ربما لا توجد عبارة اكتسبت فائضًا دلاليًا يتجاوز بكثير مدلولها الحرفي لتصل إلى سياقات مجازية تتناقض أصلًا مع مفهومها الأساسي، كما هي الحال مع “كرة القدم”. فهي لم تعد تلك الكرة الجلدية المنتفخة التي تركلها الأقدام لإدخالها رغمًا عنها في المرمى، وسط ابتهاج طرف وسخط طرف آخر، بل تحوّلت إلى فضاء واسع تتشابك فيه مضامين اقتصادية وسياسية وثقافية لا علاقة لها بالرياضة شكلًا ومضمونًا، لتتحول هذه اللعبة الشعبية إلى واحدة من أشدّ القوى الناعمة تأثيرًا على المجتمع البشري.
لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلًا، لا بد من أن نتوقف عند شخصية مهمة تسلّمت رئاسة الفيفا عام 1974، وبقيت في هذا المنصب عشر سنوات كاملة. إنه جواو هافيلانج (1916–2016)، الذي قال في خطاب له بعد تسلّمه رئاسة الفيفا: “إن كرة القدم سلعة تجارية يجب تسويقها بأكبر حكمة ممكنة”. ولهذا السبب يُعدّ هذا الرجل المهندس الذي تحوّلت على يديه هذه اللعبة الرياضية إلى صناعة عالمية ضخمة، وآلة لجمع الأرباح ضمن منظومة تتجاوز المفهوم الرياضي.
صحيح أن نظام الاحتراف في كرة القدم يعود إلى عام 1885، عندما اعترف الاتحاد الإنكليزي لكرة القدم بصفة “لاعب محترف”، مما سمح للأندية بدفع رواتب للاعبيها. لكن التلفزيون هو من نقل اللعبة إلى ما يمكن تسميته عصر العولمة التجارية، من خلال استغلال جماهيرية اللعبة وتوظيفها لخدمة الشركات الكبرى. من هذا المنظور المنفعي البحت، باتت كرة القدم وسيلة للحصول على الشهرة والسلطة، وتعزيز العلاقات العامة التي تدخل في مجالات شتى، ومنها المعترك السياسي استنادًا إلى شعبية اللعبة الجارفة. ويُعدّ سيلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق، مثالًا جيدًا لتأكيد الحظوة التي يتمتع بها مالكو الأندية، ويقدّم دليلًا على التوظيف السياسي داخليًا، ناهيك عن شبهات الفساد التي طاولت بعض رجال الأعمال الذين اتخذوا اللعبة غطاءً لهم.
في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل”، الذي ترجمه صالح علماني (طوى للثقافة والنشر، 2011)، كتب الصحافي الأوروغوياني إدواردو غاليانو: “لقد تحول اللعب إلى استعراض، فيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين”. أي لعبة للفرجة، عرضٌ يقدمه فريقان من اثنين وعشرين لاعبًا على مستطيل أخضر أُعِدَّ ليكون سوقًا تجارية طبقًا لمبدأ رأس المال وقانون العرض والطلب. لذلك صدق من قال: “إن كانت كرة القدم بالنسبة إلى البعض دينًا، فلا شك أن المال هو إلههم المعبود”. لا أحد ينكر أن التلفزيون هو من جعل كرة القدم سلعة معولمة ونافذة دعائية وواحدة من أكثر القوى الناعمة تأثيرًا؛ فهو الساحة البصرية للفرجة، ومعرض السلع والمنتجات، بمن فيهم اللاعبون أنفسهم، ليكون الآمر الناهي في تسويق اللعبة؛ يقرر متى وكيف تجري المباريات. أو كما يقول غاليانو: “باعت كرة القدم نفسها جسدًا وروحًا إلى الشاشة الصغيرة”.
