ما تردد حول المناهج، وحول مقال الأسبوع الماضي، كان يطرح سؤالًا جوهريًا: ما شكل علاقة الوطن السوري بالسلطنة العثمانية؟ هل كنا جزءًا من خلافة عثمانية؟ هل كنا تحت احتلال عثماني؟ هل تحررنا؟ هل انفصلنا؟ هل تآمرت فرنسا وبريطانيا على المشرق العربي وسلخته عن السلطنة لتستعمره؟
قد يقول قائل: وما جدوى السؤال عمّا كنّاه، وأمامنا سؤال من نحن اليوم ومن سنكون؟ حسنًا، فليجب صاحب هذا السؤال عن سؤال المناهج: ماذا حدث في العام 1918؟ كيف نشأت سوريا؟ هل تحررت من نير الاحتلال العثماني؟ أم كانت نتيجة مؤامرة بريطانية-فرنسية على دولة الخلافة؟ ما الذي سيقوله المنهاج لأبنائنا عن تاريخ بلادهم؟ الإجابة عمّن كنا ستحدد من سنكون. إن كانت مؤامرة فعلينا التخلص من نتائجها، وإن كان تحررًا من نير احتلالٍ عثماني، فكيف نفسر علاقتنا بالغرب الاستعماري الذي تعاون آباء سوريا المؤسسون معه كي تنشأ سوريا؟
لندرس سردية البعث حول هذه الحقبة. ما قالته مناهج البعث خلال أكثر من ستين سنة هو أن سوريا كانت محتلة من العثمانيين، والأتراك تحديدًا، بدليل سياسات التتريك والسفربرلك وسنوات المجاعة والتجنيد الإجباري. السلطنة متخلفة، وهي من تسبب بتخلفنا نحن، أبناء الحضارة العربية الراسخة. ولمعالجة مسألة الاستعمار، سوّقت هذه السردية فكرة أن البريطانيين ومعهم الفرنسيون خدعوا الشريف حسين والعرب عمومًا: “تحالفنا مع الغرب، لكن الغرب خائن”. هذه هي السردية التي اعتمدتها حكومات البعث المتعاقبة، فما الذي يشوبها؟ ما يشوبها حقيقة تحديان كبيران. يكمن التحدي الأول في حقيقة أنه لم يكن هناك كيان سياسي سوري قبل انهيار السلطنة. لم تكن سوريا دولة مستقلة، بحدود معروفة ومعترف بها. كل ما كانته سوريا عند انهيار السلطنة هو ولاية تمتد من حماة شمالًا حتى معان جنوبًا، بينما كان الساحل يتبع ولاية بيروت، وكانت حلب، ثالث مدن السلطنة، مركز ولاية تمتد إلى عينتاب وأنطاكيا ومرعش وأورفة، وكانت دير الزور متصرفية مستقلة. التحدي الثاني، هو التاريخ ذاته. فروايات تلك المرحلة تحفظ تباينًا واضحًا لدى النخب تجاه السلطنة والخلافة، بل إن كثيرين من سكان ولايتي “سوريا” و”حلب” آنذاك تحسروا على هزيمة الجيش العثماني، ولم ينظروا إليه كقوات محتلة تغادر، أو قوة غاشمة ترحل، بل إخوتهم في الدين ينهزمون أمام الغرب!
أما السردية المقابلة فتعتبر السلطنة امتدادًا للخلافة الإسلامية، ودولة عاش في كنفها أجدادنا أربعة قرون، لم تكن فيها دمشق مدينة محتلة، بل محطة الحج الكبرى وإحدى حواضر الدولة، وكان أبناؤها جزءًا من نخبتها العسكرية والإدارية والعلمية. ولهذا الموقف جذوره أيضًا، وأصحابه جزء أصيل من المجتمع السوري، ويرون في الانفصال عن السلطنة لحظة انكسار لا لحظة ولادة، وفي ما تلاها تقسيمًا فرضه المستعمر. وترى هذه السردية أن تفكك السلطنة كان نتيجة سعي قوى الغرب الاستعمارية إلى وراثتها، فساهمت في تفكيكها، ثم في تجزيء “بلدانها” واقتسامها. مرة أخرى يظهر تحدّ كبير هنا. فإذا كانت سوريا صنيعة استعمارية، فكيف يستقيم إذًا أن ندافع اليوم عنها؟ كيف نقبل بالمواطنة السورية أساسًا لدستورنا وقوانيننا؟
حقيقة الأسئلة التي دارت بعد المقال السابق حول يوسف العظمة تظهر هذه المعضلة. فالرجل تخرّج في الكلية الحربية في إسطنبول، وظل ضابطًا عثمانيًا على الجبهة حتى تشرين الأول 1918، أي حتى انهيار الدولة نفسها. لم يكن من رجال الثورة العربية، ولا من دعاة الانفصال، لكنه مع ذلك صار وزير حربية في الحكومة التي انفصلت عن السلطنة. بكلام آخر، ضابط عثماني يصبح وزير حربية في حكومة الثورة العربية في رواية أو حكومة “المؤامرة الغربية على السلطنة العثمانية” في الرواية المقابلة! أو بعبارة تشرح المفارقة: استشهد يوسف العظمة وهو يقاتل العدو الذي تآمر معه على الانفصال عن السلطنة!
