ملخص
تواجه كوبا انهياراً متسارعاً في مؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات، فيما تتعمق الفوارق الاجتماعية وتتزايد الهجرة والجريمة والشيخوخة السكانية، على رغم استمرار النظام وقدرته على القمع. ويهدد استمرار الجمود والعقوبات من دون انتقال سياسي أو إصلاح حقيقي بجعل إعادة بناء البلاد أكثر صعوبة، مع ارتفاع كلفة إنقاذ الاقتصاد والبنية التحتية واستعادة التماسك الاجتماعي.
في وسط هافانا، تحتل كومة هائلة من الأنقاض بلون الرمال مساحة مبنى كامل، وهي كل ما بقي من “المعهد العالي للتصميم الصناعي”، ذلك المبنى الفخم الذي احتضن على مدى 166 عاماً نادياً للضباط الإسبان، ثم قوات الاحتلال الأميركية بعد عام 1898، فوزارة الصحة الكوبية، وأخيراً مدرسة التصميم.
وكوبا، في مسارها الحالي، تتجه إلى مصير مدرسة التصميم نفسها، فما ينتظرها هو انهيار متسارع للدولة والاقتصاد، وإذا لم يُعكس هذا المسار قريباً، فقد يصبح من شبه المستحيل إعادة بناء كوبا لتصبح بلداً مستقراً ومزدهراً وديمقراطياً.
قبل شهور قليلة فقط، لم يكن هذا التفكك البطيء هو ما توقعه معظم المراقبين. ففي ظل التهديد القائم منذ فبراير (شباط) الماضي بفرض رسوم جمركية على الدول التي تزود كوبا بالنفط، وتحذيرات الرئيس دونالد ترمب من عمل عسكري، وتقارير عن محادثات سرية بين هافانا وواشنطن، اعتقد كُثر أن اتفاقاً لتقاسم السلطة أو عملية عسكرية على غرار ما حدث في فنزويلا، باتا وشيكين.
لكن بحلول أواخر مايو (أيار) الماضي، بدا ذلك أقل احتمالاً، فبحسب صحيفة “ميامي هيرالد”، انهارت المحادثات التي كانت تجري عبر قنوات خلفية، وسط معارضة الجمهوريين في فلوريدا ورفض هافانا عرض واشنطن الذي تضمن استثمارات ونفطاً أميركيين، في مقابل إقالة الرئيس ميغيل دياز كانيل، وخصخصة شركة النفط الحكومية الكوبية. وأقرت هافانا في يونيو الماضي 176 إصلاحاً اقتصادياً وسعت المجال أمام القطاع الخاص، لكن ذلك لم يرض واشنطن. وفي حين سمحت إدارة ترمب بوصول كميات محدودة من الوقود والغذاء الأميركيين إلى الجزيرة، عبر موزعين من القطاع الخاص، فرضت عقوبات جديدة على شركات حكومية ومسؤولين في النظام. وفي أغسطس (آب) الماضي قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لموقع “أكسيوس”، إن الجدول الزمني للسياسة الأميركية تغير، وإن الأمر سيتطلب “الصبر والمثابرة”، وإن النظام قد يبقى حتى عام 2028 أو إلى ما بعده.
يمكن قراءة تصريحات روبيو بطرق عدة، إحداها أن الإدارة تناور، فتهدد بالإبقاء على الضغط الاستثنائي الحالي للعقوبات، إما لإحياء المفاوضات المتوقفة أو لتضليل النظام قبل عملية عسكرية. والاحتمال الآخر هو أن انشغال الولايات المتحدة بصراعها مع إيران وإدارة الوضع في فنزويلا أدى ببساطة إلى تراجع كوبا على سلم الأولويات، فقد أبقت الإدارة الجزيرة على أجهزة الإنعاش، بالسماح بوصول ما يكفي من الوقود والغذاء الأميركيين إلى الشركات الخاصة لمنع انهيار المجتمع، أما في ما عدا ذلك، فلا تملك الإدارة خطة جديدة، وكأن سياستها تجاه كوبا تُركت تسير من تلقاء نفسها. أما الاحتمال الثالث فهو أن الإدارة خلصت إلى أن انتظار انهيار نظام الحزب الواحد من الداخل، هو السبيل الوحيد القابل للتطبيق لتغيير النظام، حتى لو كان طريقاً طويلاً وشاقاً وغير محسوم.
