منذ الإعلان عن توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا الجمعة الماضية، لم تهدأ النقاشات والمناظرات حولها، بين من رأى فيها تحالفاً تاريخياً مهماً، ومن تعامل معها بحذر، ومن ذهب إلى حد اعتبارها بداية لتغيير خريطة التحالفات في المنطقة، والحقيقة أن الاتفاقية تستحق كل هذا الحراك والنقاشات، لأنها ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر في سجل التحالفات الإقليمية، بل تشكيل جوهري لعهد أمني جديد يعيد رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط، ومعادلة ردع تصب في اتجاه استقرار المنطقة.
ومنطق المتشككين في الاتفاقية له عدة أوجه، فهنالك من يرى أنها تضعف قوة الردع لدول الخليج، أو أنها تقلل الثقل النسبي لبقية دول المجلس داخل الترتيبات الأمنية الجماعية، خاصة أن السعودية هي القوة الإقليمية القائدة، وهنالك من يتحفظ على الدور التركي، وهنالك من يخشى أن يصعد هذا التحالف التوتر مع طهران، وهنالك من يرى فيه تحولاً في الشراكة الدفاعية التقليدية مع واشنطن، وثمة من ذهب أبعد من ذلك، معتبراً مصير هذا الاتفاق كمصير «معاهدة الدفاع العربي المشترك» الموقعة عام 1950، وربما الملاحظة الأخيرة تستند إلى سابقة فعلية، فالمعاهدة العربية لم تفعل يوماً واحداً منذ توقيعها، لا لعيب في صياغتها القانونية، إلا أن أربع دول من أصل السبع التي وقعت على تلك الاتفاقية في الإسكندرية، لم تعرف الاستقرار منذ توقيع الاتفاقية وعاشت انقلابات داخلية متتالية لتنقسم بعدها الدول العربية إلى محورين متنافرين – محور غربي ومحور شرقي – لتتحول جامعة الدول العربية إلى ساحة تجاذب لا إطار عمل موحد.
لذلك فالقراءة المتأنية لبنود «اتفاقية مكة» وسياقها تظهر أنها لم تلغِ ولم تهمش الترتيبات الأمنية السابقة، سواءً ضمن مظلة مجلس التعاون الخليجي أو الشراكات الثنائية لدوله، بل على العكس، فإن وجود دولة محورية بحجم السعودية تتمتع بهذا الحزام الدفاعي المتين يلقي بظلال حمايته واستقراره على الخليج العربي برمته والمنطقة بشكل أوسع، ويمنحها شبكة أمان عابرة للأقاليم دون أن يخل بالسياسات المنفردة لدولها.
وعلى الرغم من أن توقيع الاتفاقيات قرار سيادي لأي دولة، فإن هناك قاعدة راسخة في السياسة الدولية مفادها أن الدولة القادرة على تنويع خياراتها الأمنية تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها، والمفارقة أن بعض من ينتقدون الاتفاق اليوم لا يرون مشكلة في تعدد الشراكات الدفاعية لدول خليجية وعربية أخرى: فالكويت مثلاً مرتبطة باتفاقية دفاع مشترك مع واشنطن، إضافة إلى اتفاقيات مع لندن وباريس، والإمارات لديها اتفاق دفاعي مع واشنطن واتفاقية دفاع مشترك مع باريس، فضلاً عن اتفاقيات لاحقة مع إسرائيل، وقطر مرتبطة باتفاقيات دفاع مشترك مع واشنطن وأنقرة معاً، والبحرين وعُمان لديهما ترتيبات دولية مماثلة مع واشنطن ولندن.
الواقع أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في أطرافه الثلاثة، بل في اللحظة التي ولد فيها، فالشرق الأوسط لم يعد يعيش البيئة الأمنية التي عرفها خلال العقود الماضية؛ التهديدات لم تعد تبدأ بالضرورة بجيوش تعبر الحدود، بل قد تأتي عبر الصواريخ والطائرات المسيرة والجماعات المسلحة والهجمات على المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الرهان الكامل على الضمانات الخارجية لم يعد كافياً وحده لحماية المصالح الوطنية.
من هنا يمكن قراءة «اتفاقية مكة» باعتبارها انتقالاً من مفهوم طلب الحماية إلى مفهوم صناعة الردع، فثقل السعودية، السياسي والاقتصادي والجغرافي والعسكري، يجعل أمنها جزءاً من أمن المنطقة، وباكستان تضيف إلى المعادلة قدرات عسكرية واستراتيجية كبيرة، بينما تملك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متقدمة وخبرة عسكرية واسعة، وجميع هذه الدول الكبرى الثلاث يهمها أمن واستقرار المنطقة، وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة، فإن الناتج لا يكون مجرد مجموع قدرات ثلاث دول، بل شبكة ردع جديدة يصعب تجاهلها، تمتد جغرافياً من بحر العرب إلى الخليج العربي إلى البحر الأحمر إلى المتوسط، والمرتبطة أصلاً بأمن وسلامة طرق الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطرابات فيها تنعكس سريعاً على الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
والأهم أن الاتفاق لا يقرأ بمنطق «من ضد من؟»، بل يقرأ بمنطق من يملك القدرة على منع الحرب قبل وقوعها؟ فالردع الحقيقي لا يبدأ حين تطلق الصواريخ، بل حين يدرك الخصم أن تكلفة اختبار أمن المنطقة أكبر من أي مكسب محتمل، وهذه هي المعادلة الجديدة التي تحملها «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، فهي ليست إعلاناً عن نهاية تحالفات سابقة، ولا مقدمة لمواجهة مع طرف بعينه، بل تعبير عن تحول أوسع في التفكير الأمني الإقليمي، مفاده أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة لمعادلات خارجية متغيرة، وأن أفضل ضمانة للسلام هي امتلاك القدرة على حمايته، وهذا ما قرأته في «اتفاقية مكة».
