ملخص
أضعفت خسائر الانتخابات المحلية موقع كير ستارمر داخلياً، لكنها هزت أيضاً صورة بريطانيا خارجياً بعدما كان يُنظر إليه في أوروبا كصوت موثوق وقادر على حشد الدعم لأوكرانيا والدفاع الأوروبي. ومع تراجع الثقة باستقرار حكومته، يصبح التقارب مع الاتحاد الأوروبي وادعاء قيادة الدفاع الأوروبي ومكانة لندن بين الحلفاء مهدداً بالتراجع.
لا يقتصر تحليل الضرر الذي ألحقته الانتخابات المحلية الكارثية، الأسبوع الماضي، بالسير كير ستارمر على المملكة المتحدة وحدها.
فقد كان المعلقون في الخارج أسرع في ملاحظة حجم الخسائر، وأكثر صراحة في حكمهم على دلالاتها. وحكمهم شبه الجماعي هو أن المملكة المتحدة أصبحت أضعف، سواء بقي رئيس الوزراء في منصبه أم لم يبق.
ولا تنطلق هذه الأحكام من شماتة أوروبية ببريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهي شماتة كثيراً ما ترافق التعليقات الأوروبية على ما يجري في المملكة المتحدة. فشبه الإجماع في الخارج هو أن صوتاً داعماً لأوروبا قد خفت، بل ربما فقد، في لحظة حاسمة. أما اللقب الساخر الذي شاع في بريطانيا، “Never here Keir”، أي “كير الغائب دائماً”، فيحمل وجهاً آخر: فربما لم يكن ستارمر حاضراً بما يكفي في الداخل، لكنه حين لم يكن في بريطانيا، كان حاضراً في أوروبا.
وأحد أسباب ذلك، في الحقيقة، سلبي: فحتى الآن، وعلى رغم تراجع شعبيته الشخصية في استطلاعات الرأي، بدا ستارمر، بغالبيته الكبيرة في مجلس العموم، أكثر استقراراً بكثير وأكثر قدرة على سن القوانين والوفاء بالتعهدات من زعيمي فرنسا أو ألمانيا مثلاً. فقد قيدت سلطة إيمانويل ماكرون بسبب افتقاره إلى غالبية في الجمعية الوطنية، وبسبب الانتخابات الرئاسية المقررة أوائل العام المقبل. أما فريدريتش ميرز، فخلال عام واحد من توليه منصب المستشار، حطم كل الأرقام القياسية في عدم الشعبية، وقد يكون ائتلافه نفسه معرضاً لخطر الانهيار.
أما الآن، فلم يعد ستارمر يبدو بعيداً من أزمات القادة الأوروبيين الآخرين، بل أصبح في وضع سياسي هش شبيه بوضعهم. وفي أوروبا، كان المراقبون أسرع في إدراك حجم الضرر الذي قد يترتب على ذلك، ويبدو أن أسلوبه القانوني الرصين يلقى هناك قبولاً أكبر مما يلقاه في الداخل. صحيح أن دعمه القوي لأوكرانيا يستند إلى ما بناه أسلافه في رئاسة الوزراء، لكنه منحه موقعاً قيادياً اعتاد قادة المملكة المتحدة السعي إليه دولياً، إذ أصبح، إلى جانب ماكرون، قائداً فعلياً للدعم الأوروبي لأوكرانيا بعدما ألقت واشنطن بمعظم المسؤولية على عاتق أوروبا.
من الإنصاف القول إن المملكة المتحدة استفادت طويلاً من صورتها كواحدة من أوائل وأشد الداعمين لمقاومة أوكرانيا لروسيا، حتى وإن كانت الآن متأخرة في حجم الدعم العسكري والمالي الذي تقدمه، كما أن تعهداتها بزيادة الإنفاق الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لا تتمتع بالحجم أو السرعة اللذين لدى معظم الأعضاء الأوروبيين الآخرين في “الناتو”. ومع أن الآخرين يلاحظون ذلك من وقت إلى آخر، فإن المملكة المتحدة لا تزال تجيد الكلام، وربما تساعدها اللغة الإنجليزية. ولا شك أن دعم هذا البلد الواثق لأوكرانيا منح أوروبا صوتاً أقوى في شأن أوكرانيا، مما كان يمكن أن يكون عليه الحال لولاه.
