في مُرّاكُش العتيقة، ثمّة بَهْجَة تَنْضَحُ في الشّفاه والنَّبَرات، وثَمَّة سحر يرتَسِمُ على الوجوه في “قصر البَاهْيَة” أحد نماذج العمارة المغربيّة الإسلاميّة التّاريخيّة والجماليّة من القرن التّاسع عشر.
من الخطوة الأولى حيث عتبة المدخل، نصادفُ المجسّمات الكبيرة واللّوحات الكثيرة الّتي تحمل شروحات باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة، مع عناوين مكتوبة بالأمازيغيّة أيضًا، نكتشفُ منها أنّ الحجر الأساس لبناء هذا القصر وُضِعَ في عام 1866، من طرَف موسى بن أحمد بن مبارك الشّرقيّ البخاريّ الملقّب بـ”أبي عمران”، الحاجب والوزير والصّدر الأعظم للسّلطانيْن العَلويّيْن سيدي محمّد بن عبد الرّحمن، والحسن الأوّل، ليتمّ توسعته واستكمال أشغال بنائه وتزيينه في عهد ابنه الأكبر السّيّد أحمد بن موسى الملقّب بـ”بَاحَمَّاد”- حاجب السّلطان الحسن الأوّل والصّدر الأعظم للسّلطان المولى عبد العزيز.
وتشير الحكايات المرتبطة باسم القصر إلى أنّه حمل اسم “الباهْيَة” تمجيدًا لذكرى إحدى زوجات “بَاحَمَّاد”، والّتي عُرفت بودّها ومحبّتها له. ويعني الاسم؛ البهاء أو التّألَق والألَق.
وفي سرديّة أخرى نجد أنّ “بَاحَمَّاد” شرع في تشييد القصر عربونًا لمحبّته للحسناء ابنة باشا مرّاكش “بهيّة” وهديّة فريدة للخطوبة والزّواج… لكنّه فارق الحياة قبل اكتمال فرحهما، رغم أنّه كان يجيب دائمًا عن أيّ سؤال “حَتّى تِكْمَلِ البَاهْيَة”!
وبعد وفاته، تكاثرت المصائب على “بهيّة” وأهلها، فقد فارقت الحياة بعد أقلّ من سنتين حُزنًا وكَمَدًا على رحيله، وشهدت قبل ذلك نفْي والدها عيّاش بن داود وكلّ أفراد أسرته وأقاربه، ونفْي كلّ أفراد أسرة “باحمّاد” لاحقًا! ومنذ ذلك الوقت يجري على ألسنة أهل مرّاكش المَثل الدّارج “كِمْلَاتِ البَاهْيَة” في إشارة للمصائب، وتذكيرًا بالمصائب الّتي جرت بعضها بعد اكتمال “قصر الباهْيَة”.
بعد وفاة الوزير “بَاحَمَّاد” أحد أهمّ الشّخصيّات الفاعلة والمُحنَّكة والمؤثّرة في حينه، والمعروف بحرْصه على العبادة، والاهتمام بالعلوم الشّرعيّة والثّقافة والمعرفة، وحُسْن التّدبير… وقبل انتهاء أعمال الصّنّاع والحرفيّين، تمّ ضمّ “قصر البَاهْيَة” إلى القصور الملكيّة، وقام بعدها الوزير الصّدْر الأعظم المدنيّ الكْلاويّ (الكاف تُلفظ كالجيم المصريّة)، شقيق باشا مدينة مرّاكش التّهاميّ الكْلاويّ، بتشييد طابق عُلويّ. كما أنّ المقيم العامّ الفرنسيّ المارشال ليُوطي، اتّخذه مقرًّا للإقامة العامّة الفرنسيّة بالمغرب.
بعد حصول البلاد على الاستقلال، نزل به السّلطان محمّد الخامس، كما استُغلّ كإقامة للأمير مولاي عبد الله، إلى أنْ عهد به الملك الحسن الثّاني لوزارة الثّقافة سنة 1967 كمَعْلمة تاريخيّة.