وأياً يكن الأمر، فإن ما لا يحظى بتقدير كاف خارج كوبا هو الكيفية التي يعيد بها انهيار الدولة والاقتصاد، الناجم عن رفض النظام الإصلاح والمتسارع بفعل العقوبات الأميركية، تشكيل الجزيرة بالفعل. فالدولة، باستثناء قدرتها على القمع السياسي، تضعف بسرعة، وينكمش الاقتصاد ويزداد تفاوتاً، تاركاً طبقة دنيا واسعة شديدة الفقر إلى درجة تحول دون مشاركتها الفعلية في القطاع الخاص الجديد. ويتآكل التماسك الاجتماعي، وترتفع معدلات الجريمة، فيما يؤدي انخفاض معدلات المواليد والهجرة إلى تشويه التركيبة السكانية في كوبا.
وهذه الاتجاهات كلها تسبق انقطاع النفط الأجنبي والعقوبات الجديدة بأعوام، بل بعقود، لكنها تبدو الآن أسرع بصورة خاصة، والخطر هو أنه كلما طال أمد المأزق، ازدادت هذه الاتجاهات رسوخاً لتصبح الظروف الأساس التي ستواجه أية عملية انتقال مستقبلية، مما يضيق فرص أن تصبح كوبا يوماً بلداً يحكم بصورة جيدة، ويزيد بدلاً من ذلك احتمال مستقبل أشد اختلالاً وفوضى. وإذا لم يتغير شيء قريباً، فقد تجد حكومة انتقالية نفسها يوماً في الموقف المستحيل ذاته الذي يواجهه الرجال فوق أنقاض معهد التصميم: محاولة بناء شيء آمن وصالح للعيش وقادر على الصمود من بين الركام.
فوضى استبدادية
سمعت في هافانا نكتة تقول: “شيئان فقط يعملان في هذا البلد: جهاز أمن الدولة والمستشفيات”، لكن النكتة بالغت في إنصاف المستشفيات. أما في ما يتعلق بأمن الدولة، فكانت صحيحة، فالقمع هو الشيء الوحيد الذي لا تزال الدولة الكوبية تجيده. ولا يعود ذلك لوفرة واضحة في الموارد، بقدر ما يعود لتماسك القيادة القائم على حسابات عقلانية تماماً، فمقر “مديرية المؤسسات العقابية” التي تدير نظام السجون في البلاد، متهالك مثل أي مبنى في وسط هافانا، وقد سدت نوافذه المحطمة بقطع من الكرتون، لكن الجنرالات ورؤساء أجهزة الاستخبارات يعرفون حجم ما قد يخسرونه من أي انفتاح سياسي، وإذا كانت إدارة ترمب قد حاولت إقناع بعضهم بوجود مخارج، فلا يبدو أنها نجحت، ولذلك يظلون متماسكين، فيما بقي قدرة الدولة على القمع سليمة.
وعلى رغم أن الكوبيين الذين التقيتهم كانوا مستعدين بصورة مدهشة لانتقاد النظام في الشوارع، أو على مسمع من جيرانهم، وقد فعل ذلك معظمهم تقريباً، لم يقل أحد إنه مستعد للمشاركة في احتجاج عام، إذ تكاد المشاركة في احتجاج عام تعني الاعتقال حتماً، ولئلا ينسى أحد، تقف سيارات الشرطة أمام منازل عائلات قادة الاحتجاجات المعتقلين، كتذكير مشؤوم بما قد يحدث. وفي وقت يعاني البلد شحاً شديداً في الوقود، فإن قدرة النظام على إيجاد ما يكفي منه لإرسال تلك السيارات أمر بالغ الدلالة.
أما في كل المجالات الأخرى، فالدولة الكوبية أضعف مما يدركه معظم المراقبين في الخارج، سواء أولئك على اليمين الذين يتخيلون كوبا وحشاً هائلاً معادياً لأميركا، أو أولئك على اليسار الذين يتمسكون بوهم المدارس والمستشفيات التي تعمل بكفاءة. وجاء أفضل وصف لحال البلاد من دبلوماسي أوروبي في هافانا: “فوضى استبدادية”، أي دولة لا تزال قادرة على خنق التعبير السياسي، لكنها تزداد عجزاً عن تقديم الخدمات العامة أو منع الفوضى.