السؤال الحقيقي ليس من كان العظمة، بل كيف نختار لحظة تأسيسنا، ولماذا يهم هذا الاختيار، وكيف نعلّمه لأبنائنا. فكل أمة تختار، بوعي أو من دونه، لحظة تقول إنها وُلدت فيها. وهذه اللحظة ليست تفصيلًا تاريخيًا يهم المؤرخين وحدهم، بل هي ما يحدد من “نحن”، ومن يتسع له هذا الـ”نحن”، ومن يُترك خارجه.
المشكلة، برأيي، أن كلا الموقفين يقرأ عام 1918 بعيون اليوم، ويفرض على الماضي ثنائية لم يعرفها أهله. فشهداء السادس من أيار لم يطالبوا بهدم الدولة، بل بإصلاحها ولامركزيتها. وإبراهيم هنانو وياسين الهاشمي وغيرهما راهنوا في لحظة ما على تعاون عربي-تركي في مواجهة الانتداب، بينما كان مصطفى كمال يحقق انتصاراته في الأناضول. هؤلاء لم يكونوا “محتلين” ولا “محررين”، بل أبناء عالم ينهار، يبحثون عن إطار جديد يحتمي به الناس. ولسنا وحدنا في هذا المأزق.
ليست هذه معضلتنا وحدنا! فالدول التي تولد من انهيارات الإمبراطوريات تتعرض لنفس الأسئلة. المثال السوفييتي واضح الدلالة. فدول البلطيق، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، تعتبر رسميًا أن الحقبة السوفييتية كانت احتلالًا، وكذلك جورجيا التي تحيي منذ 2010 “يوم الاحتلال السوفييتي”. غير أن دول آسيا الوسطى، كازاخستان وأوزبكستان وغيرهما، لا تستخدم هذا الوصف، رغم أنها تحيي ذكرى مآسي تلك الحقبة، كالمجاعة الكازاخية في الثلاثينيات. والفرق ليس في حجم الظلم، بل في أن الأولى كانت لها دول مستقلة قبل الضم تقول إنها استعادتها، بينما تشكلت الثانية بحدودها وأسمائها داخل الاتحاد السوفييتي نفسه، ثم وُلدت دولًا من انهياره. وهذا تحديدًا ما قلناه عن سردية البعث: رواية الاحتلال تحتاج إلى كيان سابق يُستعاد، وسوريا، كدولة، لم يكن لها كيان سابق على العثمانيين تستعيده.
أما إسبانيا، فبعد خمسة قرون على سقوط غرناطة، ما زالت تتجادل حول معنى الحقبة العربية. فثمة رواية محافظة، كرّسها فرانكو، ترى في عام 711 “غزوًا” وكارثة وطنية انتهت بـ”الاسترداد”، وتعتبر الأندلس دخيلًا على الهوية الإسبانية. وثمة رواية مقابلة ترى قرطبة وغرناطة والحمراء جزءًا أصيلًا من تاريخ إسبانيا، بل من أزهى فصوله. وبين الروايتين مؤرخون يرون الاثنتين أسطورتين قوميتين تُسقطان على العصور الوسطى أمة لم تكن موجودة بعد. واللافت أن المنهاج الرسمي للمرحلة الإعدادية تخلى عن مفهوم “الاسترداد”، لكن كثيرًا من الكتب المدرسية ما زال يصف دخول المسلمين بـ”الغزو”، وما زال الطلاب أنفسهم يعيدون إنتاج سردية “الاسترداد” حتى حين تُقدَّم لهم نصوص ترفضها. فحين تُصاغ لحظة التأسيس بمنطق الاحتلال والتحرير، تبقى عالقة في الذاكرة قرونًا.