يمتدّ القصر على مساحة شاسعة تُقدَّر بما يزيد عن 37100 متر مربّع كبناء، إضافة إلى خمسة هكتارات كفضاءات خضراء من الحدائق المتناسقة الغنّاء المليئة بأنواع الورود الملوّنة، وأشجار النّخيل، وأشجار البرتقال برائحتها الفوّاحة، والنّافورات المتدفّقة بمياه عذبة.
وهو يحتوي على أجنحة وفضاءات وغرف داخليّة تتميّز بزخارف غنيّة من فنون الجبص المنقوش، والأسقف مع الأبواب الخشبيّة والقرميديّة من شجر الأرز، المنقوشة والمُزخرَفةِ والمرْسومة والمطليّة بمختلفِ الألوان كالأزرقِ والأحمر والأخضر والبنّيّ والكُركميّ بشكل مدهش، إضافة إلى الأعمدة والأقواس المطليّة أيضًا بأصباغ طبيعيّة كالزّعفرانيّ، والقاعات الّتي يكسو جدرانها حتّى المنتصف الزّلّيج التّقليديّ متعدّد الألوان، والنّوافذ ذات الأطر الحديديّة المشغولة بانحناءات فنّيّة، مع الأرضيّات الرّخاميّة والزّلّيج الغرائبيّ من الفسيفساء التّقليديّ الملوّن.
ترانا نَجُول في رحاب هذه التّحفة الأخّاذة، نسْترق السّمعَ إلى روح هذا المكان ليصلنا رجْعُ صدَى الباهية تَقولُ: “أنا الباهيةُ، البَهيّة، أحد أهمّ قصور المدينة العتيقة. في جنباتي ساحات وحدائق وأفْنية، وقاعات وصالات وأبنية منفصلة، وحمّام تقليديّ بهيكلِ طرازه الأندلسيّ، ومرافق عديدة يضاهي بعضها بعضًا من حيث جمالها، ورونق معمارها السَاحر، ومناظرها الطّبيعيّة الخلّابة… لديّ فناء كبير غنيّ بالأشجار الباسقة، ورياض صغير تحيطه قاعات ومقصورات… وعندي فناء صغير مفتوح، غرفه تضمّ شُقق الوزير، وفناء الشّرَف، وقاعة المَجلس. في حين أنّ رياضيَ الكبير زاخر بنباتاته الوفيرة، وقاعاته، وعناصر المشكاةِ الزّخرفيّة ذات المصابيح المُعلّقة، مع شقّة خصوصيّة ذات قاعتين فسيحتينِ ومشْكَاتيْن تُطلّان على فضاء مغطّى… أنا الألِقَةُ، الصّامِدةُ، الشّامِخَةُ، الرّقيقةُ، العزيزةُ هُنا”.
نحمِلُ الخطابَ والكلماتِ ونقِفُ عند “دار السّيموسى”؛ النّواة الأولى للقصر- وتضمّ الجِنان الكبير الخارجيّ، بالإضافة للرّياض الكبير- أي البناء التّقليديّ المغربيّ بقاعتيْه المتقابلتين وفنائه المركزيّ المفتوح، فضلًا عن الجناح الشّرقيّ الشّماليّ الّذي يحتوي على السّاحة الكبرى ومَرافقها المختلفة.
ثمّ نأتي إلى “الرّياض الكبير” والّذي يُعتبرُ من أقدم مكوّنات القصر المعماريّة، فيه الصّالون الشّرقيّ والصّالون الغربيّ، والبهو، والفضاء الأخضر. وقد اتّخذ الرّياض شكْل حديقة مستطيلة ذات جدران عالية، مقسّمة إلى أحواض مغروسة، تحيطُ بها ممرّات من الرّخام والزّلّيج، تتوسّطها نافورة إضافة إلى اثنتين موزّعتين في الجهتين الشّرقيّة والغربيّة. ويلفّ المكان مجموعة من الأعمدة البيضاء بزركشات عُلويّة مستطيلة، وخطوط مائلة بلون الأزرق والكريميّ الأصفر، يصل عددها إلى 52 عمودًا.
