ملخص
الولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط، بل نقلت جزءاً من تمركزها العسكري في بقاع محددة منه إلى بقاع أخرى قريبة، فالقوة التي كانت منتشرة في العراق توزعت على الأردن وساحات أخرى، بينما تستمر الولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران.
لا يبدو استكمال الانسحاب الأميركي العسكري من العراق منسجماً مع المعركة المفتوحة التي تخوضها الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة ضد إيران وأذرعها، بل كان يمكن ببساطة توقع تمديد بقاء القوات الأميركية في بلاد ما بين النهرين إلى حين الانتهاء من النزاع القائم ورسو العلاقات بين أميركا وإيران من جهة، وبين دول الإقليم وإيران من جهة أخرى، على بر صريح من علاقات طبيعية ومتوازنة.
لكن ذلك لم يحصل. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب متمسك بوعوده الانتخابية في شأن تخفيف الوجود العسكري الأميركي في العالم والخروج من حروبه، وفي العراق خصوصاً قامت سياسة ترمب على انتقاد سياسة سلفه باراك أوباما، إذ لا يزال انسحاب الأخير من أفغانستان قبل ستة أعوام مادة للتداول المهين على لسان ترمب وأركانه.
وبطريقة ما، سيتمكن خصوم ترمب من إثارة ملاحظات مماثلة في وجهه في شأن انسحابه من العراق في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث يمكن لهذا الانسحاب أن يشجع إيران على توسيع نفوذها داخل العراق، مثلما أدى انسحاب أوباما إلى عودة “طالبان” للحكم في كابول وإثارتها مجدداً مخاوف كاملة لدى جيرانها.
إلا أن الانسحاب الأميركي من العراق لا يعني تلقائياً أن إيران ستحل محل أميركا في هذا البلد، وأن العراق سيصبح منصة لتحرك إيراني في مواجهة مباشرة مع واشنطن، غير أن توقيت الانسحاب، في خضمّ الحرب الأميركية-الإيرانية الجارية، يجعل المسألة أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة تقول إن الانسحاب جزء من انتقال مخطط ومنظم إلى علاقة دفاعية ثنائية مع بغداد، وإن مهمة مكافحة “داعش” بقيادة أميركا باتت متمركزة في الأردن. ومع ذلك فإن مسارعة النظام الإيراني إلى استغلال الوضع لا تخفى على أحد.
وهناك مؤشرات قوية على ذلك، فقد وصف الحرس الثوري الإيراني الانسحاب الأميركي بأنه “انتصار تاريخي”، فيما رأت فصائل عراقية موالية لإيران أن خروج القوات الأميركية جاء نتيجة مقاومتها هي لهذه القوات. ويقود الترحيب والتحليل “الإيرانيين” إلى توقع احتمالات ثلاثة:
أولها، تغوّل النفوذ الإيراني السياسي والأمني في العراق، مستفيداً من غياب القوات الأميركية.
وثانيها، زيادة حرية حركة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، خصوصاً أن أقوى هذه الفصائل لم توافق على نزع سلاحها. وقد أُرجئ موعد نزع السلاح إلى يونيو (حزيران) المقبل.
وثالثها، تحويل العراق إلى عمق استراتيجي لإيران في أي مواجهة مقبلة، بدلاً من أن يكون العراق منصة أميركية متقدمة كما كان نسبياً في المواجهات السابقة. ولا يتوقع أحد أن تتردد إيران في استخدام فصائلها العراقية في الصدامات المفتوحة، فهي فعلت ذلك مع كل أتباعها في الدول المحيطة حيث زجتهم في حروب إسناد مميتة من لبنان وصولاً إلى اليمن.
لكن في حالة العراق بعد الانسحاب الأميركي، قد تحاول إيران تجنب حرب مفتوحة من العراق، إذ قد يؤدي استخدامها المفرط للفصائل العراقية إلى رد أميركي أو إسرائيلي واسع.