القمع هو الشيء الوحيد الذي لا تزال الدولة الكوبية تجيده
خذوا قطاع الصحة العامة مثلاً، الذي ظل طويلاً أحد أكثر إنجازات الدولة الكوبية مدعاة للفخر. صحيح أن الوصول إلى أفضل العيادات كان يعتمد دائماً على العلاقات، لكن حتى أوائل العقد الثاني من القرن الحالي، كانت المؤشرات الصحية على مستوى السكان في كوبا، بفضل أطباء مدربين جيداً واستثمار عام سخي، من بين الأفضل في أميركا اللاتينية. أما اليوم، فتفتقر معظم المستشفيات إلى المستلزمات والأدوية الأساسية، مما يضطر المرضى إلى شراء كل شيء، من المضادات الحيوية إلى المناشير المستخدمة في عمليات البتر، من السوق السوداء، وعلى رغم أن كثيراً من الأطباء يبذلون قصارى جهدهم في هذه الظروف، فإن رواتب القطاع العام التي لا تكفي للعيش، جعلت تقاضي الرشى أكثر شيوعاً. فيما يتجه خريجو كليات الطب إلى وظائف في القطاع الخاص الناشئ لا تمت إلى تخصصهم بصلة، أو يغادرون البلاد.
النتائج مقلقة للغاية، فقد تضاعف معدل وفيات الرضع الذي كان من بين الأدنى في المنطقة، أكثر من مرة منذ عام 2018، وعادت الأمراض المنقولة بالبعوض، التي كانت الدولة قد نجحت سابقاً في احتوائها، وفي عام 2025 وحده، أصابت حمى شيكونغونيا ما يصل إلى ثلث السكان، فيما ارتفعت أيضاً حالات الإصابة بحمى الضنك و”زيكا”.
كذلك ترتفع معدلات الجرائم العنيفة بصورة حادة، بعدما كانت شبه معدومة في الجزيرة، في علامة أخرى على التراجع العشوائي للدولة، ويصعب التحقق من حجم الظاهرة بسبب غياب إحصاءات رسمية موثوقة، ولأن كوبا لا تزال أقل عنفاً بكثير من عدد من جيرانها، لكن الخوف من السرقة والاعتداء غيّر نمط الحياة اليومية لكثير من الكوبيين. ففي كارديناس، وهي مدينة صغيرة تقع على بعد ساعتين شرق هافانا، يتجنب السكان الشوارع ليلاً. ويُعتقد أن جماعات حراسة أهلية تقف وراء عدد متزايد من عمليات قتل مشتبه فيهم بارتكاب جرائم هناك، وفي مدينة غوانتانامو، التي لا ينبغي الخلط بينها وبين القاعدة العسكرية الأميركية القريبة التي تحمل الاسم نفسه.
في هافانا، أصبحت قصص اقتحام المباني لسرقة الألواح الشمسية وخزانات المياه شائعة، وانتشر الاعتقاد بأن الشرطة باتت أكثر غياباً وأكثر قابلية للرشوة، ولا تزال الجريمة حتى الآن غير منظمة، ومدفوعة بالحاجة الماسة أو الإدمان على نوع رخيص من القنب الصناعي يعرف باسم “إل كيميكو”، وينتشر الآن في أنحاء الجزيرة، لكنها قد تتحول بسهولة إلى ظاهرة أكثر تنظيماً.
ومن محطات الكهرباء المتداعية إلى تقليص العام الدراسي، وصولاً إلى الثقوب التي يحفرها سكان هافانا في الشوارع لسحب المياه العامة وإعادة بيعها أو استخدامها، بات تآكل الدولة من الداخل واضحاً في كل مكان، وتتحمل الآثار الطويلة الأمد للحظر جانباً من المسؤولية، وكذلك انقطاع النفط الأجنبي منذ فبراير الماضي، لكن أحداً لم يجبر قادة كوبا، بحلول عام 2024، على تخصيص استثمارات عامة للسياحة والعقارات والضيافة تزيد 37 ضعفاً على ما خصص للصحة والتعليم.
كانت تلك مقامرة بحثاً عن الربح نفذتها دائرة صغيرة من المقربين داخل النظام، وقد فشلت، والسؤال الآن هو ما إذا كانت الدولة ستظل قادرة على فعل أي شيء على الإطلاق، بما في ذلك الحفاظ على النظام العام، بعد أعوام إضافية من الانهيار.
