اعتبارها رواية العمل على اللغة بامتياز. ذلك أن الكاتب يتّجه فيها إلى الاهتمام بالكلام اليومي، مرتقيًا به إلى مستوى المكون الأساس للنسيج التعبيري والسيميائي للرواية. وفي هذا الجانب بالتحديد لا يمكن للنقد أن يتجاهلَ المساهمةَ اللماحة التي يبلورها يوسف فاضل في مجال اللغة السردية والعناية بالمكون الحواري. فمن شأن هذا الاهتمامِ أن يُوجهَ النقدَ إلى مساءلة ذلك التصدع الذي يحدث على مستوى اللغة حينما تفتح الرواية صدرها للشخصيات لكي تبني هوياتها الذاتية بأنساقَ لغويةٍ خاصةٍ بها، تمتحُ معجمها من اليومي، الذي كان يُنظر إليه بنوع من التبرّم لأنه ينتهك المعايير العامة. وأعتقد أن في ذلك يكمن سؤالٌ واسعٌ وعميقٌ ليس فقط حول ما نتوهمه بصدد وحدة اللغة، وإنما كذلك بصدد هوية الذات التي تتحدثُ هذه اللغة وتعبر انطلاقًا منها. لقد أثار دومينيك راباتي هذه الملاحظة في دراسة هامة بعنوان: La littérature de l’épuisement إذ يرى أن الأدب الروائي المعاصر يتسم بنوع من القطيعة الجذرية مع المفاهيم التي هيمنت طويلًا بوصفها النماذج المثلى للفن الروائي، حيث تجاوزت النصوص الحديثة تلك القوالب الجاهزة والمعايير المكرسة لصالح آفاق تجريبية مغايرة. وهذا التجاوزُ يبرزُ بقوة في حيز اللغةِ، ويمتدّ إلى مفهوم الشخصية. لذلك يذهب هذا الناقد إلى أنّ الظاهرة الشفوية ذات أهمية لافتة في فهم الأدب المعاصر، وينبغي دراستها في مستوياتها وأبعادها المتعددة. فهي تساهم في إعادة صياغة المفهوم السائد حول الأسلوب، لا سيما وأن استحضار أنماطٍ خطابية متنوعة ودمجها في الفضاء الأدبي كان يشمل عناصر تُصنف سابقًا خارج نطاق الذوق العام ومداراته المألوفة[2].
إلى أي مدى يمكن تأويل هذا الاشتباك اللغوي بين الفصحى والعامية داخل المتن الحكائي بوصفه تجليًا لوعيٍ حداثي يوجه التجربة الروائية عند يوسف فاضل؟
نعم، يمكن أن نقرأ هذا الاشتغالَ على اللغة باعتباره علامة على حداثة السّرد في هذا النص الروائي. ذلك أن الكاتب يَختطُّ هذا المسار إلى جانب أسماء عديدة من مبدعي ومبدعات الرواية المغربية، خاصة ممن تتولد الرواية عندهم في رحم الردّ على النموذج التقليدي، وذلك بالإلحاح وبقوة على استعادة الذّات المطلقة التي تقطع مع الاستخدام العام للغة كملكية جماعية، والاستجابة لإكراهات الواقعية، ذلك أن التعددية الاجتماعية تجد في هذا البعد الأسلوبي أقوى صيغ التعبير عنها. فهذه التعبيرات تحظى بوضع خاصّ بالنسبة للجهة التي تصدر عنها، وكذلك بالنسبة للجمهور الذي يتلقاها. ومن اللافت أن العنصر المشترك الذي قامت عليه التحولات الكبرى للفنّ المعاصر خلال القرن العشرين، وفي الأدب بأجناسه المتعددة، وفي الموسيقى والفن التشكيلي، كان يتمثلُ في تغيير النغمة: عملية الإنتاج أصبحت أكثر أهمية من المنتوج، الرواية بصدد الكتابة، شخصيات مسرحية في بحث بلا كلل عن النص المسرحي الملائم، لوحات فنية غير مكتملة. إنها أزمة في التمثيل تجد مسوغاتها في عصر وُجِدت فيه إمكانات للتعبير غير محدودة ومفتوحة على بدائل متعددة.