سؤال ثانٍ نقيض يمكن طرحه وقد يكون الأهم: هل الانسحاب هو مقدمة لمعركة أميركية حاسمة ضد إيران؟
علينا في هذا المجال التمييز بين الانسحاب من العراق والانسحاب من المنطقة.
فالولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط، بل نقلت جزءاً من تمركزها العسكري في بقاع محددة منه إلى بقاع أخرى قريبة، فالقوة التي كانت منتشرة في العراق توزعت على الأردن وساحات أخرى، بينما تستمر الولايات المتحدة في عملياتها ضد إيران. فيما حرّكت واشنطن قوات ضخمة إضافية نحو المنطقة، في وقت أعلن فيه الرئيس ترمب في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أن العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران يمكن أن تستأنف بعد انتخابات التجديد النصفي، إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق مرضٍ معها.
لذلك يمكن الحديث عن قراءة استراتيجية مختلفة تماماً لتلك التي لا ترى إلا نقطة الانسحاب الذي تحدثت عنه طهران طويلاً كهدف استراتيجي لسياستها: إذ قد تكون واشنطن بصدد إعادة تموضع، لا انسحاب، هدفه خفض الأخطار والاحتفاظ بقدرة إقليمية، قوامها القواعد البحرية والجوية التي توفر القدرة الحاسمة على ضرب إيران في ضغط مباشر على قيادتها.
وهذا يمكن أن يجعل الانسحاب من العراق مفيداً عسكرياً لواشنطن من زاوية معينة: فالقوات الأميركية الموجودة في العراق كانت عرضة لهجمات الفصائل الموالية لإيران، وإخراجها يقلل تعرضها للخطر. وقد أوضح مسؤول عسكري أميركي أن الانسحاب سيخفض الأخطار عليها.
المفارقة الكبرى أن المشهد العام قد يوحي بأن أميركا تخرج من العراق وإيران تنتصر. لكن يمكن قراءة المشهد ذاته بالعكس:
أميركا تخرج من العراق فتقلل خسائرها المحتملة وتعيد تجميع قواتها في مواقع أكثر مواءمة محتفظة بحرية ضرب إيران.
الانسحاب بحد ذاته لا يكفي لإثبات وجود خطة أميركية لمعركة حاسمة.
لكن إذا جمعنا الانسحاب مع استمرار الحرب الأميركية-الإيرانية، وإعادة توزيع القوات الأميركية، وتصريحات ترمب عن احتمال استئناف العمليات، تصبح فرضية “إعادة التموضع استعداداً لمرحلة عسكرية جديدة” جديرة بالاهتمام. مع أنه لا توجد أدلة علنية كافية للقول إن واشنطن قررت بالفعل معركة حاسمة محددة.
السؤال الأهم في الأيام والأسابيع المقبلة ليس ماذا ستفعل إيران كنظام في العراق، بل ماذا ستفعل الفصائل العراقية الموالية لها بعد خروج الأميركيين.
إذا بدأت عمليات كبيرة خارج العراق، خصوصاً ضد قواعد أو مصالح أميركية في الخليج، فقد يتحول الانسحاب من العراق من خطوة لتقليل الأخطار إلى جزء من إعادة تشكيل المسرح العسكري للمواجهة.
هل يشجع ذلك إيران على التصعيد؟
على مستوى العراق، نعم، هناك مؤشرات قوية على ذلك. ولكن هذه المؤشرات لا تقتصر فقط على العراق، ففي لبنان أيضاً تحتفظ إيران بقدرتها على تحريك تنظيم يواصل تبني كل حرف في أبجدية سياستها.
وفي اليمن تحرك الحوثيون إلى المستوى الذي حددته رسالة المرشد الوريث، الأولى، ففرضوا وقائع جديدة في باب المندب وبدأوا حرباً مفتوحة ضد السعودية وثروتها النفطية على نحو خاص. وفي جولة جديدة من الحروب لا يتوقع أن توفر إيران إمكانية من دون استغلال، والساحة العراقية تبدو مفتوحة لها كما في لبنان واليمن… ومن هذه البقاع جميعاً ستحاول طهران الدفاع عن نظامها ومشروعها.