الطريق الأطول
أما التحول الثاني الذي يعيد تشكيل كوبا، ويخلق معضلات أمام أي انتقال مستقبلي، فهو ما يحدث في اقتصاد الجزيرة، فالاقتصاد ينكمش، وقد تقلص بما لا يقل عن 15 في المئة منذ عام 2020، مع انهيار السياحة وهرب المستثمرين الأجانب، خشية فرض عقوبات أميركية ثانوية جديدة، ورداً على ذلك، فتح النظام على مضض مجالاً أمام المشاريع الخاصة، لا لأن معظم المسؤولين يؤيدون الأسواق، بل لأنهم خلصوا إلى أن السماح ببعض النشاط الاقتصادي هو السبيل الوحيد لمنع الجزيرة من الجوع أو التمرد، ومنذ السماح عام 2021 بالمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، المعروفة بالإسبانية باسم”MIPYMEs”، تجاوز عددها 10 آلاف شركة، وتشكل بحسب التقديرات 65 في المئة من إجمال مبيعات التجزئة و40 في المئة من إجمال الوظائف في البلاد، ووسعت إصلاحات يونيو الماضي رسمياً نطاق الأنشطة الخاصة المسموح بها، لكن العقوبات الأميركية، وافتقار النظام إلى الصدقية لدى المستثمرين المحليين والأجانب، وانقساماته الداخلية، قد تحد من تنفيذها.
وكان نمو القطاع الخاص إيجابياً وضرورياً، إذ أبقى بعض الرفوف على الأقل ممتلئة وسط الأزمة، وجعل جزءاً من السكان أقل اعتماداً على رواتب القطاع العام التي تشكل إحدى أدوات نفوذ النظام، وكان توحيد العملة عام 2021 خطوة ضرورية أخرى، فعلى رغم التنفيذ الكارثي الذي سحق القدرة الشرائية لمعظم الكوبيين، أنهى ذلك نظام العملتين الذي كان يشوه الأسعار، ويخفي ضعف أداء الشركات الحكومية.
لكن الطريقة التي تتشكل بها الأسواق اليوم تنذر بعواقب خطرة على مستقبل البلاد، إذ إن معظم السكان أفقر من أن يشاركوا فيها فعلياً، فيما يغيب حكم القانون وتتسع الفجوة بين الرابحين والخاسرين، وقال لي عدد من الكوبيين إنهم يشعرون كأنهم يعيشون تجربة روسيا في تسعينيات القرن الماضي، حين قادت الصفقات الغامضة والمنافسة المصطنعة لا إلى ازدهار واسع، بل إلى ظهور الـ “أوليغارشية” وانتشار الفقر المدقع، وكانت الكلمة التي كررها من التقيتهم أكثر من غيرها هي “ريبارتو” (reparto) أي تقاسم البلاد، فالمقربون من النظام يحتلون المواقع التي تتيح لهم تحقيق أكبر المكاسب، وأصحاب شركات “MIPYMEs” بات لديهم موطئ قدم، وفي المقابل يكافح الشباب وكبار السن وموظفو القطاع العام وكثير من الكوبيين من أصول أفريقية، لمجرد تأمين الطعام، وكما قالت لي امرأة كوبية: “لقد سلكنا الطريق الأطول والأشد إيلاماً إلى الرأسمالية في أميركا اللاتينية”.
فكوبا تعيد إنتاج أسوأ عيوب بعض اقتصادات أميركا الوسطى، من الانقسامات الطبقية الحادة والمحسوبية والاعتماد على التحويلات المالية وتدني الإنتاجية، ولكن من دون تحقيق معدلات النمو الأقوى نسبياً التي حققتها تلك الاقتصادات، ومن الصعب تجاهل اتساع فجوة التفاوت، فحتى الآن، ومع انقطاعات الكهرباء التي تمتد بانتظام ليومين أو ثلاثة، تظهر في الأحياء الميسورة مطاعم جديدة تعمل فيها المولدات، وتظل أنوارها مضاءة، ويقدم فيها منسقو الموسيقى عروضاً حية أمام طاولات ممتلئة. وحول هذه الأحياء، تغرق المنازل في الظلام وتتراكم القمامة في الشوارع من دون أن يجمعها أحد، ولم يكن من الضروري أن تصل كوبا إلى هذا الوضع، فالكوبيون لا يزالون شعباً عالي التعليم، حتى وإن كانت الرواتب التي تستطيع شركات “MIPYMEs” دفعها، تستقطب أصحاب المهارات، بعيداً من مجالات عملهم الأصلية، ولا يزال من الممكن اليوم أن يقود التحول إلى اقتصاد سوق ديناميكي وعادل، لكن بعد عامين أو ثلاثة أخرى من المسار الحالي، قد لا يعود ذلك ممكناً.