هل نحن إذًا أمام نمط من اللاتمركز، أو أننا بالأحرى أمام تمركز جديد على العمل الإبداعي؟ كيفما ذهبنا في توصيف هذا التحول، أتصور أنه يحقق للإبداع زمنية جديدة ليس كموضوع منجز مفتوح على النظر والتأمل النقديين، ولكن كحضور مظلل باللغزية، بحيث يظلّ العمل الأدبي قابلًا لإعادة الإنتاج، ولا يكفّ عن اقتراح نفسه للقراءة والتأويل.
| غلافا “قط أبيض جميل يمشي معي”، و”سمكة حمراء متلألئة تسبح معي” للروائي يوسف فاضل |
إن تفكيك وحدة اللغة لا يمكن إلا أن يلقي بظلاله على حبكة الرواية، ومسارات الأحداث والوقائع فيها، وأثرها على مواقف الشخصيات ورؤياتها لنفسها وللعالم الذي تتحرك فيه. وفي هذا السياق، يمكننا أن نفهم ما يتسمُ به بناء الحكاية في هذه الرواية من تشذّر. فإذا كان النصّ الروائي، كمتتالية من المحكيات يتولّد انطلاقًا من مخطوط نص مسرحي غير مكتملٍ وغير منضّدٍ للكاتب إدوار ألبي، الأمر الذي لا يسمح بفهمه على نحو أفضل، ومن ثم تشخيصه على الخشبةـ فإنّ المحكيات الصّغرى التي نتعرّف من خلالها على شخصيات الرواية لا تعدو أن تكون حاشية على هذا المتن، وإضاءة لسياقه التاريخي المفعم بالتحولات والانكسارات والأزمات. يوجد مخطوط “قصة حديقة الحيوان” في ملك شابين صديقين هما رشيد وسيمو. يتميز هذان الصديقان بولعهما الشديد بالمسرح، ويبذلان جهدًا كبيرًا في سبيل تنمية ثقافتهما المسرحية، وتكريس اسميهما في هذا الحقل. لذلك كان المسرح بمثابة اللحمة الجامعة لهما رغم ما يعصف بواقعهما من ضروب الانكسار والخيبة. والرواية لا تنحو منحى تعاقبيًا في تتبع مسارات هذا المخطوط، وكيفيات امتلاء ثقوبه، أو بياضاته، وإنما تكسّر السّرد لتستدعي مواقف وأحداث ومسارات تتعلق بشخصيات الرواية: سيمو، رشيد، نورا، نعيمة، نص بلاصة، الحاج المامون، الأستاذ، الاستقلاليون، الاتحاديون. لكن ما يلفت الانتباه في مسار الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية، وهما سيمو ورشيد، هو بدايتهما المسرحية المتعثرة في سياق ثقافي لم يكن بذلك الوعي الكافي لاستقبال ممارسة تعبيرية مغايرة لما تعودت عليه ذائقته الجمالية. لذلك لم يتمكنا من جلب اهتمام الجمهور إلى هذه المسرحية التي قدماها ذات مساء من سبت 1972، لكن الجمهور تمرّد عليهما، وطردهما خارج القاعة، وتزامن ذلك مع انقلاب فاشل غير وجه المدينة وملامح البشر فيها.
