طالب عبد العزيز… جريدة المدى
كما لو أنه يعاتبني سألني شاعر بصريٌّ معروف ذات يوم قائلاً:” أنت تكتب عن ابي الخصيب كما لو أنَّك تختصر بها البصرة ” فقلت معاذ الله، البصرة مدينتي، وهي أكبر من أن تُختصر في قضاء واحد، أو قرية صغيرة، لكنني، حين أقرأ في الوثائق أجدُ نصيب المكان أكثر من غيره، ثم أنني بحثت في الأسباب فاتضح لي بأنَّ جغرافيا المكان وطبيعته وسكانه جعلت منه المكان الأول في تأسيس المدينة، وما هو بكثير عليها؛ إذا ما علمنا بأنَّ مولى الخليفة أبو جعفر المنصور ويدعى أبو الخصيب مرزوق احتفر نهراً فيها عام 140هـ، سمّاه باسمه، ثم توالى الناس احتفار الأنهر والغرس والسكن فذاع الاسم، وأنَّ ثورة الزنج التي قادها الثائر الطبقي علي بن محمد سنة 255 هجرية انطلقت من قرية صغيرة فيه اسمها جيكور.
اسوق الديباجة هذه بعد أن قرأت ما تفضل بها علي صديقي الأستاذ المتخصص في التاريخ د. مشتاق عيدان من وثائق تعود الى بداية تأسيس الدولة العراقية، وقد استوقفتني احداها التي تبيّن فيها بأنَّ مديرية شرطة البصرة تتسلم في 12 حزيران سنة 1929 من متصرفية البصرة كتاباً تحت عنوان(حزب الحر اللاديني) تشير فيه الى أنها لاحظت أن بعض الصحف في البصرة نشرت شيئاً عنه! ما هو الحزب؟ ومن هم القائمون عليه؟ ومن رموزه؟ وهل حصل على إجازة رسمية، أو يواصل اجتماعاته بدون إجازة.. والتوقيع باسم علي جودة الأيوبي متصرف البصرة في 14/8
وفي 22 تموز 1929 تخاطب شرطة لواء البصرة المتصرفية بكتاب رسمي تبين فيه بأنَّ نتيجة التحقيقات بينت بوجود (حزب الحر اللاديني) في البصرة ومقره في ابي الخصيب، وأن الشخص القائم عليه في البصرة هو عبد القادر السياب-عمّ الشاعر بدر- أمّا أعضاء الحزب فهم كل من: عبد المجيد السياب، عبد السلام الرئيس من الشطرة، داوود التاجر من الناصرية، مهدي وفي من بغداد، محمد وصفي كاتب بدائرة التجنيد، عبد المسيح سلمان، كاتب في دائرة القطار وعبد الرحمن السياب من أبو الخصيب.
بغض النظر عن قضية مثل عدم اتخاذ الدولة موقفاً رافضاً لتأسيس حزب بهذا الوصف، أو تسامحها في الموضوع ذاته، وطلبها بحصول الحزب على إجازة التأسيس، وبيان مقر الجماعة، ووجوب دفع الرسوم المترتبة على ذلك.. فهذا شأنٌ الدولة، لكن الأهم منذ لك كله هو كيف فكّرت المجموعة بتأسيس حزب لاديني، في مدينة تقع أقصى جنوب البلاد؟ ولماذا هذا (التطرف) والذهاب الى أبعد ما يكون التفكير عليه، ولماذا جعلت فكرة التحرر من قيد الدين برنامجها، إذا ما علمنا بأنَّ يوسف سلمان يوسف(فهد) وجماعته اسسوا حزبهم الشيوعي سنة 1934، ثم كيف استطاع عبد القادر السياب الاتصال بأعضاء من بغداد والناصرية والشطرة ودوائر التجنيد والقطار وجمعهم في حزبه الجديد؟
وبحسب تقرير الشرطة فأن مهدي الوفي يأتي من بغداد ويجتمع في 6 حزيران 1929 بالمجموعة في أكثر من مكان، وأنّه خطب فيهم قائلاً:” آدم أبو البشر، وحوا لم تكن لها علاقة في الدين” وصار يحبذ لهم فكرة اللادينية، وأنَّ الجماعة ينشرون أفكارهم بسوريا في مجلة(الشمس) وأن الرابطة الرئيسية هي الرابطة الودية… وفي التقرير تأكيد على وجوب تأسيس الحزب والحصول على إجازة رسمية، وأنَّ الشرطة تحرت فوجدت أسماء آخرين انضموا للحزب، وأنّها عثرت على مطبوع بعنوان(نظام جمعية الاحرار) طبع سرّا في المطبعة الوطنية بالعشار ونشر دون أن تسمح الحكومة بذلك.
واضح أنَّ الجماعة يعملون في السياسة والفكر، بثقافة الزمان ذاك، وبأفكار بسيطة، لكن، سيحق لنا القول بأنَّهم آباءٌ مؤسسون، ولهم قصب السبق في التفكير الحر، والسؤال الجريء، والبحث في الإجابات، شبه المستحيلة.
هذه الرقعة الطولية التي تبدأ من قرية عويسيان وتنهي بقرية باب سليمان، والتي لا يتجاوز طولها الـ 20 كلم هي كل جغرافيا ابي الخصيب، نشأت فيها أكثر الأفكار تزمتاً، مثلما نشأت فيها أكثر الأفكار تطرفاً. حدثني أحدُ أعضاء حزب الدعوة يوماً قائلاً بأنَّ أول اجتماع للحزب كان في ابي الخصيب، وأكد لي ذلك المرحوم العم أبو صاحب التميمي، القيادي الكبير فيه. وقال لي الأستاذ (أبو أسيل) وهو من القوميين الناصريين المعروفين أطال الله بعمره بأنَّ أوّل مجلس عزاء أقيم في العراق للسيد قطب كان في ابي الخصيب. وحتى سنة 1978 كانت قرية الصنكر في ابي الخصيب تسمى(موسكو الصغرى) لكثرة أعداد الشيوعيين فيها، وأنَّ كل المزارات في القضاء هي لأولياء وصالحين من أهل السنة لكنَّ غالبية الزائرين لها هم من أهل الشيعة، ولو قيض لأحد غيري الخوض في التفاصيل لوقف على الكثير الكثير. ولا أقول بأنَّ نخلة (البرحي) التي اتنشرت زراعتها في العالم اليوم حتى وصلت مصر والخليج وتايوان والفلبين ومعظم دول جنوب شرق آسيا وعبرت المحيط الى كاليفورينيا كانت قد نبتت في براحة بيت زيدان بابي الخصيب.