خلال محاولة فك شفرة دونالد ترامب السياسية وخريطته النفسية المعقّدة، لعلّ توقّع قراراته يصبح ممكناً، يقع الساعي غالباً في خطأ لا يفعل سوى زيادة منسوب الغموض في التعاطي مع عصرنا الترامبي الرديء. الخطأ المقصود، في هذه العجالة، هو اللجوء إلى أدوات التحليل الكلاسيكية لتقدير قرارات إدارة ورجل في البيت الأبيض يحكمان العالم باسم اللايقين والفوضى والارتجال والشعبوية، أي كل ما هو نقيض للمتوقع وللتحليل ومخالف للاستنتاج الكلاسيكي للمعطيات والفعل وردة الفعل والنتائج وحسابات الربح والخسارة. ومنذ شنّ ترامب حربه على إيران قبل ستة أشهر ونصف الشهر، يتلهّى طيف واسع من معشر المحللين والصحافيين بهامشٍ عنوانه ربط مصير الحرب بانتخابات التجديد النصفي المقرّرة في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني لمقاعد الكونغرس بغرفتيه في منتصف الولاية الثانية للرئيس.
يقول منطق العلوم السياسية والعلاقات الدولية إنّه في دول ديمقراطية، ترتبط قرارات خارجية كبرى بمحطات داخلية تترجمها صناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي والمصالح الحزبية، لكن ما يفوت كثر في السياق الأميركي ــ الترامبي، أنّ الرئيس الأميركي الـ47، خصوصاً في ولايته الثانية، يحطّم المنطق وأدوات التحليل الكلاسيكية في كل قرار، ذلك أنه تمكّن من أجهزة السلطة التنفيذية الأميركية بشكل شبه مطلق، واكتشف أن النظام الدستوري الأميركي يصبح مَلَكياً في حال وصل إلى الرئاسة شعبوي كاره للديمقراطية وللمؤسسات مثل دونالد ترامب. بالتالي، فإنّ الرجل قلّما يقيم وزناً للخسارة والربح داخلياً قبل اتخاذ قرارات خارجية. انطلاقاً من ذلك، صرّح ترامب قبل أشهر، بعد شنّه الحرب على إيران، بأنه يرجّح خسارة الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي في مجلسي النواب والشيوخ، بغض النظر عن سير الحرب، وأنه لا يعبأ كثيراً بذلك، مثلما أنه ليس مهجوساً بتأثير حربه على ارتفاع أسعار الوقود والسلع ونسب التضخم عموماً على دافع الضرائب الأميركي. ومع أننا نتحدّث عن كاذب متسلسل يمكنه أن يرمي مئة أكذوبة في حديث أو خطاب مدته نصف ساعة، إلا أنّه يجدر في حالات كهذه تصديقه، لأن سلوكه يؤكد عدم اكتراثه بالضغط السياسي والشعبي الداخلي، بما أنه أحكم قبضته على مفاصل السلطة التنفيذية الأميركية، والذي لم يتمكن من السيطرة عليه قام بتهميشه. جدير في هذا السياق رصد عدد الحالات التي كسر فيها ترامب قرارات المحكمة العليا الأميركية، في قضايا المهاجرين، والتعرفات الجمركية، والحقوق، وغيرها، وهذا ما لم يكن ممكناً تصوّره قبل أن يُنكَب العالم بكابوس ترامب المدان قضائياً بـ34 تهمة، ورغم ذلك انتُخب رئيساً. غاية الكلام أن ترامب، في حربه على إيران، آخر ما يفكر فيه على الأرجح خسارة الحزب الجمهوري انتخابات 3 نوفمبر. ويصيب الكاتب جوناثان فريدلاند في صحيفة الغارديان البريطانية حين تساءل، قبل أيام، عما إذا كان ترامب يرغب بخسارة الحزب تلك الانتخابات، أو إذا كان على الأقل لا يكترث باحتمال فقدان الحزب أغلبيته في غرفتي الكونغرس. وإذا كانت تلك النظرية خاطئة، أي في حال كان ترامب يريد فعلاً فوز الحزب الجمهوري، فإنه يعوّل في ذلك على الغشّ والتزوير وقلب النتائج، لا على المزاج الشعبي، وقد جاهر بذلك خلال مهرجان انتخابي يوم الجمعة الماضي في مدينة دالاس، حين جعل جمهوره يردد وراءه ما حرفيته “أتعهد بأنني سأحاول الغش في التصويت بكل ما أوتيت من قوة”.
للانقلاب الترامبي عناوين كثيرة، منها فكّ الارتباط بين السياسة الداخلية والخارجية، بعدما تفلّت من أي محاسبة قد تواجهه في أروقة المؤسسات الدستورية والقضائية الأميركية. سيخسر الحزب الجمهوري الأميركي انتخابات التجديد النصفي، وستواجَه قرارات الإدارة الحربية والاقتصادية والسياسية بفيتوهات بالجملة في الكونغرس، وسيبطل ترامب مفاعيلها بقرارات رئاسية، تنفذها أجهزة الأمن والجيش والاستخبارات. هذه واحدةٌ من دروس يفترض أن نكون قد تعلّمناها متأخرين.