باكو- كشفت قمة مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا «سيكا» مفارقة في سلوك عدد من الدول التي تعارض إسرائيل بشدة، وفي مقدمتها إيران وتركيا، إذ شاركت وفودها في اجتماع إقليمي كانت تعرف مسبقاً أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ سيكون بين المشاركين فيه، قبل أن تغادر القاعة مع بدء كلمته، في خطوة احتجاجية أثارت أسئلة بشأن الفارق بين قبول المشاركة في منصة مشتركة ورفض الاستماع إلى ممثل إسرائيل.
وتكتسب المفارقة أهميتها من طبيعة المناسبة نفسها. فالقمة السابعة لـ«سيكا»، التي استضافتها العاصمة الأذربيجانية يوم الخميس، ليست اجتماعاً أممياً تفرض قواعد العضوية أو التزامات دولية حضور جلساته، بل منتدى إقليمياً أُنشئ لتعزيز الحوار وبناء الثقة والتعاون بين الدول الآسيوية. ومع ذلك، اختارت دول بينها إيران وتركيا وباكستان والكويت والسلطة الفلسطينية المشاركة، قبل أن ينسحب ممثلوها عند صعود هرتسوغ إلى المنصة.
ويضع هذا السلوك الاحتجاج في منطقة وسطى بين الرغبة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحرص على عدم الظهور بمظهر المتسامح مع السياسات الإسرائيلية. فالمشاركة في قمة متعددة الأطراف لا تعني بالضرورة اعترافاً دبلوماسياً جديداً بإسرائيل أو تطبيعاً للعلاقات معها، لكنها تعني قبولاً عملياً بالوجود في إطار مؤسسي واحد، حتى عندما يجمع خصوماً لا تربطهم علاقات طبيعية.
ومن هنا، يبرز السؤال الذي تطرحه القمة: إذا كانت مشاركة إسرائيل معروفة مسبقاً، فما الذي يجعل الاستماع إلى كلمة رئيسها خطاً لا يمكن تجاوزه، بينما لا يمنع ذلك حضور الاجتماع نفسه؟ وهل أرادت الوفود المنسحبة إرسال رسالة سياسية محددة، أم أن الانسحاب منحها فرصة لإظهار موقفها أمام الكاميرات من دون التخلي عن المشاركة في المنصة الإقليمية؟
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بين أبرز المشاركين في الانسحاب، بعدما دعا في كلمته إلى موقف واضح لدعم الحقوق الفلسطينية، وقال إن الالتزام بالسلام والثقة لا ينسجم مع استمرار انتهاك الحقوق الأساسية للفلسطينيين. وربط التوصل إلى حل دائم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
المشهد لا يمكن اختزاله في موقف موحد للدول العربية أو الإسلامية، بل يعكس تبايناً في أساليب التعامل مع إسرائيل داخل المؤسسات الإقليمية
ويمنح حضور فيدان في مقدمة المنسحبين الخطوة بعداً سياسياً يتجاوز الاحتجاج البروتوكولي، خصوصاً أن تركيا تتبنى موقفاً شديد الانتقاد للعمليات الإسرائيلية في غزة. أما بالنسبة إلى إيران، فإن الانسحاب ينسجم مع خطابها الرافض لإسرائيل، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال كيفية تعامل طهران مع المنتديات التي تجمعها بممثلين إسرائيليين، ولا يثبت أن المشاركة كانت قبولاً سياسياً بإسرائيل.
ويمكن قراءة الانسحاب باعتباره محاولة للفصل بين المشاركة في الحوار الإقليمي وبين منح إسرائيل مساحة لعرض مواقفها من دون اعتراض. لكنه، في الوقت نفسه، يثير تساؤلات عن جدوى الاحتجاج إذا اقتصر على مغادرة القاعة، ولم يصاحبه تحرك دبلوماسي أوسع أو أثر ملموس في مواقف الدول المشاركة.
ولا تتوافر معطيات تثبت أن الانسحاب كان جزءاً من خطة موحدة أعدتها الدول المعنية مسبقاً. كما أن وصفه بأنه استعراض إعلامي صرف سيكون حكماً يتجاوز الوقائع المتاحة؛ إذ يمكن أن يحمل الانسحاب رسالة سياسية مقصودة، حتى لو ظل أثرها العملي محدوداً.
وتكشف تفاصيل المشهد أن الاحتجاج لم يكن جماعياً بالمعنى الشامل. فقد ذكرت تقارير أن وفود إيران وتركيا وباكستان والكويت والسلطة الفلسطينية غادرت القاعة، فيما بقي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في مقعده خلال كلمة هرتسوغ، كما بقي ممثلون عن الإمارات والبحرين. وفي المقابل، تحدثت تقارير أخرى عن مشاركة وفود إضافية في الانسحاب، بينها السعودية ومصر والعراق والأردن وماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش، ما يعكس اختلافاً في قوائم الدول التي غادرت القاعة.
ويعني هذا التباين أن المشهد لا يمكن اختزاله في موقف موحد للدول العربية أو الإسلامية، بل يعكس تبايناً في أساليب التعامل مع إسرائيل داخل المؤسسات الإقليمية. فبعض الأطراف فضّل التعبير عن الرفض عبر الانسحاب، بينما اختارت أطراف أخرى البقاء والاستماع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تأييدها للسياسات الإسرائيلية.
وتضع هذه الاختلافات الدولة المضيفة، أذربيجان، أمام معادلة دقيقة أيضاً. فقد سعت باكو إلى جمع أطراف متنافسة في منتدى يركز على التعاون والأمن، في وقت ترتبط فيه بعلاقات استراتيجية مع إسرائيل، ولا سيما في مجالات الطاقة والأمن والتجارة. وقد التقى هرتسوغ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف خلال زيارته، مؤكداً أهمية العلاقات الثنائية.
في المحصلة، لا تكمن المفارقة في أن إيران وتركيا شاركتا في قمة تضم إسرائيل ثم رفضتا الاستماع إلى هرتسوغ فحسب، بل في أن الدبلوماسية الإقليمية تتيح للدول الاجتماع مع خصومها من دون أن تحسم خلافاتها بشأن شرعية السياسات أو طبيعة العلاقات. لكن الانسحاب، مهما كانت رسالته الرمزية، لا يلغي حقيقة المشاركة، مثلما أن المشاركة لا تعني بالضرورة اعترافاً أو تطبيعاً.
وتبقى دلالة قمة باكو مرتبطة بما إذا كان الاحتجاج سيظل لحظة إعلامية عابرة، أم يتحول إلى موقف دبلوماسي أوسع ينعكس على طبيعة التعامل مع إسرائيل داخل المنصات الإقليمية. وحتى ذلك الحين، فإن المشهد يقدم صورة عن حدود التوافق بين دول تتفق على رفض جوانب من السياسة الإسرائيلية، لكنها لا تتبنى بالضرورة الأسلوب نفسه في ترجمة هذا الرفض إلى ممارسة دبلوماسية.