لماذا تحتاج المعلومات العامة في سوريا إلى “مصدر خاص أو مطلع”؟

صحفي سوري…..الثورة السورية.. دمشق
لا يتوقف صديقي الإسباني ألبرتو عن الحديث عن مصادره داخل المؤسسات الحكومية، وعن معلومات ووثائق تصل إليه عبر معارفه فيها، كما يفعل الصحفيون في كل مكان. لكنه حين يبحث عن موازنة مشروع، أو عن أعداد العاملين في مؤسسة ورواتبهم وآليات توظيفهم، لا يحتاج إلى معرفة موظف أو مسؤول، ولا إلى انتظار مَن يُسرّبَها إليه، فهناك طريق رسمي يستطيع أن يسلكه للحصول عليها، أو يجدها منشورة إلكترونياً، أو ربّما على لافتة فوق أو بجانب حجر الأساس في مشروعٍ يُقام فوق جبل قاسيون في دمشق، مثلاً، حيث تُعرّف اللافتة بالمشروع وتوضح تكلفته ومصادر تمويله والجهة المنفذة وكيف حصلت على هذا المشروع ومدة التنفيذ.
طبعاً، يبقى التسريب أداة صحفية مهمّة لكشف ما يُراد إخفاؤه، لكن من غير الطبيعي أن يحتاج الصحفي إلى مُسرّب للحصول على معلومة عامّة يُفترض بها أن تكون منشورة أو على الأقل مُيسرٌ وسهلٌ طلبها من الجهة التي تحتفظ بها. فالصحفي الذي لا يجد رقماً منشوراً، ولا طريقاً واضحاً لطلبه، لن يتوقف عن البحث عنه، وسيبحث عمّن يملكه في المؤسسة.
وإذا كانت المعلومة في الغالب ستصل إلى الصحفي في نهاية المطاف، فمن مصلحة المؤسسة أن تصل عبرها، وأن تكون هي المرجع الأول لما يتعلق بعملها، أما ترك هذا الفراغ للتسريبات، فيعني أنك تترك له أيضاً اختيار ما يصل إلى الصحفي وما لا يصل، والتوقيت الذي تصل فيه المعلومة.
ولا يعني هذا أن تصبح المؤسسة الحكومية المصدر الوحيد للصحافة، أو أن تحل البيانات الرسمية محل البحث والتحقق، فالمؤسسات أيضاً ربّما تُخرج للصحفي ما ترغب هي بإخراجه. ويكمن الفرق بين لجوء الصحفي إلى مصدر سري ليكشف فساداً أو مخالفةً، وبين أن يضطر إلى المصدر نفسه ليعرف معلوماتٍ عامةٍ من قبيل: كم أنفقتْ مؤسّسة عامّة، أو كيف أُسند عقد لجهة خارجها، أو كم شخصاً وظّفت وبأي آلية وكم رواتب المسؤولين فيها.
في سوريا الجديدة، وبينما المؤسّسات تعيد بناء نفسها، لا تزال وسائل إعلام محلية وكُبرى تستخدم مصطلحاتٍ مثل “مصدر مُطلع” و “مصدر خاصّ” مع كثير من العبارات الفضفاضة، حتى عند نشر أرقام تتعلق بموازنة مشروع أو مناقصة. إذ لا يزال الوصول إلى كثير من المعلومات العامّة يعتمد على العلاقات الشخصية لا عبر مسار واضح ومتاح للجميع؛ يعرف الصحفي موظفاً فيتصل به، أو يصل إلى مسؤول عبر وسيط، أو يبحث عن شخص داخل المؤسسة.
وهكذا يصبح الوصول إلى المعلومات امتيازاً متفاوتاً، بينما يفترض أن يكون حقاً متساوياً؛ فما يحصل عليه صحفي بفضل علاقاته وربّما صداقاته مع مسؤولين، يعجز الصحفي الآخر أو المواطن عن الوصول إليه.
ولا يخفى أن مديريات الإعلام في المحافظات عبر مسؤول العلاقات العامّة، تؤدي دوراً في وصول الصحفيين إلى تصريحات من المؤسسات الحكومية، لكنها لا تزال تمرّ بتحديات، فضلاً عن كونها تختلف عن وجود آلية واضحة ومتاحة للصحفي والمواطن لطلب المعلومات العامة.
فلو أُتيحت المعلومات العامة من خلال نشر موازنة مشروع، وتفاصيل تنفيذه، وجميع البيانات العامة للمؤسسة الحكومية، ووضعت آلية واضحة لطلب المعلومات التي لم تُنشر، فإن المؤسسة لا تفقد السيطرة على معلوماتها، وإنما تصبح هي المصدر الذي يعود إليه الصحفي والمواطن للتحقق، وتضيق المساحة أمام الروايات الناقصة والمعلومات التي لا يُعرف عنها سوى أنها جاءت من “مصدر مُطلع أو خاصّ”.
وبالطبع، ليس كل ما تحتفظ به الدولة يجب أن يكون متاحاً للنشر. فهناك معلومات لا يمكن الكشف عنها لحماية الخصوصية أو سير تحقيقات أو اعتبارات أمنٍ..، وهذا موجود حتى في أكثر قوانين الشفافية لدى الدول الأكثر تقدماً في هذا المجال، ولكن الفارق أن حجب المعلومة العامة هناك يحتاج إلى سبب قانوني واضح، بينما الأصل هو حق المواطن في طلبها والحصول عليها.
والأهم أن تكون الإتاحة هي القاعدة التي تبدأ منها المؤسسة، والحجب استثناءً عليها، لا أن يبدأ الصحفي والمواطن من جدارٍ يعتمد على إقناع المؤسسة بأن المعلومة حقٌّ للجميع.
يكرر صديقي ألبرتو فكرةً: “من أفضل المصادر التي يمكن أن يمتلكها الصحفي هي طلبات الوصول إلى المعلومات العامة، وهي بحرٌ يمكن للصحفيين الاغتراف منه لصنع المواد الصحفية ذات الجودة، تصل إلى المتلقي بوضوح، تبدأ بالبيانات والأرقام والنِّسَب ولا تنتهي بالمقارنات وتوضيحها بالتصورات البيانية والإنفوغرافيك”.
ويبقى للصحفي الحق في الوصول إلى المعلومة ومن حق المواطن أن يعرف، وتنظيم هذا الحق يكون في قانون ينظم الوصول إلى المعلومات، وذلك يصبُّ في مصلحة الدولة ومؤسساتها، وهذا ما يجعل صديقي ألبرتو لا يرى تناقضاً في احتفاظه بمصادره داخل مؤسسة عامة وبملاحقة التسريبات داخل تلك المؤسسة نفسها، وبين أن يطرق بابها أيضاً للبحث عن معلومة عامةٍ في حال لم يجدها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي.
فالأولى أداة من أدوات الصحافة والثانية حق لا يفترض أن يحتاج إلى معارف داخل المؤسسة، وهذا ما تحتاجه سوريا اليوم: أن تصبح المعلومة متاحة عبر مواقع إلكترونية للمؤسسات الحكومية وأن يصبح السؤال عن المال العام والعقود والمشروعات أمراً عادياً وأن تكون الإجابة عنها متاحة بالقانون لا بالعلاقات، عندها تأخذ عبارة “حقك تعرف” معنىً متكاملاً، حقّ المواطن والصحفي ومصلحة الدولة أيضاً.