الحضور اللبنانيّ في نيويورك انطوى على المعضلة العميقة التي تلفّ محاولات إخراجه من شرنقة المواجهة الأميركيّة ـ الإسرائيليّة مع إيران. الأخيرة حاولت كسر كلمة السلطة اللبنانيّة بالإصرار على اعتماد سفيرها محمّد رضا شيباني “غير المرغوب به”. الرفض اللبنانيّ حتّم تصعيداً جديداً من “الحزب” ضدّها خلافاً لموقف رئيس البرلمان نبيه برّي. أمّا واشنطن فتوزّعت مواقفها بين إيجابيّة وزير الخارجيّة ماركو روبيو حيال خطوات السلطة بالخروج من تحت العباءة الإيرانيّة، وبين اعتقاد بعض رجال الدولة العميقة في الإدارة أنّ لبنان لم يقُم بما يكفي لمواجهة “الحزب”.
لا يمكن فصل تصاعد حملة “الحزب” على “السلطة” بتراجعه عن مطلب الحوار معه حول التفاوض مع إسرائيل واتّفاق “الإطار” الذي رفضه، عمّا دار بين رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام ومعه وزير الخارجيّة يوسف رجّي وبين الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي في نيويورك في 24 أيلول الماضي.
ما اعتبرته إيران “إهانة” لبنانيّة لها
طلب الجانب الإيرانيّ الاجتماع فلبّى الجانب اللبنانيّ. لكنّ نتيجته جاءت سلبيّة. عنوان واحد استغرق اجتماع نصف الساعة كان الطلب الإيرانيّ أن يعود لبنان عن رفضه أوراق اعتماد سفير طهران في بيروت. ردّ سلام بالقول إنّ الحكومة اتّخذت قرارها ولتكن نهاية هذه القضيّة بفتح صفحة جديدة بتسمية طهران سفيراً جديداً. رفض بزشكيان وعراقجي الاقتراح وأصرّا على اعتماد شيباني.
ترك الوزير رجّي لسلام أن يكرّر الدعوة إلى فتح صفحة جديدة بتسمية بديل عن شيباني. لكن بلغ الأمر بعراقجي درجة اعتبار قرار إبعاد السفير “إهانة” لإيران فعرض نظيره اللبنانيّ بعض أسباب القرار وتدخّلات شيباني بالوضع الداخليّ.
“لم يستوعبوا”… و”الحزب” يترجم الغضب
بعد سجال قال الوزير رجّي مخاطباً بزشكيان وعراقجي إنّ طلبكم إهانة للبنان وإنّ اتّفاقيّة فيينا تعطي الحرّيّة لأيّ دولة رفض وجود سفير على أراضيها من دون شرح الأسباب. استنتج الجانب اللبنانيّ أنّ طهران أرادت كسر قرار الحكومة بأيّ ثمن، بعدما طلب الرئيس الإيرانيّ قبول تعيين شيباني “ولو لأسبوعين أو ثلاثة، على أن تسمّي طهران بديلاً منه بعدها”. وهذا ما دفع الوزير رجّي إلى القول في حديث تلفزيونيّ إنّ المسؤولين في طهران “لم يستوعبوا أنّ لبنان يستطيع أن يقول لهم لا”. ثمّة من اعتبر أنّ التجرّؤ الإيرانيّ يعود إلى استناده لمن يعبّر عن موقفه في الداخل، وخصوصاً في الأجهزة اللبنانيّة التي أبقت على شيباني في البلد كسائح. وفي لقاء نيويورك لم يناقش الجانبان دور “المقاومة” ولا الموقف من المفاوضات اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة ولا مستجدّات المواجهة الإيرانيّة ـ الأميركيّة.
تُرجِمَت واقعة نيويورك في بيروت بإعلان الأمين العامّ لـ”الحزب” في 27 أيلول، تراجعه عن الدعوة إلى الحوار التي دأب على تكرارها بمعرض إدانته خيار السلطة التفاوض المباشر مع إسرائيل خلافاً لموقفه وموقف إيران. رأى أن لا جدوى من الحوار مع السلطة ما دامت أخذت قرارات تعتبر نشاطه العسكريّ غير قانونيّ. وأكّد رئيس المجلس التنفيذيّ في “الحزب” الشيخ عليّ دعموش في 4 تشرين الأوّل رفض الحوار بلهجة حادّة وعنيفة.