لأولئك الذين بقوا
أما البعد الأخير من انهيار كوبا فهو الأصعب قياساً، لكنه الأكثر إثارة للقلق لدى كثير من الكوبيين الذين تحدثت إليهم، وهو ما وصفه عدد منهم بـ “التحلل الاجتماعي”، فالتأثيرات المتداخلة للهجرة الجماعية والشيخوخة السريعة واتساع الفجوة بين الأجيال، تفرض تحديات هائلة على مستقبل كوبا.
ومنذ عام 2020، تراجع عدد سكان الجزيرة بما يقدر بـ 13 و24 في المئة، مدفوعاً أساساً بموجة هجرة غير مسبوقة، ولأن نسبة كبيرة بصورة غير متناسبة، ممن غادروا كانت من النساء في سن الإنجاب، تسارعت شيخوخة المجتمع الكوبي التي كانت متقدمة أصلاً.
يتوقع المسؤولون أنه بحلول عام 2050 سيكون واحد من كل ثلاثة كوبيين فوق سن الـ60، مقارنة بواحد من كل أربعة اليوم، وسيكون ذلك تحدياً كبيراً حتى لبلد يتمتع باقتصاد قوي ونظام تقاعد يعمل بكفاءة، أما بالنسبة إلى كوبا، فقد يصبح تحدياً يستحيل التغلب عليه.
وأفرغت الهجرة أيضاً مهناً بأكملها من أصحابها، فغادر العاملون في الصحة المستشفيات، والمعلمون المدارس، وحتى الكهنة والقساوسة الكنائس، بمعدلات لم يعرفها الكوبيون من قبل، وقارن عدد من الكوبيين في منتصف العمر الوضع الحالي بـ “الفترة الخاصة” خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما أدى توقف المساعدات والتجارة السوفياتية إلى انكماش الاقتصاد بنحو 35 في المئة، لكن عدد الأطباء والمعلمين الذين غادروا البلاد آنذاك كان أقل بكثير. كانت الجزيرة مفلسة يومها، لكن المستشفيات والمدارس استمرت في العمل، أما اليوم فلم يعد الأمر كذلك، وأيضاً اتسعت الهوة بين الكوبيين الذين لديهم عائلات في الخارج، ويحصلون على تحويلات مالية تتيح لهم بدء مشاريع تجارية، وبين من لا يملكون مثل هذه الروابط، وهم بصورة غير متناسبة من الكوبيين ذوي الأصول الأفريقية.
العيش في ظل نقص الغذاء والطاقة والأدوية يترك أيضاً أثراً نفسياً ثقيلاً، ويدفع الشباب الثمن الأكبر، ولا سيما من يعيش آباؤهم في الخارج، ويكبرون وهم أشد جوعاً وتهميشاً من الأجيال السابقة. لكن الكلفة تطاول الجميع، وقال لي رجل في هافانا، متحدثاً عن الصورة النمطية التي تصور الكوبيين باعتبارهم قادرين بصورة استثنائية على تحمل المشقة: “هذه ليست قدرة على الصمود. يستطيع الناس التكيف مع أي شيء. نحن نغير أنفسنا كي نتمكن من النجاة خلال هذه العملية، لكن ما يحدث هو تدهور”.
ثمن التأخير
عندما بدأت الدول المجاورة لكوبا في البحر الكاريبي وأميركا الوسطى انتقالها إلى الديمقراطية قبل 40 أو 50 عاماً، لم يتوقع كُثر نجاحها، وكان معظم تلك البلدان أشد فقراً واضطراباً اقتصادياً وتفاوتاً مما هو عليه اليوم، لكنها أثبتت أن ظروف البداية غير المواتية ليست قدراً محتوماً، إذ تحولت غالبيتها إلى الديمقراطية، وشهدت اقتصاداتها نمواً واستقراراً، ويمكن لكوبا أن تفعل الشيء نفسه.