| يقول غاليانو: “باعت كرة القدم نفسها جسدًا وروحًا إلى الشاشة الصغيرة” |
ومن أفضل الأمثلة التي يمكن سوقها من مباريات كأس العالم التي تجري حاليًا: تتوقف المباريات لاستراحة شرب الماء (Hydration Break) لمدة ثلاث دقائق، لحماية اللاعبين من آثار الحرارة المرتفعة. صحيح أن الفيفا أكد أن هذه الاستراحات مرتبطة حصرًا بصحة اللاعبين، ولا تحقق أي إيرادات إضافية للاتحاد، لكنها تحولت إلى فرصةٍ مثالية لعرض الإعلانات التجارية. وحسب ما ذكرته العديد من المصادر الصحافية الأميركية، تبلغ كلفة الإعلان التلفزيوني لمدة 30 ثانية خلال مباريات كأس العالم على شبكة “فوكس” ما بين 200 ألف إلى 300 ألف دولار، وقد تصل إلى 750 ألف دولار خلال مباريات المنتخب الأميركي أو الأدوار النهائية. وبجردة حساب بسيطة، يوفر هذا التوقف لشرب الماء للمحطة التلفزيونية عائدات مالية تصل إلى 156 مليون دولار. بل إن صحفًا أميركية، ومنها “نيويورك تايمز”، توقعت أن تجني السوق الأميركية أرباحًا تتجاوز 250 مليون دولار من هذه الفواصل الإعلانية، بغض النظر عن العائدات المتوقعة لكأس العالم 2026، المقدَّرة بـ 8.9 مليار دولار، من ضمنها 3.9 مليارات دولار من حقوق البث التلفزيوني و1.8 مليار أخرى من عقود الرعاية والتسويق. يُضاف إلى ما سبق ارتفاع أسعار تذاكر المباريات، التي تتراوح ما بين 60 دولارًا إلى ما يزيد على 10 آلاف دولار للمباراة النهائية. وما دام الأمر يتعلق بقانون العرض والطلب، فمن الطبيعي أن تبرز ظاهرة الاحتكار والسوق السوداء، التي ترفع أسعار التذاكر الرسمية إلى أربعة أضعاف، بل وفي بعض الحالات إلى أكثر من ذلك، حسب ما ذكرته العديد من الصحف الأميركية، مع التنويه بأن الأمر نفسه ينطبق أيضًا على المباريات التي تجري في كندا والمكسيك.
تقوم صناعة كرة القدم على استغلال جماهيرية اللعبة من خلال صناعة النجم— اللاعب المحترف— الذي يشكّل أحد التروس الأساسية التي تدير آلة جمع الأرباح. ينقل غاليانو عن اللاعب الإنكليزي بول غاسكوين قولًا يعبّر عن واقع الحال: “نحن اللاعبون مثل فراخ المداجن: حركات مراقبة، تصرفات ثابتة يجب تكرارها على الدوام”. لذلك لا يُستغرب أن نسمع عن عقود خرافية للاعبين النجوم، لأنهم يدركون أنها فرصتهم لتوفير عائد مالي يؤمّن مستقبلًا آمنًا لأسرهم، لا سيما أن عمرهم المهني قصير لا يتعدّى، في أفضل الحالات، السابعة والثلاثين، بدون أن نغفل بعض الاستثناءات القليلة، هذا إن لم يتعرّض أحدهم لإصابة تحرمه من اللعب، أو— لا سمح الله— يودّع الملاعب محمولًا على نعش، كما حدث مع اللاعب الكاميروني مارك فيفيان فوي، الذي وافته المنية أثناء مباراة الكاميرون ضد كولومبيا في نصف نهائي كأس القارات في فرنسا عام 2003، بسبب تضخّم في عضلة القلب.
من هذا المنظور، يصبح اللاعب نفسه منصة إعلانية للعلامة التجارية التي يُوشّى بها قميصه، أو في وقوفه أمام الكاميرات ممثّلًا في إعلان تجاري. لكن المفارقة الأكبر، التي لا يمكن أن نجد تفسيرًا منطقيًا لها، أن أندية كبرى تستفيد من عقود تجارية للدعاية والإعلان مع شركات تنتج سلعًا تتناقض تمامًا مع مفهوم الرياضة القائم على المقولة المدرسية الشهيرة “العقل السليم في الجسم السليم”. ومن هذه الشركات تلك التي تنتج المشروبات الكحولية، مثل “هاينكن” و”كارلسبيرغ”، اللتين تنتجان البيرة، وتُعرض الإعلانات المروّجة لهذا المشروب على أرضية الملعب وعبر شاشات التلفزيون، وسط حضور فتيان وفتيات قُصّر لم يتمّوا بعد الثامنة عشرة، في مخالفة صريحة للقوانين في جميع دول العالم التي تسمح ببيع المشروبات الروحية.
لم يعد خافيًا على أحد ارتباط كرة القدم بفكرة الوطن عمومًا، لأسباب عديدة، بل حتى إنها ارتبطت بفكرة الترويج للنظام السياسي أو الأيديولوجيات، بما فيها العنصرية، ودخلت في متاهات الصراع الجيوسياسي. فالمنتخب الإيطالي فاز بمونديالي 1934 و1938 باسم الوطن وموسوليني. كذلك كانت هذه اللعبة الشعبية بالنسبة إلى الحزب النازي أرضًا خصبة للبروباغندا السياسية، بوساطة الشعارات والرايات النازية وتحية هتلر، التي كانت سمة ثابتة في مباريات المنتخب الألماني في العهد النازي. ولا داعي لأن نذهب بعيدًا في التاريخ، إذ يكفي أن نذكر الهرج الكبير الذي حدث قبل وبعد مباراة الجزائر ومصر الفاصلة، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2009 في أم درمان بالسودان، والتي أوصلت المنتخب الجزائري إلى كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا. فقد تحولت هذه المباراة إلى حرب إعلامية ودبلوماسية وأعمال شغب وصدامات، تحت اسم الكرامة الوطنية، حتى خُيِّل للبعض حينئذ أن حربًا ستقع بين البلدين.