وقد يتلاشى هذا التأثير الآن، ومعه قدرة بريطانيا على حشد الآخرين خلف موقفها. كما أن ضعف حكومة المملكة المتحدة، وضعف رئيس وزرائها، لهما تداعيات على الدفاع الأوروبي، في وقت يتراجع فيه الالتزام الأميركي، كلامياً في الأقل. وقد أعطى التحذير الأميركي الأخير من أنه قد يبدأ تقليص وجوده العسكري في ألمانيا، وربما في أماكن أخرى، رداً على رفض معظم الدول الأوروبية التورط في الملف الإيراني، دفعة لمفهوم ماكرون عن “الاستقلالية الاستراتيجية” لأوروبا. وهناك مناقشات جدية تلوح في الأفق حول الكيفية التي يمكن أن يعمل بها دفاع أوروبي يعتمد على نفسه، وحول من سيتولى القيادة.
وقد افترضت المملكة المتحدة أنها ستكون لاعباً رئيساً، إن لم تكن اللاعب الرئيس، في مثل هذا الترتيب. وتعد المعلومات المتداولة عن تراجع أعداد القوات البريطانية وقدراتها البحرية، كما أظهرته بوضوح المقارنة بين ما كان متاحاً من مساهمات فرنسية وبريطانية في بداية حرب إيران، عاملاً من العوامل التي تلقي بظلال من الشك على هذا الادعاء بالقيادة، لكن عدم الاستقرار في قمة الحكومة قد يكون عاملاً آخر.
وثمة موضوع جديد، عززه خطاب الملك في افتتاح البرلمان، هو نية الحكومة البريطانية التقارب بصورة أوثق مع الاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى أن خطة كهذه ستعتمد بشدة على الدفع الذي يمنحه رئيس الوزراء الحالي، وهي إلى حد كبير من بنات أفكاره، وبالنظر أيضاً إلى الشراسة المحتملة للمعارضة التي ستأتي من دائرة أوسع من مؤيدي “بريكست” وحدهم، فإن ستارمر الضعيف، أو حتى الفراغ في قمة الحكومة، قد يوقفها قبل أن تبدأ أصلاً.
ومن المخارج اللافتة التي تطرح في بعض دوائر السياسة الخارجية تعيين السير كير وزيراً للخارجية في أية حكومة جديدة، فما الطريقة الأفضل لاستثمار النجاح النسبي الذي حققه ستارمر في الخارج من منحه وزارة الخارجية؟ فمن شأن ذلك أن يبعث، في الوقت نفسه، برسالة استمرارية، وأن يبقي إلى حد معقول على التقدير الذي بناه ستارمر بين نظرائه.
غير أن سيناريو كهذا يقوم على افتراضات عدة تبدو بالتأكيد أقرب إلى التمنيات: أن يعرض عليه رئيس وزراء جديد المنصب، وأن يقبل هو، كرئيس وزراء مرفوض، وأن يخدم في حكومة جديدة، وأن يقبل منصباً يعد عملياً تراجعاً في المكانة، ثم أن يتمتع، بعد ذلك، بالسلطة نفسها وزيراً للخارجية التي اكتسبها في الخارج بوصفه رئيساً للوزراء.
وهناك سوابق قريبة، وإن كانت غير مطابقة تماماً، وقد ذكرت في هذا السياق أسماء أليك دوغلاس – هيوم وويليام هيغ وديفيد كاميرون، لكن رفض ستارمر القاطع الخروج بسلاسة من “داونينغ ستريت” يوحي، في أقل تقدير، بأن استمراره وزيراً للخارجية سيكون مجازفة: مجازفة بسلاسة عمل الحكومة، نظراً إلى أنه أطاح على نحو مفاجئ بكبير موظفي وزارة الخارجية السابق بسبب قضية تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة، ومجازفة أيضاً لأي رئيس وزراء جديد يريد فريقاً موحداً. كما لا يبدو، في ضوء التاريخ الحديث، أن ترشيحه لمنصب دبلوماسي رفيع سيكون المسار الأنسب.
ولا يبدو أن كثيرين في المملكة المتحدة سيذرفون الدموع على كير ستارمر، لكنهم في القارة الأوروبية يقدرون مواهبه، وقد يتعلم الساعون إلى إزاحته قريباً مدى استحالة المهمة التي كان يقوم بها. وفي الأقل، في ما يتعلق بأوروبا، فقد نجح فيها.
