
تسابق الدول الخليجية التي أنهكتها أشهر من الصراع الزمن لتفادي جولة جديدة من الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما يُتوقع أن يعقبها من رد إيراني، في مواجهة من شأنها زيادة تدمير البنية التحتية للطاقة، وتعطيل التجارة العالمية، ودفع المنطقة إلى حرب أوسع نطاقاً.
في 26 أكتوبر، اجتمع كبار المسؤولين الأمنيين من السعودية وتركيا وباكستان مع قادة إيرانيين في طهران، وسط تقارير عن احتمال شن ضربات أميركية وإسرائيلية جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر.
وفي 30 أكتوبر، انضم الوسطاء القطريون إلى الجهود، سعياً إلى تهدئة التوترات.
وقالت آنا جاكوبس، الباحثة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن: “تمر المنطقة بلحظة بالغة الخطورة. هناك مخاوف حادة في عواصم المنطقة من استئناف الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وأن تكون هذه المرة أشد وطأة مما كانت عليه سابقاً”.
وأفادت تقارير بأن واشنطن أطلعت حلفاءها الإقليميين على احتمال شن هجمات قصيرة ومكثفة على إيران، وعلى الرد المحتمل الذي قد تنفذه طهران ضد دول مجاورة. وفي 29 أكتوبر، أطلع قائد القيادة المركزية الأميركية، المسؤول عن القوات الأميركية في الشرق الأوسط، الرئيس دونالد ترامب على خيارات لاستئناف الضربات العسكرية ضد إيران.
ولم يُعلن عن أي قرار نهائي، لكن ترامب قال لأنصاره الأسبوع الماضي: “قد نشن عملية أخرى صغيرة من عملية الغضب الملحمي، أو سيوافقون (الإيرانيون). إذا كانوا أذكياء، فسيقولون ببساطة: ‘هيا بنا نبدأ العمل’”.
وفي أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط، تنشر الولايات المتحدة وإسرائيل مزيداً من القوات والذخائر والإمدادات والطائرات والسفن الحربية، في استعداد واضح لشن ضربات جديدة.
وفي 29 أكتوبر، هبطت 10 طائرات شحن عسكرية أميركية في قاعدتي عوفدا ونيفاتيم الجويتين في إسرائيل. كما هبطت طائرات أخرى في السعودية والأردن وقطر، وفقاً لهيئة البث الإسرائيلية العامة “كان”.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أرسلت واشنطن حاملة طائرات ثالثة و9 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة.
وقالت جاكوبس: “إن حجم العتاد العسكري الأميركي الذي يجري نقله، ومدى التخطيط الجاري، يجعلانني أعتقد أن جولة أخرى من الصراع باتت مرجحة”.
ومن المتوقع أن تكون أي جولة جديدة من القتال أشد فتكاً بكثير من المواجهة السابقة.
وتشير مؤشرات إلى أن طهران تستعد لرد أوسع نطاقاً وأكثر تدميراً.
واستناداً إلى الدروس المستفادة من الحرب الروسية الأوكرانية، قد تستخدم إيران مزيداً من الطائرات المسيّرة المتطورة لاستهداف منشآت الطاقة والنقل، ومحطات تحلية المياه، وشبكات الكهرباء. كما قد توسع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، والمنضوية تحت ما يُعرف بـ “محور المقاومة”، نطاق الصراع ليشمل دولاً أخرى في المنطقة. ولا يُستبعد أيضاً وقوع هجمات إرهابية في الغرب.
وشددت جاكوبس على أهمية الاجتماع الذي عُقد في طهران يوم 26 أكتوبر، وجمع القادة الإيرانيين وكبار المسؤولين الأمنيين من الدول الثلاث الموقعة على اتفاقية الدفاع المشترك في مكة.
وترأس وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وفداً ضم رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، توجه إلى طهران، حيث التقوا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وقال رضائي، عقب الاجتماع، إن الدول الأربع اتفقت على أن “أمن غرب آسيا يجب أن يستند إلى دول المنطقة، وإنه ينبغي منع أي تدخل خارجي”.
وينص “ميثاق مكة”، وهو اسم شائع للاتفاقية الموقعة من قادة السعودية وباكستان وتركيا في المدينة المقدسة في السعودية في 7 أغسطس، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا.
وبعد توقيع الاتفاقية بفترة وجيزة، شن الحوثيون المدعومون من إيران، الذين تصنفهم وزارة الخارجية الأميركية منظمة إرهابية أجنبية، هجوماً شمل ضربات على السعودية. وفي وقت سابق من هذا الشهر، اتفقت الدول الثلاث، بموجب الميثاق، على نشر قوات في المملكة للتصدي لتلك الهجمات.