هذه النّافورة حجريّة رخاميّة بيضاء فاتحة كبيرة في الوسط أرضيّتها بيضاء، محاطة بأرضيّة مربّعة عالية، حتّى عمود النّافورة، بألوان زلّيج الفسيفساء بأشكال المُعيّنات الخضراء والسّوداء بخلفيّة بيضاء وحوافّ زرقاء، خارجها مساحة من الزلّيج مع المُعيّنات الخضراء والسّوداء والقرميديّة ذات الحوافّ الزّرقاء الطّوليّة.
وتُطِلُّ على الحديقة الأندلسيّة دائمة الخضرة قاعتان كبيرتان؛ الأولى متمركزة في الجهة الشّماليّة الشّرقيّة، حيث يتوسّط جدارها المقابل لمدخلها بهو مزيّن بالزّلّيج والجبص المنقوش وبزخارف خشبيّة ملوّنة، وقد أحيطَ إطاره بأفاريز معماريّة فريدة، عُلويّة جبصيّة منقوشة، ومنحوتة تزدان بأبيات شعريّة تؤرّخ لبناء هذا القصر بعامّة وهذا الرّياض الكبير بخاصّة، مكتوب بماء الذّهب على إحدى شُرفاتها البارزة، المغطّاةِ بشبكة من نسيج الخشَبِ المُخرّم بزخارف هندسيّة رقيقة، والمعروفة باسم “المَشْرَبِيّة”: “وهذا بناءٌ شادَهُ نجْلُ أحمد/ وزير بِهِ نَجْمُ السُّعودِ في طَلْعَتِهِ/ وَتَأْريخُهُ بُشْرى لَنا بِحُلولِ/ مَنْ أَتَتْهُ العليّ والمكْرماتُ بِسُرْعتي”.
أمّا القاعة الثّانية الغربيّة فهي شبيهة في تصميمها مع نظيرتها الأولى، غير أنّهما تختلفان في مكوّنات الزّخارف وشكلها، كنقوش السّقف ورسوماته مثلًا، وهذا راجِع بالأساس إلى التّغييرات الّتي طرأت خلال الحقبة الزّمنية.
نتّجه بعدها إلى “الدّار الباهْية”؛ فقد أراد “باحمّاد” بعد تولّيه زمام الوصاية على العرش أن يبني إقامة حديثة لعائلته وخدَمه وحاشيته الّتي اتّسعت باتّساع نفوذه، مثل: الجناح الخاصّ به، بما يشمل غرفًا صيفيّة وأخرى شتويّة وقاعة طعام خاصّة. إضافة إلى أجنحة الزّوجات الأربع المتساوية في المساحة في إشارة إلى المساواة في مكانة كلّ واحدة منهنّ. ونقرأ لافتة تحمل عنوانًا بالعربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة: “نحْوَ جناحِ الزّوجة النّبيلة”؛ ندخل إلى صحن مغطّى بسقف من الخشب، يضمّ قاعتين كبيرتين، وبهْوين فيهما زخرفات أبواب ونوافذ مشغولة بفنّيّة عالية. نزور بعدها جناح الحريم الّذي يضمّ اثنتي عشرة غرفة، لكلّ جاريتين غرفة، ويمتاز بباحة كبيرة تتوسّطها نافورة.