إن الكاتب وهو يسلك بالحكاية هذا المسلك، لا يريد للقارئ أن يأخذ بسهولة بالعناصر التي يمكن أن تدله على هوية من يقفُ خلفَ هذا الاختيار الجمالي والثقافي. لذلك نجده لا يكفّ عن إرباك القارئ منذ بداية الرواية، من خلال ذلك الاستهلال التنبيهي، الذي يبدو في الظاهر كما لو أنه يُوفرُ المرجعيات الملائمة للفهم، لكنه لا يفتأ يلقي بالقارئ في دياجي الريبة والشك والتساؤل عمن بيده زمامُ المبادرة في هذا العالم المشخّص. لذلك لا توفر لنا الرواية قرائن ملائمة للإمساك بهوية الذّات المتكلمة، خاصّة إذا استحضرنا الضمائر المتعددة التي يتمّ بها السّرد في هذه الرواية، ونزوع السارد إلى عدم الظهور بكيفية واضحة وبيّنة على مسرح الأحداث.”لست كاتبًا ولست ناشرًا. اشتغلت في المخابرات، وأحلت على التقاعد منذ سنتين. وإذ أعكف على تسجيل بعض الأحداث التي عايشتها، بعد ربع قرن من وقوعها، فلإعطاء فكرة عن الجو الذي اشتغلت فيه. علاقتي بالأحداث محدودة جدًا. ولن يتعرف القارئ على اسمي الحقيقي حتى بعد أن يكون قد انتهى من القراءة“[3]. هكذا لا تحسم الرواية في الغموض الذي يحيط بهوية من يروي، أو يتكلم داخلها. فما يمكن أن نحصّله من هذه الافتتاحية لا يعدو أن يكون شديد الصلة بمحتوى الحكاية واستراتيجيات تنضيد الأحداث وترتيبها لتأخذ شكل السرد. إننا أمام تقارير دبّجها رجل كان يشتغل بالمخابرات بعد أن أحيل على التقاعد، وبمساعدة شخص يدعى الأستاذ، كان ملازمًا للممثلين، وكلف بإنجاز تقارير استخبارية عن أنشطة هذه الفئة عندما كان ملحقًا بوزارة الشبيبة والرياضة. هكذا تكونت للسارد الأول/ أو الكاتب الضمني مادة دسمة انتقى منها ما بدا له ملائمًا لتشييد الحبكة، وعلى طريقة كتاب الرواية. بهذا الشكل الشديد التعقيد والمتداخل العناصر تقوم الرواية بتكسير البناء التقليدي، وتعديد أقنعة الكاتب حتى يتمكن من إضاءة سياق العالم المعروض، والتحكّم في ما يسمه من غموض وضبابية. وكما يعلمنا فان دين هوفل، فالرواية لا يمكن أن تميط اللثام عن أسرار كتابتها من دون أن تتجنب مخاطر المساس بمصادرها التخييلية التي يتأسس عليها خطابها.
2 ــ مستوى التأويل: بناء الدلالة بالسياق الخارجي
تحتفي الرواية بكثير من العلامات التي تصلها بالواقع الاجتماعي المغربي في فترة السبعينيات من القرن الماضي. لكنّ الكاتب وهو يُبئّرُ التخييل على هذه المرحلة لا يتقصّد معنى التاريخ: أي التذكير بفترة ما من تاريخ المغرب بهدف التعبّر، أو الاستفادة، أو غيرها من القيم الثقافية التي تتحصّل للمرء من خلال التذكّر. فمن شأن هذا المنظور إلى العناصر المتعددة التي يستوحيها النص بهدف الارتباط بسياقه أن يحول دون إدراك الوظيفة التي يمكن أن يكون النصّ يتقصد إليها في المرحلة الرّاهنة التي يمرّ منها المغرب، ومساهمته في صوغ الإشكاليات الكبرى التي يفرضها هذا الواقع في تحولاته وتبدلاته المتسارعة.