لكن كلما طال أمد الجمود الحالي، تضاءلت فرص هذا التحول، فقد يؤدي استمرار مستوى الضغط الحالي إلى انهيار النظام، وقد لا يؤدي إلى ذلك، أما الشيء المؤكد، إذا استمر عاماً آخر أو أكثر، فهو أنه سيجعل كوبا أكثر فأكثر مكاناً يتعذر على أية جهة حكمه.
ربما لم تضع إدارة ترمب هذا الخطر في حساباتها، أو ربما عدته ثمناً مقبولاً لإجبار النظام على فتح المجال سياسياً، واللافت أن بعض الكوبيين العاديين أجروا الحساب نفسه، فكثير ممن التقيتهم لم يعتقدوا أن العقوبات الأميركية هي المسؤول الأول عن الأزمة الحالية، وبالنسبة إليهم، فإن بقاء العقوبات أو رفعها أقل أهمية بكثير من بقاء النظام أو رحيله، لأنهم يرونه المسؤول الأكبر عن الاقتصاد المنهار، ويعكس استطلاع وطني تمثيلي جديد أجراه “أميركاس باروميتر” (Americas Barometer) رأياً مشابهاً، إذ ألقى 74 في المئة من المشاركين باللوم على الحكومة الكوبية في الأزمة الحالية، في مقابل 16 في المئة فقط ألقوا باللوم على الولايات المتحدة.
ومع ذلك كله، فإن أخطار استمرار الضغط الحالي إلى أجل غير مسمى هائلة، فبالنسبة إلى البلدين، كوبا والولايات المتحدة، ربما لا يوجد ما هو أسوأ من انزلاق الجزيرة في دوامة من العنف الإجرامي والفوضى التي يستحيل ضبطها، وكذلك فإن استمرار سياسة الضغط الأقصى فترة طويلة، سيرفع كلفة الإصلاح في نهاية المطاف، فيما ستكون قدرة كوبا بعد أي انتقال سياسي على تمويل إعادة الإعمار محدودة، فإعادة بناء شبكة الكهرباء الكوبية وحدها، التي يفاقم كل انقطاع جديد تدهورها، ستكلف نحو 8 مليارات دولار، وقد تحتاج البلاد إلى أعوام قبل أن تستعيد القدرة على الوصول إلى تمويل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وغيرهما من المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وفي ظل تعب الرأي العام الأميركي من مشاريع بناء الدول في الخارج، فمن غير المرجح أن يتدخل الكونغرس في هذه الأثناء لتوفير التمويل اللازم.
أما المسار المعاكس فله كلفته أيضاً، فالذين يدعون إلى تطبيع العلاقات ورفع الحظر، من دون تغيير سياسي حقيقي، عليهم أن يكونوا صريحين في شأن معنى ذلك: قبول استمرار الكوبيين، رغماً عن إرادتهم، في العيش تحت نظام يثري نفسه، بينما يبقي مواطنيه فقراء بما يكفي للسيطرة عليهم، ولا ينبغي لمؤيدي التطبيع أن يتوهموا أن تخفيف العقوبات سيجعل قادة كوبا يعيدون بناء مؤسسات الدولة، أو يقلصون التفاوت، أو يستعيدون التماسك الاجتماعي، فهدف القيادة الكوبية هو البقاء في السلطة.
ومع ذلك، ربما لا يزال هناك طريق ثالث: عرض جديد لتخفيف موجّه للعقوبات، يركز على تخفيف الأزمة الإنسانية، في مقابل إصلاحات سياسية واقتصادية محددة، يمكن أن تضعف سيطرة النظام، وحتى لو كانت هافانا قد رفضت مثل هذه الصفقات من قبل، فإن المحاولة تستحق العناء، لكن أياً يكن المسار الذي ستختاره واشنطن، فعليها أن تضع في حساباتها كلفة التأخير، وهي مرتفعة بالفعل، ولن تفعل سوى الارتفاع مع مرور الوقت.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 17 سبتمبر (أيلول) 2026
ويل فريمان باحث في دراسات أميركا اللاتينية لدى “مجلس العلاقات الخارجية”.