وقد استعان “باحمّاد”، وِفق المراجع المدوّنة، بخبرة المهندس المغربيّ المكّي المسفيوي، الخبير والمتمرّس بالصّنائع والحِرف التّقليديّة المغربيّة الأصيلة، بالإضافة إلى أمْهَر الحِرفيَين مِنْ مرّاكش وفاس، المتخصّصين في أعمال الرّخام و”المَشْرَبِيات”، والزّلّيج والزّجاج المُلوّن، والمنحوتات والرّسم على الخشب والجبص. وقد قُدّرَت مصاريف هذه التّهيئة بحوالي مليون ونصف المليون من الفرنكات الذّهبيّة. شملت أشغال التّهيئة كخطوة أولى اقتناء عشرات المنازل والدُّور المجاورة للقصر. الأمْر الّذي مكّن من إضافة كلّ من “الرّياض الصّغير” بما يشمل “الدّيوان” المُعدّ لإدارة شؤون البلاد، “الصّحن الصّغير”، “السّاحة الرّخاميّة”، فضلًا عن العديد من المَرافق والمُلحقات، منها: صهريج “أكْدال باحمّاد”، وقاعات الاستقبال والأعمال الإداريّة.
في حين أنّ “الرّياض الصّغير” يُعَدُّ من الأجنحة المتميّزة داخل القصر، لبنائه الشّبيه بهيئة المدارس العتيقة، من حيث الأروقة الّتي تعلوها أفاريز خشبيّة مزخرفة بألوان زاهية بموادّ طبيعيّة، وقد اسْتُخْدِمَ ليكون مدرسة لتعليم أبناء وبنات صاحب القصر، بالإضافة إلى اعتباره مسجدًا لأداء الصّلوات.
أروقة القصر وقاعاته وكلّ مرافقه وأجنحته تمتاز بديكورها الخاصّ وهندستها وألوانها، والمزدانة نوافذها بالزّجاج المربّع الأحمر والزّهريّ، والأزرق والأصفر، والبرتقاليّ والأخضر… تتداخلُ فيها أرضيّات مغطّاة بالزّلّيج التّقليديّ- البِلْدّيّ الأبيض والأخضر والأزرق والقرميديّ بأشكال مُعيَّنات ونقوش مغربيّة متنوّعة، وأخرى ملوّنة بأشكال ومجسّمات فنّيّة بالأزرق، والأخضر، والأبيض، والأصفر، والبرتقاليّ. جدرانها الدّاخليّة والخارجيّة مشغولة بالزّليجّ المزهِر، بالإضافة إلى فنّ الجبص الأبيض، الّذي يزيّن الأقواس أيضًا، المنقوش والمنحوت ليشكّل لوحات من الزّخارف والأزهار والتّخاريم المتفرّدة. والأسقف كالأبواب الخشبيّة المنحوتة بدقّة متناهية والمشغولة بفنّ الأرابيسك، ونقوش الأشكال الهندسيّة، وألوان الرّسوم البديعة كالنّباتات وباقات الزّهور وأوراق الشّجر. وعلى الأفاريز الكثيرة جمل منقوشة، منها ما هو متكرّر كـ”العافِية الباقِية”، والّتي تعكس فلسفة الدّعاء بالسّلامة والدّوام، مع الإشارة إلى أنّ كلمة “العَافِيت” بالأمازيغيّة تُعتبر اسمًا من أسماء “النّار”، ونُطقها بالدّارجة المغربيّة “العافِية”!
بعد عدّة ساعات، نخرجُ من دهشة هذا المكان، فالقصر يشكّل وشْمًا في صفحات التّاريخ، ففيه يقف الزّائر ليشهد متحفًا يضمّ الوثائق والمخطوطات والمراسلات المهمّة، إضافة إلى أشكال الفنون التّقليديّة، بما فيها الحِرَفُ المتنوّعة، وقطع الأثاث النّادرة، والمنسُوجات اليدويّة… ونحن نشهد على إشعاع جوهرة تتوهّجُ لتنضاف إلى كنوز هذه البلاد الشّاهدة على عظمة عُمقِ حضارتها وغِناها.
ضفة ثالثة