لم توفّر إيران شيئاً من “الرعونة” في إعلان الحرب الاقتصاديّة والماليّة على دول الخليج، وخصوصاً السعوديّة. قال مسؤولوها إنّ دول المنطقة لن تصدّر نقطة نفط واحدة ما لم تتمكّن إيران من التصدير. وخرج الحوثيّون ليعلنوا التزامهم بعدم التعرّض للسفن الأميركيّة (والإسرائيليّة)، وأنّ هجماتهم تقتصر على السفن السعوديّة، لمنعها من تصدير النفط عبر البحر الأحمر!
هي حرب معلنة هدفها إخضاع السعوديّة للابتزاز الاقتصاديّ وإنهاك موازنتها، فيما تخوض المرحلة الأخيرة من أكبر خطّة تنمويّة في تاريخها. فكيف أتى الردّ؟
استغرق الاقتصاد أكثر من نصف خطاب وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان أمام مجلس الشورى، وهي سُنّة دأب عليها في السنوات الماضية. غير أنّ المختلف هذا العام أنّ تحدّيات الأمن الاقتصاديّ امتزجت في الخطاب بتحدّيات الأمن القوميّ على نحوٍ لم يسبق له مثيل.
أتى الخطاب فيما تواجه المملكة ودول الخليج حرباً اقتصاديّة وماليّة مباشرة من طهران لمنعها من تصدير النفط والغاز، بدأت بإغلاق مضيق هرمز، واستُكملت بتحريك الحوثيّين لتهديد الملاحة في البحر الأحمر. هكذا تحوّلت المواجهة العسكريّة بين أميركا وإيران إلى ابتزاز اقتصاديّ – ماليّ تمارسه إيران لدفع جيرانها إلى الانخراط في نظام إقليميّ تهيمن فيه على شرايين الصادرات.
لم يذكر وليّ العهد إيران بالاسم مرّة واحدة في خطابه، لكنّه تحدّث عن “الاعتداءات التي استهدفت جميع دول مجلس التعاون”، وقال إنّ العالم يتعرّض لـ”أزمة طاقة مفتوحة الاحتمالات”، وقدّم المملكة بوصفها “صمام أمان لأمن الطاقة العالميّ، بقدرتها على توفير الإمدادات النفطيّة للأسواق الدوليّة رغم التصعيد”. في المقابل، سمّى الحوثيّين بالاسم ووصفهم بـ”الميليشيات الإرهابيّة”.
الضّرر الإيرانيّ
ليس بالإمكان تجاهل الضرر الذي أصاب منظومة تصدير النفط نتيجة إغلاق المضيق. هبطت إمدادات المملكة النفطيّة من 10.1 ملايين برميل يوميّاً قبل الحرب إلى 6.6 ملايين في حزيران، وتراجع متوسّطها في الأشهر الثمانية الأولى إلى 7.9 ملايين برميل، مقابل 9.2 ملايين في الفترة نفسها من العام الماضي. وتتوقّع وزارة الماليّة انكماش الأنشطة النفطيّة بنحو 22% هذا العام.
لكنّ النصف الآخر من القصّة هو المهمّ. في الأسابيع الأولى من الحرب في آذار الماضي، كانت إيران وحدها تصدّر النفط عبر مضيق هرمز، فيما تعطّلت صادرات دول الخليج تماماً. بل إنّ الولايات المتّحدة منحت إعفاءً من العقوبات للنفط الإيرانيّ المحمّل على الناقلات، بهدف الحدّ من ارتفاع الأسعار عالميّاً.
كانت الأمور تجري كما أرادت طهران. وكانت تلك ورقة الابتزاز التي دفعت الولايات المتّحدة إلى التفاوض وتقديم المكاسب لطهران في مذكّرة التفاهم في حزيران الماضي. لكنّ الموازين تعدّلت بعد فرض الحصار على الموانئ الإيرانيّة، وعودة النفط الخليجيّ والعراقيّ إلى التدفّق عبر المضيق بحماية عسكريّة أميركيّة، إثر ضرب الرادارات الإيرانيّة وتعطيل قدرة إيران على اعتراض حركة الملاحة.
ما قلب الموازين في ما خصّ السعوديّة هو تمكّنها خلال الأيّام الأولى من الحرب من تحويل جزءٍ كبير من منظومة التصدير إلى الساحل الغربيّ على البحر الأحمر عبر خطّ أنابيب شرق-غرب. وهذا ما أتاح لها الاستفادة من أسعار النفط المرتفعة، وكان ذلك كفيلاً بتعويض انخفاض الكمّيّات المبيعة، فارتفعت قيمة إيراداتها النفطيّة بنسبة 22% في الربع الثاني من السنة على أساس سنويّ، إلى 185.1 مليار ريال. وتتوقّع وزارة الماليّة أن تبلغ الإيرادات الإجماليّة 1,190 مليار ريال لكامل السنة، أي أعلى بـ43 ملياراً ممّا رصدته الميزانيّة المعتمدة.
