من الصعب الكتابة عن ذاكرة السوريين عن روسيا من دون المرور أولًا عبر سؤال السلطة والحرب. فمنذ أكثر من نصف قرن، بنت موسكو مع دمشق علاقة تجاوزت حدود التحالف السياسي التقليدي، قبل أن تبلغ ذروتها مع التدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015 دعمًا لنظام بشار الأسد. يومها لم تكن روسيا تدخل سوريا بوصفها شريكًا عسكريًا فحسب، بل كانت تعلن عودة نفسها إلى الشرق الأوسط كقوة قادرة على تغيير موازين الحرب، وحماية حليفها، وفرض حضورها على الخريطة الدولية.
كانت قاعدة حميميم الجوية ومرفأ طرطوس أكثر من منشأتين عسكريتين. كانتا رمزًا للعودة الروسية إلى شرق المتوسط، ودليلًا على أن موسكو استعادت قدرة افتقدتها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على العمل عسكريًا بعيدًا عن حدودها. ومن الساحل السوري، أراد الكرملين أن يقول إن روسيا لم تعد قوة أوراسية تنظر إلى الشرق الأوسط من بعيد، بل لاعبًا مباشرًا يملك أدوات التأثير والحماية والردع.
لكن سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 قلب هذه المعادلة. فقد انهار الإطار السياسي الذي قامت عليه الشراكة الروسية السورية الحديثة، وأصبحت موسكو أمام واقع جديد: سوريا لم تعد الدولة التي تدخلت روسيا لحماية نظامها، والسلطة الجديدة في دمشق لا تستطيع ببساطة أن تتعامل مع الوجود الروسي باعتباره امتدادًا طبيعيًا للماضي.
من هنا تأتي أهمية المذكرة التي أعلنتها دمشق وموسكو بشأن إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري. وإذا صحت تفاصيلها كما أُعلن عنها، فإنها لا تبدو مجرد ترتيب تقني يتعلق بالقواعد والمنشآت، بل أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف العلاقة بأكملها. تحويل بعض القواعد إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك، وإعادة إدارة منشآت ذات طابع مدني إلى الدولة السورية، ومنها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، يعني أن سوريا الجديدة تريد أن تستعيد تدريجيًا السيطرة على المجال السيادي الذي كان مرتبطًا طوال سنوات بالوجود الروسي.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو موسكو راغبة في الخروج بطريقة تضعها أمام صورة الهزيمة الكاملة. ولذلك فإن صيغة إعادة التموضع قد تكون بالنسبة إليها أكثر واقعية من الانسحاب المفاجئ. فالروس يستطيعون الاحتفاظ بقنوات عسكرية ومؤسسية مع دمشق، والحفاظ على قدر من النفوذ، من دون الإصرار على نموذج القواعد الواسعة الذي ارتبط بالحرب وبحماية الأسد.
إنها، في جوهرها، محاولة لصناعة “انسحاب ناعم”: دمشق تستعيد السيادة خطوة خطوة، وموسكو تقلص حضورها من دون أن تقطع الخيط بالكامل. وهنا تكمن المفارقة.
فروسيا التي جاءت إلى سوريا في 2015 لتمنع سقوط النظام، تجد نفسها بعد أقل من عقد تفاوض سلطة سورية جديدة على طبيعة وجودها. القواعد التي كانت جزءًا من استراتيجية تثبيت الأسد أصبحت موضوعًا للتفاوض مع من جاء بعده. وهذا وحده يكشف حجم التحول الذي أصاب المشهد السوري.
لكن أهمية حميميم وطرطوس لا تتعلق بسوريا وحدها. فقد كانت حميميم مركزًا أساسيًا للعمليات الجوية الروسية، بينما وفر طرطوس لموسكو منفذًا بحريًا بالغ الأهمية على المتوسط. ومن خلالهما تمكنت روسيا من بناء حضور عسكري دائم تقريبًا في منطقة لطالما اعتبرتها موسكو جزءًا من مجال التنافس مع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
لذلك فإن أي تقليص للوجود الروسي لا يمكن قراءته باعتباره شأنًا سوريًا داخليًا فقط. إنه أيضًا مؤشر إلى تراجع أحد أهم مظاهر القوة الروسية في الشرق الأوسط، أو على الأقل إلى إعادة تشكيله وفق شروط مختلفة.
غير أن السؤال الأكثر أهمية قد لا يكون عسكريًا أصلًا.
كيف سيتذكر السوريون روسيا؟
هذا السؤال أصعب من سؤال القواعد والموانئ. فالتاريخ لا يُكتب فقط من خلال الاتفاقيات، بل من خلال الذاكرة الإنسانية. وبالنسبة إلى قطاع واسع من السوريين، ستبقى روسيا مرتبطة بالدور الذي لعبته في الحرب، وبالدعم العسكري والسياسي الذي قدمته لنظام الأسد. وستظل صور الطائرات الروسية والدمار والعمليات العسكرية جزءًا من الذاكرة التي يصعب محوها بمجرد توقيع مذكرة جديدة.
لكن التاريخ لا يبقى ثابتًا.
◄ إعادة تعريف الدور الروسي تحتاج إلى أن تترافق مع قدرة الدولة السورية على بسط سلطتها، وضمان الأمن، وإدارة المنشآت الإستراتيجية، ومنع تحول الساحل إلى منطقة نفوذ متنافسة
فكما يمكن أن تتحول الخصومة إلى تعاون، يمكن لعلاقة مرتبطة بحرب سابقة أن تدخل مرحلة مختلفة إذا تغيرت المصالح والسياسات. وهنا تملك موسكو فرصة محدودة، لكنها حقيقية، لإعادة تقديم نفسها للسوريين لا باعتبارها القوة التي تحمي نظامًا سابقًا، بل باعتبارها دولة تسعى إلى بناء علاقة مع سوريا الجديدة على أساس المصالح المتبادلة.