في هذا السياق، يحضر المجال المسرحي باعتباره فضاء لتشخيص الحقل الثقافي المغربي في بدايات تكونه بفعل المثاقفة. هاهنا تضطلع الرواية بتقديم المناخ الذي تبلورت فيه المساهمات المختلفة الرامية إلى تجذير الممارسة المسرحية ومنحها تلك المشروعية في التعبير عن ذائقة فنية وجمالية جديدة. ومن خلال شخصيتي السيمو ورشيد، بالإضافة إلى الأستاذ ونورا ونعيمة، تنهض الرواية بتمرير ذخيرة من التصورات والأفكار حول هذه الممارسة التعبيرية، وما تتطلبه من سعة ثقافية وقدرة على التحصيل والبحث والانفتاح على الآخرين. “في فكر السيمو بعض من العدة التي يحتاج الممثل ليخرج إلى الحياة، ويتقمص الأدوار التي تنتظره، والتي لا تنتظره. ليس أمرًا بسيطًا أن تتحول إلى وعاء وتفرغ نفسك من نفسك لتملأها بأنفاس أخرى. ليس أمرًا بسيطًا أن تفكك كيانك وتعيد تركيبه قطعة قطعة حتى يستوعب حياته الخاصة وحيوات أخرى تنتظره“[4]. بهذا المعنى، يشقّ يوسف فاضل صدر الحكاية ليضطلع عبر السرد بإنجاز ذلك الجدل حول ادعاءات متعددة خاصة ما له علاقة بالنص المسرحي، سواء على مستوى كتابة النص الدرامي، أو على مستوى التشخيص.
يحسن بنا من خلال العلاقة التي تربط سيمو ورشيد بمخطوط مسرحية “قصة حديقة الحيوان” أن نتعرّف على أبعاد العالم الذي تشيده الرواية. وكما يتضح من خلال حوارهما حول هذا الموضوع فأحداث المسرحية تدور في حديقة عمومية، وتجمع بين رجل متوسط الحال اسمه بيترز يلتقي ظهيرة يوم من أيام الآحاد المشمسة متشردًا اسمه جيري[5]. لعلّ الهدف بالنسبة للشخصيتين هو التواصل. ولا شك في أن المسرح كشكل تعبيري يوفر هذه الإمكانية. فهو المرآة التي يرى فيها المرء نفسه. وبذلك يكون إصرار السيمو ورشيد على إعادة كتابة هذا النص، وملء البياضات الناجمة عن ضياع بعض أجزائه بمثابة رسالة يسعيان إلى إبلاغها في عالم يفتقد الناس فيه فضيلة التواصل والتعبير. بهذا المعنى، لا يمكن أن نتصور المخطوط بعيدًا عن الهوية الذاتية لهاتين الشخصيتين. بل نجد أصداء الفضاءات التي تحركا فيها، والمعاناة التي كابداها، بادية في ثنايا هذا المخطوط. فعندما عاد السيمو من فرنسا بعد سماعه خبر خروج والده من السجن كان يتفقد الرسومات التي تركها في الدولاب. فوجد بينها النصّ المبتور لمسرحية حديقة الحيوان.”أمسك بها بنوع من الحنين. ها هو يعود إلى غرفته كما يعود جيري إلى غرفة مشابهة. كل الغرف التي مر منها سيمو تشبه غرفة جيري. فارغة وعارية وقد تكون بها صورة لممثلة ما. وفوقها كلب أسود. ليس نفس العدو الذي عرف جيري ولكنه كلب على أية حال. يملأ نفس الحيز من الوجود والذاكرة“[6].
يشكل المخطوط مادة تسلط من خلالها الرواية الضوء على المواقف والخلفيات اليسارية لكثير من رموز المسرح خلال السبعينيات. كما تضيء العلاقة الملتبسة التي تشدّ السلطة إلى الحقل الثقافي، والكيفية التي كانت تتابع بها نشاطاته وحركاته. ولا يبرز هذا المعنى فقط من خلال شخصية الأستاذ الذي كان يحظى بتقدير المسرحيين لما كان يبديه من عناية بهمومهم ومشاكلهم، وإنما كذلك من خلال تجنيد هؤلاء الممثلين ليضطلعوا بهذا الدور الرقابي. ولعل الغاية من ذلك هو محاولة دمجهم في التوجه العام للدولة ونسقها الأيديولوجي.