مفاجأة أيلول
حين شعرت طهران أنّ أنيابها تُسحب في مضيق هرمز، وأنّ النفط عاد إلى التدفّق بوتيرة متزايدة، تحرّكت في البحر الأحمر، فهاجم الحوثيّون الناقلات، وضربت مسيّرات يُرجَّح أنّها أُطلقت من فصائل عراقيّة موالية لإيران خطّ أنابيب شرق-غرب، لتعطيل خطّ التصدير البديل.
لكنّ أرقام أيلول كانت مفاجأة. فقد ضاعفت السعوديّة صادراتها من نحو 2.45 مليون برميل يوميّاً في آب إلى نحو 5.4 ملايين، بحسب بيانات “كبلر”، في أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، وقدّرتها بلومبرغ بـ5.28 ملايين. وجاءت القفزة من حيث لم يتوقّعها أحد: من موانئ الخليج وعبر هرمز نفسه، وفي الأسابيع التي تعطّل فيها الخطّ البديل.
ارتفع عدد الناقلات العملاقة المرتبطة بالسعوديّة العابرة للمضيق من 5 ناقلات إلى 19 في أسبوع بين 14 و20 أيلول، في أعلى حصيلة أسبوعيّة منذ بدء النزاع، ونشطت عمليّات النقل من سفينة إلى أخرى قرب صحار العُمانيّة. وبالتوازي مع ذلك، عاد خطّ أنابيب شرق-غرب إلى العمل بنحو 80% من طاقته في وقت قياسيّ.
أدركت الرياض منذ الأيّام الأولى أنّ الردّ الإيرانيّ على الضربات العسكريّة التي تلقّتها سيكون اقتصاديّاً، وأنّ طهران لن تفوّت الفرصة لتوجيه ضربة قاصمة للقوّة الماليّة لدول الخليج. في الأمر شيء من الثأر من الفجوة الشاسعة في مستويات الدخل والتنمية الاجتماعيّة والحضريّة مع جيرانها، وهي فجوة تضغط على الحكم في النقاش الداخليّ حول جدوى سياسات النظام في تصدير الثورة واستعداء الجوار وتهديد أمنهم.
معادلة القوّة السّعوديّة
في المقابل، بنى الأمير الشابّ معادلة القوّة السعوديّة على أساس أكبر خطّةٍ اقتصاديّة وتنمويّة في تاريخ البلاد، تغيّر معها وجه المملكة وصورتها عالميّاً. ومع دخول “رؤية 2030” مرحلتها الثالثة والأخيرة هذا العام، بدأ العدّ العكسيّ لإحصاء ما تحقّق، وتعظيم أثر الإنفاق الحكوميّ على برامج الرؤية ومشاريعها.
لم يكن ممكناً للرياض أن تسمح للحرب الإقليميّة بتعطيل مسارها التنمويّ. لم تسمح للهجمات الإيرانيّة بإثارة الهلع أو التأثير على الحياة العامّة أو تعطيل المشاريع. ولم تلجأ إلى التقشّف، بل على العكس من ذلك، بادرت إلى زيادة الإنفاق وتسريع ترسية المشاريع.
في الأسابيع الأولى خلال آذار، سارعت الحكومة السعوديّة إلى تأمين مشترياتها لأشهر عديدة مقبلة، خصوصاً كلّ ما يتعلّق باحتياجات المستشفيات والخدمات العامّة، وأنشأت مسارات لوجستيّة جديدة عبر ميناء نيوم وميناء جدة، للحفاظ على انسيابيّة تدفّق السلع. وظهر ذلك من خلال قفزة النفقات الحكوميّة إلى نحو 760 مليار ريال في النصف الأوّل من السنة (نحو 203 مليارات دولار)، ومن المتوقّع أن يصل الإنفاق إلى 1.435 تريليون ريال (نحو 383 مليار دولار) في نهاية السنة، بزيادة 122 مليار ريال عن الميزانيّة المعتمَدة. هذا ما يسمّى في علم الاقتصاد “الإنفاق المعاكس للدورة الاقتصاديّة” (counter-cyclical spending).
حدّد خطاب وليّ العهد أمام مجلس الشورى السعوديّ الأولويّات الحكوميّة بوضوح. قال إنّ مؤشّرات أداء برامج “رؤية 2030” حقّقت 93% من مستهدفاتها قبل أربع سنوات من الموعد. ووضع التعليم والصحّة في صدارة “الأولويّة في ميزانيّة الدولة”، وأعلن أنّ صندوق الاستثمارات العامّة باشر استراتيجية خمسيّة تركّز على المنظومات المحليّة والشراكة مع القطاع الخاصّ و”العوائد الماليّة المستدامة”.
أرادت طهران أن تفرض على الرياض الاختيار بين أمنها وتنميتها، فاختارت الرياض أن تدفع ثمن الاثنين معاً.