وأقرب الأمثلة إلينا ربما ألبانيا والبوسنة والهرسك، حيث عاش المسلمون قرونًا في كنف السلطنة. ففي ألبانيا، ذات الغالبية المسلمة، ما زالت الكتب المدرسية تتحدث عن “خمسة قرون من الاحتلال التركي” و”النير التركي”، في رواية قومية تحتفي بإسكندر بيك الذي قاوم العثمانيين، وتهمّش الحقبة العثمانية إلى حد أن الطالب لا يفهم كيف صار أغلب مواطنيه مسلمين. وفي حين أن مسلمي البوسنة والهرسك يرون في الحقبة العثمانية لحظة تشكّل هويتهم، بينما يراها الصرب والكروات “نيرًا تركيًا” و”احتلالًا”. والنتيجة أن البلد الواحد يدرّس ثلاثة تواريخ في ثلاثة مناهج، وأحيانًا في مدرسة واحدة تحت سقف واحد! وهذا تحديدًا ما أخشى أن نصل إليه.
من هنا، أزعم أن نشأة سوريا لم تكن نتيجة مؤامرة، ولا نتيجة عملية تحررية بالمعنى الكامل للكلمة. كانت لحظة انهيار السلطنة، وولادة سوريا كأمة مستقلة، شأنها في ذلك شأن جميع الأمم التي وُلدت من رحم الإمبراطوريات المنهارة. في تلك اللحظة، وجد ضباط عثمانيون، ووجهاء دمشقيون، وتجار حلبيون، وفلاحو حوران، وأبناء الجبل والساحل والجزيرة، كردًا وعربًا وغيرهم، أنفسهم في إطار جديد لم يختاروه بالكامل، لكنهم اختاروا، ببطء وتعثر، أن يجعلوه وطنًا، تمامًا كما وُلدت النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا من انهيار بعد انهيار إمبراطورية آل هابسبورغ عام 1918.
لماذا يهم هذا الاختيار؟ لأن كل رواية بديلة تحمل ثمنها. فإن قلنا إن سوريا وُلدت من مؤامرة، فهي كيان مؤقت ينتظر الزوال في أمة أعلى منه، عربية كانت أم إسلامية. وإن قلنا إنها وُلدت تحررًا من “احتلال تركي”، فإننا نُخرج من الـ”نحن” كل من يرى في العثمانيين أهله وتاريخه، ونرسخ سردية قومية عربية ما زال الكرد يدفعون ثمنها حتى اليوم. ومن ينتقد التتريك، عليه أن ينتقد التعريب بالقدر ذاته، وإلا لم يكن اعتراضه على الإقصاء، بل على هوية من يمارسه! أما رواية الولادة من الانهيار، فتتسع لمن يرى في السلطنة خلافة، ولمن يرى فيها ظلمًا، دون أن تطلب من أحدهما أن يتخلى عن ذاكرته.
بطبيعة الحال، لا يعني هذا أن كل الروايات متساوية، ولا أن المنهاج بلا موقف. فالموقف الذي لا يجوز أن يتنازل عنه أي منهاج وطني هو أن سوريا التي وُلدت في تلك اللحظة وطن نهائي لأبنائها، لا محطة عابرة في طريق أحد. أما كيف يقرأ كل منا الطريق الذي أوصلنا إليها، فهذا ما يجب أن تتسع له كتب أبنائنا، لا أن تحسمه نيابة عنهم.
في 24 تموز 1920 خرج يوسف العظمة، الضابط العثماني، إلى ميسلون ليدافع عن دمشق. لم يخرج ليثبت أنه ضد العثمانيين، ولا ليثبت أنه معهم، بل لأن البلد الذي وجد نفسه فيه بعد انهيار عالمه صار بلده. وربما هذه هي لحظة التأسيس التي نحتاج أن نعلّمها لأبنائنا: سوريا لم تولد ضد أحد، بل وُلدت حين اختار أبناؤها، على اختلاف ماضيهم، أن يكون لهم مستقبل مشترك!