بين لهجة روبيو وملاحظات غيره
قبل أن يثير سلام مع روبيو الحاجة إلى تنفيذ عمليّ لاتّفاق “الإطار” بين لبنان وإسرائيل الذي رعاه شخصيّاً، امتدح الوزير الأميركيّ أداء السلطة اللبنانيّة مبدياً إعجابه بما تقوم به. هذا ما قالته مصادر حكوميّة. وبعد أن دعا سلام إلى إخراج تطبيق اتّفاق “الإطار” من الجمود عبر وضع خريطة طريق لبسط سيادة الدولة الذي يشمل الانسحاب الإسرائيليّ وحصر السلاح بيد الدولة على مراحل، عبر خطوات تبادليّة بين لبنان وإسرائيل، اكتفى روبيو بمحاولة تقديم تقويم محايد وهادئ.
أشار روبيو إلى أنّ الوضع سيبقى خاضعاً للتجاذب، فيتحدّث لبنان عن إعاقة الوجود الإسرائيليّ على الأرض اللبنانيّة بسط سلطة الدولة، فيما حجّة إسرائيل هي أنّ لبنان لم يقُم بشيء لسحب سلاح “الحزب” لضمان أمن حدودها الشماليّة. وعليه لن تسحب قوّاتها.
من جهته، اعتبر سلام أنّ المخرج هو بالعودة إلى المرحليّة والتبادليّة اللتين دأب على التركيز عليهما في الآونة الأخيرة في مقاربة المسألة. وعندما شرح أهميّة إنشاء آليّة التحقّق من الانسحاب الإسرائيليّ وخطوات حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة، للخروج من السجال الإسرائيليّ اللبنانيّ، اعتبر روبيو أنّ هذه مسألة جوهريّة.
قالت المصادر الحكوميّة إنّ البحث في آليّة التحقّق لم يتناول التفاصيل. تُرِكَ الأمر لروبيو وفريقه لصياغة مسوّدة الآليّة هذه فيما اقترح سلام ضرورة إيجاد بديل لقوّات الأمم المتّحدة “اليونيفيل” المنسحبة آخر العام. وفي وقت ترى دول معنيّة باختيارها لهذه المهمّة، ومنها فرنسا، أنّ على لبنان أن يقترح مشروعاً لآليّة التحقّق، يرى الجانب اللبنانيّ أنّ المهمّة تقع على عاتق واشنطن التي ستشرف على العسكريّين الذين يتولّون مراقبة تنفيذ الخطوات المتبادلة على مراحل.
لكنّ اللقاءات مع الفريق المتابع للتفاصيل في البيت الأبيض لم تخلُ من ملاحظات من نوع أنّ واشنطن قد تفقد الصبر على لبنان إذا لم يتّخذ خطوات جدّيّة بشأن سلاح “الحزب”، وأنّ التأخّر في المعالجة “يقود للاستنتاج بأنّ الإسرائيليّين على حقّ”… وهذا يحمل مزيداً من مخاطر الانسجام الأميركيّ مع إسرائيل حيال لبنان، خصوصاً في مرحلة انتخابات الكنيست.
استحسان برّيّ لموقف سلام؟
بين مقاربة روبيو المتفهّمة لوضع لبنان، وملاحظات غيره ينتظر توضيح الموقف الحصيلة عند الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.
إلّا أنّ اللافت وسط الغموض المحيط بمصير المفاوضات أنّ رئيس البرلمان نبيه برّي تموضع بين سلام وبين إيران ومعها “الحزب”، مستنداً إلى خطوات، ولو متواضعة، لعودة الدولة إلى الجنوب لعلّها تعفيه من حرب جديدة.
برّي أرسل إشارة معبّرة بعد زيارة رئيس الحكومة للنبطيّة، خلافاً لحملة “الحزب” على الأخير، بـ”إجازته” لمحطّة “إن بي إن” التابعة له إجراء حديث تلفزيونيّ مساء الأحد الماضي مع سلام. ما يهمّ برّي حضور الدولة وأجهزتها في الجنوب وما أعلنه الأخير من مشاريع للتعافي من الدمار.
