ساطع نورالدين.. كاتب لبناني . المصدر من صفحة الكاتب
كانت زيارة رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني الى بيروت بالأمس، أشبه ب “سياحة سياسية”على هوامش الازمة اللبنانية ومحاولات تفكيكها من الخارج، أعادت طرح العديد من الأسئلة القديمة حول “القوة القطرية الناعمة” وجدوى المضي قدماً في إعتمادها، والتمسك بها، ليس فقط في الحيز اللبناني الضيق بل في المدى الإقليمي الواسع، وما إذا كانت الحرب الخليجية الراهنة، أدخلت تعديلات على أهدافها، وأقنعت الدوحة بمغادرة فلسفة “الحياد الإيجابي وعدم الانحياز”، إزاء صراع تدور بعض رحاه على الاراضي والمياه الإقليمية القطرية بالذات.
قبل ان يصل الشيخ محمد ووفده الى بيروت، ذهبت التحليلات الى ان الدوحة تود فتح صفحة جديدة مع لبنان بعد تباعد مفتعل تسببت به تجربة انتخابات الرئاسة اللبنانية، في العامين 2024 و2025، التي خاضتها قطر بأسوأ طريقة ممكنة وبأعلى كلفة متاحة.. قبل ان تسلِّم بقرار سعودي حاسم باختيار الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وتحييد الرئيس نبيه بري.
ولهذا السبب بالذات، رُسمت علامة استفهام حول ما إذا كانت تلك الخطوة القطرية نحو لبنان، تلقت ضوءاً أخضر سعودياً ( وأميركياََ)، يجيز تجديد الاهتمام بالحيز اللبناني ومعضلاته، بالقدر الذي يتيحه الانشغال السعودي والخليجي عموما بالمسألة السورية والحاجة الى منع المصادرة التركية التامة لسوريا.. أو بتورط دول الخليج العربي في الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران، التي تفرض على حكام تلك الدول الاستثمار في أولويات الأمن الوطني ومقتضياته الملحة لمواطنيهم.
وعليه كان توقيت زيارة الشيخ محمد مناسبة للسؤال عما إذا كانت قطر، التي كُرّست لمهمة الوساطة مع إيران، بينما هي طرف في الحرب معها، على الأقل من وجهة نظر طهران، قد جاءت لاستكمال هذه المهمة في بيروت، التي شهدت في الاسابيع القليلة الماضية، تجدد الاختراقات للامن الوطني اللبناني، على المستوى العسكري والمالي والسياسي، بلغت حد دعوة مساعد وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة الحكومة اللبنانية الى تسليح اللبنانيين جميعاً بدلاً من نزع سلاح حزب الله.
حتى الآن ليس هناك دليل على ان الدوحة تتوسط بين السلطة اللبنانية وإيران، وليس هناك كلام يشير الى أن الوفد القطري التقى خلال زيارته الى بيروت مسؤولين من “حزب الله”، كما جرت العادة في الماضي، عندما كانت الدوحة تعتبر الحزب ممثلاً شرعياً وحيداً يختزل شيعة لبنان، وعندما كانت تختار محاوريها اللبنانيين الآخرين بناء على معطيات غير واقعية، او حتى اجتماعية..ساهمت في تردد القول المأثور انه “ليس لدى قطر سياسة لبنانية”.
لا توحي زيارة الشيخ محمد أنها يمكن ان تتقاسم الحصة اللبنانية مع السعودية. الخيار في بيروت واضح، سواء في ما يعني قطر أو ما يعني إيران، التي يبدو لبنان أشد صلابة في حماية مصالحه الوطنية المهددة من الجهة الإيرانية، كما من الجهة الإسرائيلية.. بالاستناد الى ” قوة ناعمة” واقعية، لا تحتفظ بالكثير من الاحلام والاوهام، ولا تتجاهل حقيقة ان قطر تدعم الجيش اللبناني، وتعوض النفاق الأميركي في مد يد العون لتلك المؤسسة التي تشكل عصب الدولة اللبنانية ومشروعها الأهم.
مشروع إحياء قطاع الكهرباء الميت في لبنان منذ الحرب الاهلية، هو بلا شك وعدٌ قطريٌ مهم، ومكرر، ولم تعطله في الماضي سوى الطبقة السياسية اللبنانية، التي تأخرت الدوحة في اكتشاف فسادها، عندما كانت تتبرع للتوسط بين بعض رموزها. لكن ما يعيب هذا المشروع الآن هو خطط الربط الكهربائي بين لبنان وسوريا، الذي سبق ان أختُبر منذ عقود لكنه لم يفلح، بل كان سبباً أو مبرراً لتأجيل حل مشكلة الكهرباء المزمنة، وكان وسيظل فرصة لدعم النظام السوري، أكثر من دعم الشعب اللبناني.
بيروت في 17 /10 / 2026