وقالت جاكوبس: “جاء هذا الاجتماع في لحظة حرجة، ويُظهر وجود جهد على مستوى المنطقة لمنع جولة أخرى دامية من الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران”.
وأضافت أن الدول أرادت أيضاً تأكيد دعمها لجهود الوساطة التي تقودها الدوحة وإسلام آباد، اللتين توسطتا في التوصل إلى هدنة قصيرة الأمد بين واشنطن وطهران في يونيو، لكنها لم تصمد طويلاً.
وقالت: “الرسالة الضمنية واضحة أيضاً، هذه الدول تدرك أنها بحاجة إلى إيجاد صيغة للتعامل مع إيران”.
وقال غريغوري غاوس، الخبير في شؤون الخليج لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن الدول الموقعة على ميثاق مكة تحاول منع تصعيد الأعمال العدائية، رغم المؤشرات الصادرة عن إدارة ترامب.
وأضاف أن “السعوديين يشعرون بقلق بالغ إزاء الردود الإيرانية التي جرى التلويح بها ضدهم وضد الدول الخليجية الأخرى”، موضحاً: “هذا التحرك يستهدف التهديد المباشر المتمثل في احتمال اندلاع جولة جديدة من الهجمات المدمرة في أنحاء الخليج”.
وقال غاوس إن الرياض تسعى في الوقت نفسه إلى الحصول على مساعدة طهران في توسيع أي اتفاق في الخليج ليشمل الحوثيين في اليمن، الذين أثارت سيطرتهم على أراضٍ على ساحل البحر الأحمر في البلاد، وهجماتهم على قطاع الطاقة والبنية التحتية السعوديين، قلق المملكة.
ومنذ سبتمبر، أسفرت هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة عن مقتل 17 شخصاً على الأقل في السعودية، وإصابة مئات آخرين، وإلحاق أضرار بالمطارات والمنشآت العسكرية والبنية التحتية للطاقة. كما تسببت هذه الهجمات في اضطرابات حادة بقطاع الطيران، إذ أدت إلى إلغاء آلاف الرحلات هذا الشهر.
لكن غاوس قال إن باكستان وتركيا، وهما جارتان لإيران من الشرق والغرب، لا تملكان نفوذاً كبيراً على طهران.
وأضاف في حديث لـ”الحرة”: “لا ترغب أي من الدولتين في ممارسة ضغوط عسكرية أو اقتصادية على إيران، ولذلك فإن نفوذهما المستقل على طهران محدود”.
وتابع: “لا تستطيع تركيا أو باكستان، منفردتين أو مجتمعتين، الضغط على إيران أو إقناعها بتغيير سياساتها الإقليمية أو كبح جماح الحوثيين”.
وقال غاوس إن كلا البلدين مهتم بمنع التصعيد على المدى القصير.
ومن شأن استئناف الصراع أن يلحق أضراراً جسيمة بالسعودية، ويعرقل قدرتها على الاستثمار في الصناعات العسكرية التركية والباكستانية، وهو السبب الرئيسي لانضمام كل من البلدين إلى ميثاق مكة.
وتكبدت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي خسائر كبيرة منذ أن هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في 28 فبراير.
وخلص تحقيق أجرته “رويترز” إلى أن إيران شنت ما لا يقل عن 135 هجوماً بالطائرات المسيّرة والصواريخ على 84 موقعاً من مواقع البنية التحتية منذ اندلاع الحرب.
وأدت هذه الهجمات وغيرها من الهجمات على المطارات والمنشآت العسكرية إلى مقتل عشرات الأشخاص وإصابة مئات. كما تضررت الدول من اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز في العالم.
وفي مؤشر على تصاعد التوترات، أفادت تقارير بأن عدة ناقلات نفط اصطدمت بألغام في المضيق يوم 29 أكتوبر، فيما قال مركز بريطاني لمراقبة الملاحة البحرية إن سفينة شوهدت وهي تحترق شمال خصب في سلطنة عمان.
وقالت غونول تول، الخبيرة الإقليمية في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن الدول الثلاث الموقعة على ميثاق مكة لا تملك نفوذاً كبيراً على الولايات المتحدة أو إيران.
وأضافت أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل البنية التحتية المدنية الإيرانية، فقد ترد طهران بطريقة أشد فتكاً بكثير مما فعلته حتى الآن.
وقالت: “في نهاية المطاف، يتوقف الأمر على ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على التوصل إلى اتفاق يمنع مزيداً من التصعيد”.