وفي السياق نفسه، لا يمكن لأحد أن يتجاهل ظاهرة الهوليغانز الإنكليز، بأجسادهم الموشومة، ورؤوسهم المتخمة بالكحول، وأياديهم المسلحة بالسكاكين والقضبان الحديدية، وهم يردّدون هتافات عنصرية يستعيدون فيها أمجاد الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ويوجّهون الشتائم العنصرية ضد الفريق المنافس. حسبنا أن نعود بالذاكرة إلى 29 مايو/ أيار 1985، وتحديدًا إلى حادثة استاد هيسل في بروكسل، الذي استضاف المباراة النهائية لبطولة كأس أوروبا بين ليفربول ويوفنتوس. قبل انطلاق المباراة، وقعت أعمال شغب وعراك بين جماهير الفريقين، أسفرت عن مقتل 39 شخصًا وإصابة ستمائة آخرين، غالبيتهم من أنصار يوفنتوس. السلطات الأمنية البلجيكية، التي حقّقت في الحادث، وضعت المشروبات الكحولية بوصفها السبب الرئيس في اندفاع الرؤوس الحامية من مشجعي ليفربول لاقتحام ما كان يُفترض به أن يكون سورًا فاصلًا بين مشجعي الفريقين. ورغم ذلك كله، لم تُلغَ المباراة أو تؤجَّل إلى موعد لاحق، خشية فقدان الأرباح من عقود الدعاية والإعلان وحقوق النقل التلفزيوني.
| يوفر هذا التوقف لشرب الماء للمحطة التلفزيونية عائدات مالية تصل إلى 156 مليون دولار (Getty) |
في كتابه “دبلوماسية الشهرة” (بارادايم للنشر، كولورادو، 2008)، يشير آندرو كوبر إلى التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، الذي ساهم في بروز شخصيات خارج دائرة النمط التقليدي، المتمثّلة بالقادة والزعماء السياسيين والفنانين، وأعطاها مساحات تأثير واسعة في الرأي العام. وتضم هذه الدائرة، بالطبع، نجوم الرياضة، وعلى الأخص لاعبي كرة القدم، الذين يتحولون في آليات هذه الدبلوماسية إلى أذرع طويلة للقوة الناعمة، التي تعولم النجم المعبود (idol)، وتجعل منهم مصدرًا للعزّة والفخر الوطني. ومن هذا المنظور، يجري استغلالهم بطريقة أو بأخرى، إما لترويج فكرة سياسية معينة أو حتى ثقافية، مثل ما جرى مع لاعبي المنتخب الألماني في مونديال الدوحة، قبل مباراته الافتتاحية مع اليابان، بإشارتهم حينئذ إلى “تكميم الأفواه” لرفض الفيفا السماح بشارات “قوس قزح”، التي تسببت في توتر شديد في كأس العالم الحالية، عندما احتفلت مدينة سياتل بهذه الأعلام، وما ترافق مع شائعات عن فرض هذه الشارات والأعلام داخل الملعب الذي استضاف مباراة مصر وإيران.
إن الكاريزما التي يتحلّى بها نجوم كرة القدم هي التي تجعلهم – كما يقول كوبر- “قوة ناعمة” تحوز سطوة كبيرة في سياقات ثقافية وسياسية واقتصادية. كم من فتى ناشئ يحلم بأن يصبح مارادونا أو محمد صلاح أو ميسي، تداعبه أحلام الشهرة والرفاهية وتحلّق المعجبين حوله. هؤلاء النجوم هم الواجهة التجارية الجذابة التي تستقطب الملايين لدفع الأموال الطائلة لمشاهدة نجومهم يلعبون، بل وشراء قمصانهم والمنتجات الدعائية للأندية، أو أية سلع ومنتجات أخرى يسوّق لها هؤلاء النجوم.
لم تعد كرة القدم لعبة رياضية، بل لعبة تجارية تسعى إلى الربح أيًا كانت الوسيلة. كم من طفل صغير استعطف والده وتوسّل إليه أن يشتري له قميصًا طُبعت عليه صورة نجمه الكروي المفضّل، وهو لا يدري أن ثمنه قد يُقتطع من مصروف الأسرة بأكملها لهذا الشهر، ولا يدري بالتأكيد أن حبه لهذه اللعبة يجري استغلاله من أجل جيوب شرهة للمال، لا تبالي بتوسلاته البريئة وأحلامه الطفولية.