تركيب:
من بين مظاهر التجاوز لاستراتيجيات الكتابة السردية التقليدية التي يمكن الوقوف عليها في رواية “قصة حديقة الحيوان”، وفي التّجربة السردية للروائي يوسف فاضل، ما له علاقة باللغة. واللغة هي الكيان الأيديولوجي والثقافي الذي تتحدد فيه وبه هوية الناطق بها. ويوسف فاضل حينما يكسّر وحدة اللغة مستدعيًا إلى رحابها الكلام اليومي، فهو يجعل الرواية مسرحًا للتعبير عن التعدد في الرؤى والمواقف والتصورات. وهذا المسلك الذي ينجزه في هذه الرواية يُعزّزُ بالوظيفة الغيرية للراوي، الذي يبتعد كليًا عن إنجاز دوره التأويلي، فاسحًا المجال أمام الشخصيات لتنهض بدور السرد. فباستثناء الافتتاحية التي يبادرنا فيها بما يراه إشارات لازمة لفهم العالم الذي يبتدعه، لا يمكن إلاّ أن نقف على مواقف ورؤيات تتخلل أحيانًا بعض أفعال الشخصيات على شكل تعليق، أو تقويم. هذه المسافة التي يحافظ عليها السارد في علاقته بالشخصيات أتاحت للرواية التقاط الأسرار الكامنة خلف أفكار ومواقف وتصرفات قد لا يكون الكاتب وراءها بشكل مباشر. وهذه القدرة التي تتوفر عليها الرواية في تمثيل الحيوات والمرجعيات هي التي أضاءتها على نحو خلاق دوريت كوهن، وكيت هامبرغر، في مساهمتيهما اللماحتين، ونقصد هنا كتابيهما: “الشفافية الداخلية”، و”منطق الأجناس الأدبية”.
إن هذه الرواية لا تبني عالمها انطلاقًا من الرّهان على الحكاية في حد ذاتها، وإنما تعتمد في ذلك على مخطوط، وتتتبّع لحظات الانجذاب نحوه عبر تصرفات عدد من الشخصيات. وبهذا المعنى، تنهض الرواية بأداء وظيفة نقدية تتمثل في استكشاف البداية الفعلية للمسرح في المغرب، وتخوض في محاورة كل الأطروحات المشيدة في هذا السياق، خاصّة تلك التي تصله بالمثاقفة. لكن الرواية لا تخفي تعاطفها مع المنظور الثقافي الواسع الذي يضع الظاهرة في إطار محضنها الطبيعي ممثلًا في الظواهر الثقافية العديدة التي عرفتها الثقافة العربية، وكانت أكثر قربًا من المسرح في شكله الحالي. وما محاضرة الأستاذ الذي هو أحد أقنعة السارد إلا الدليل على هذا الانحياز لهذا التصور. بهذا المعنى، تأتي الكتابة عند يوسف فاضل، بتعدد أساليبها، وتنوع استراتيجياتها السردية، وخصوصية صوغها للحدث الروائي، وتركيب عوالمها التخييلية، لتجافي التعاقد التقليدي المرتكز على الإيهام بالمرجعية الواقعية، وتبسيط التفاعل مع الحكاية. وهي بذلك تنعتق من كل قيد قد يلزمها بالامتثال لنمط علاقة محدد مع المتلقي، مما يشرع الأفق أمام تعددية القراءات وما ينبثق عنها من تأويلات ودلالات ومقاصد متباينة.
هوامش:
[1] ــ عبد اللطيف محفوظ: بناء الدلالة الأيقونية في رواية حشيش، مجلة الثقافة المغربية، الملف: الرواية المغربية الآن: قراءات في رواية مطلع الألفية الثالثة، العددان 24/25، سبتمبر 2003، ص108.
[2] ــ Dominique Rabatté, La littérature de l’épuisement, Editions minuit, paris, 1989.
[3] ــ يوسف فاضل: “قصة حديقة الحيوان”، رواية، منشورات الفنك، الدار البيضاء 2008، ص3.
[4] ــ الرواية، ص11.
[5] ــ الرواية، ص15.
[6] ــ الرواية، ص198.