غير أن ذلك لن يتحقق بالخطابات وحدها. فروسيا ستحتاج إلى أن تقنع دمشق بأن علاقتها الجديدة معها لا تقوم على منطق النفوذ القديم. وستحتاج سوريا، في المقابل، إلى أن تثبت أن استعادة السيادة لا تعني بالضرورة القطيعة مع موسكو.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالدول لا تعيد بناء علاقاتها الخارجية من خلال الذاكرة وحدها، بل من خلال حسابات المصالح أيضًا. سوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى استثمارات، وإعادة إعمار، وموانئ ومطارات وطاقة وخبرات عسكرية ومدنية. وروسيا تملك خبرات ومصالح وشبكات وعلاقات تراكمت عبر عقود. ولذلك فإن السؤال لن يكون: هل تريد سوريا روسيا أم لا؟ بل: أي روسيا تريد سوريا؟ وأي علاقة تستطيع موسكو أن تقبل بها؟
الفرق كبير بين وجود عسكري يفرض نفسه على دولة، وشراكة تختارها الدولة لأنها تخدم مصالحها.
وهنا يمكن أن تتحول إعادة تنظيم الوجود الروسي إلى اختبار مبكر لمفهوم السيادة في سوريا الجديدة. فإذا أصبحت المنشآت السورية خاضعة للقرار السوري، وأصبحت العلاقات العسكرية قائمة على اتفاقات واضحة وشفافة، فإن العلاقة مع روسيا يمكن أن تدخل بالفعل مرحلة جديدة. أما إذا أعيد إنتاج النفوذ القديم بأدوات جديدة، فقد يتغير شكل العلاقة بينما يبقى جوهرها كما هو.
كما أن روسيا نفسها تحتاج إلى قراءة مختلفة للشرق الأوسط. فالمشهد الذي دخلته عام 2015 لم يعد موجودًا. المنطقة تغيرت، وسوريا تغيرت، وموازين القوى تغيرت، وروسيا نفسها دخلت في صراعات وضغوط دولية جعلت قدرتها على الانتشار الخارجي أكثر تعقيدًا. ولذلك قد يكون تقليص الوجود العسكري في سوريا ليس فقط نتيجة للتحول السوري، بل أيضًا جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات الروسية.
وهذا يجعل المذكرة الحالية أكثر أهمية مما يبدو.
فهي قد تكون بداية انتقال من روسيا الحامية للنظام إلى روسيا الشريكة للدولة. وإذا نجح هذا الانتقال، فإن موسكو قد تتمكن من الاحتفاظ بموقعها في سوريا، ولكن بثمن سياسي وعسكري أقل، ومن خلال علاقة أكثر قابلية للاستمرار.
أما دمشق، فإنها تستطيع أن تقدم الأمر باعتباره استعادة تدريجية للسيادة، من دون الدخول في مواجهة مجانية مع قوة دولية لا تزال تملك أوراقًا في المنطقة.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في الساحل.
فإعادة تعريف الدور الروسي تحتاج إلى أن تترافق مع قدرة الدولة السورية على بسط سلطتها، وضمان الأمن، وإدارة المنشآت الإستراتيجية، ومنع تحول الساحل إلى منطقة نفوذ متنافسة. كما تحتاج إلى صيغة واضحة تحمي مصالح السكان المحليين وتمنع أن تصبح إعادة توزيع النفوذ الخارجي سببًا جديدًا للتوتر الداخلي.
وفي النهاية، ربما لا تكون المسألة: هل ستبقى روسيا في سوريا أم سترحل؟
السؤال الأكثر واقعية هو: بأي صورة ستبقى، وبأي صورة سترحل؟
قد تبقى موسكو عبر التدريب والتعاون العسكري والاقتصادي، وقد تفقد جزءًا من حضورها العسكري المباشر. وقد تحتفظ بعلاقاتها مع مؤسسات الدولة السورية، من دون أن تكون صاحبة القرار فيها. وفي هذه الحالة، لن تكون روسيا قد خرجت من سوريا، لكنها ستكون قد خرجت من سوريا القديمة.
وهنا بالضبط تتحدد الإجابة عن سؤال الذاكرة.
قد يظل السوريون يتذكرون روسيا بوصفها القوة التي وقفت إلى جانب الأسد في سنوات الحرب. وقد يستغرق تغيير هذه الصورة جيلًا كاملًا. لكن التاريخ يمنح الدول أحيانًا فرصة ثانية عندما تتغير الظروف. تستطيع روسيا أن تحاول استثمار هذه الفرصة، لا عبر تبرير الماضي، بل عبر بناء علاقة مختلفة مع الحاضر.
فالسوريون الذين يريدون استعادة دولتهم لن يكونوا معنيين كثيرًا بمن ربح الحرب الدبلوماسية في موسكو أو دمشق. ما يعنيهم هو من يحترم سيادتهم، ومن يساعدهم في بناء مؤسساتهم، ومن يساهم في إعادة إعمار بلدهم، ومن يتعامل معهم باعتبارهم أصحاب القرار في مستقبلهم.
إذا استطاعت روسيا أن تفهم هذه الحقيقة، فقد تنتقل ذاكرتها في سوريا من ذاكرة الحرب إلى ذاكرة العلاقة.
أما إذا بقيت أسيرة إرث الأسد، فقد تجد أن ما احتفظت به من قواعد وموانئ أقل أهمية من الشيء الذي خسرته فعلًا: ثقة السوريين.