لا يمكن فهم مستقبل المواجهة مع الحوثيين في اليمن من خلال ميزان القوة العسكرية وحده، كما لا يمكن اختزالها في العلاقة بين واشنطن وطهران. فالمشهد أكثر تعقيداً من معادلة تقليدية تقوم على إضعاف الدولة الراعية لتنظيم مسلح، ثم افتراض أن هذا التنظيم سيفقد تلقائياً قدرته على القتال. إيران ليست مجرد مصدر للسلاح والتكنولوجيا والخبرة العسكرية بالنسبة إلى الحوثيين، والحوثيون ليسوا مجرد أداة يمكن تشغيلها أو إيقافها بقرار صادر من طهران. بين الطرفين علاقة إستراتيجية تمنح إيران مجالاً إضافياً للضغط على خصومها، وتمنح الحركة اليمنية قدرة على التأثير في توازنات تتجاوز حدود البلاد، لكنها لا تلغي المصالح المحلية للحركة ولا طبيعة الصراع اليمني الذي نشأ في سياق سياسي واجتماعي وتاريخي خاص.
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي نقاش عن هزيمة الحوثيين هو: ما الذي تعنيه هزيمتهم أصلاً؟ هل المقصود تدمير مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتصفية القيادات العسكرية، وقطع طرق الإمداد الإيرانية؟ أم إنهاء سيطرتهم على صنعاء والمناطق التي يحكمونها؟ أم إخراج اليمن نهائياً من دائرة الصراع الإقليمي، وإعادة احتكار السلاح إلى الدولة؟ هذه أهداف مختلفة، وإن كان بعضها يخدم بعضاً. وقد تحقق حملة عسكرية نجاحاً كبيراً في تدمير القدرات القتالية، من دون أن تقترب بالضرورة من تحقيق تسوية سياسية مستقرة. بل قد يؤدي غياب تصور واضح لما بعد الحرب إلى تحويل الانتصارات الميدانية إلى مقدمات لجولة جديدة من الصراع.
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لأن اليمن لم يعد جبهة منفصلة عن التنافس على أمن الخليج وطرق التجارة العالمية. فمضيق هرمز وباب المندب يمثلان نقطتي اختناق بحريتين بالغتي الأهمية، وأي اضطراب في أحدهما يرفع قيمة الآخر الإستراتيجية.
من منظور طهران، تمثل الجماعات الحليفة خارج حدودها إحدى وسائل توسيع نطاق الردع، بحيث لا تبقى المواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل محصورة في الأراضي الإيرانية. وتتيح هذه الشبكة فتح جبهات متعددة، أو التلويح بفتحها، ورفع كلفة التصعيد على الخصوم، من دون أن تضطر إيران في كل مرة إلى خوض مواجهة مباشرة بكل مواردها. وفي هذا السياق، يمنح الموقع الجغرافي لليمن الحوثيين قيمة تتجاوز وزنهم العسكري التقليدي؛ فالقوة الموجودة بالقرب من باب المندب تستطيع التأثير في حركة الملاحة المتجهة إلى قناة السويس، كما تستطيع تهديد المصالح السعودية على البحر الأحمر، وإضافة عنصر ضغط إلى أي مواجهة أوسع في الخليج.
لكن وصف الحوثيين بأنهم مجرد امتداد إيراني لا يفسر وحده قدرتهم على الصمود. فالدعم الخارجي يمكن أن يرفع مستوى التسليح، ويحسن القدرة على تطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويوفر المعرفة والخبرة، لكنه لا يستطيع بمفرده تفسير السيطرة على الأرض وإدارة مناطق واسعة والحفاظ على تماسك التنظيم في ظروف الحرب. لقد استفادت الحركة من ضعف مؤسسات الدولة اليمنية، وانقسام خصومها، وتآكل الثقة في النظام السياسي السابق، ومن قدرتها على بناء أجهزة أمنية وعسكرية وشبكات تعبئة محلية. وهذا لا ينفي مسؤوليتها عن القمع والانتهاكات أو عن استخدام القوة خارج مؤسسات الدولة، لكنه يوضح لماذا لا يمكن التعامل معها بوصفها مخازن أسلحة متنقلة تنتظر ضربة خارجية حتى تنهار.
القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإسقاط الحوثيين فالتضاريس اليمنية والانقسامات الداخلية والدعم الإقليمي تجعل المعركة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة عسكرية مباشرة
لهذا السبب أيضاً، لا يعني إضعاف إيران بالضرورة انهيار الحوثيين. فإذا تعرضت القدرات الإيرانية لضربات واسعة، فقد تتراجع قدرة طهران على توفير بعض أشكال الدعم العسكري والتقني، وقد تصبح خطوط الإمداد أكثر صعوبة وكلفة. غير أن حجم الأثر الفعلي سيعتمد على ما يبقى لدى الحوثيين من مخزونات وقدرات محلية، وعلى قدرتهم على التكيف، وعلى طبيعة الضغوط التي تتعرض لها إيران نفسها. ولا يمكن افتراض أن كل صاروخ يطلقه الحوثيون يحتاج إلى أمر عمليات مباشر من طهران، أو أن كل قرار بالتصعيد يعكس بالضرورة رغبة إيرانية خالصة. فالحركة قد تتقاطع مصالحها مع إيران في ملفات، وتختلف حساباتها معها في ملفات أخرى، كما قد تستخدم ارتباطها الإقليمي لتعزيز موقعها في الصراع اليمني.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: قد تحقق واشنطن نجاحاً عسكرياً في إضعاف إيران، لكنها تجد نفسها أمام سؤال مختلف تماماً في اليمن. فالقدرة على تدمير منشآت عسكرية أو استهداف قيادات لا تعني امتلاك الوسائل اللازمة لبناء سلطة بديلة، ولا تضمن أن الأطراف اليمنية المناهضة للحوثيين قادرة على إدارة المناطق التي قد تستعيدها. وقد أظهرت الحملة الأميركية ضد الحوثيين في عام 2025، التي انتهت إلى تفاهم بوساطة عُمانية لوقف الهجمات المتبادلة بين الطرفين، أن استخدام القوة الجوية والبحرية يمكن أن يفرض تكاليف كبيرة، لكنه لا يضمن وحده تغيير السلوك بصورة دائمة أو معالجة جذور النزاع. ويعرض تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي بشأن اليمن وأمن البحر الأحمر هذه التجربة ضمن سياق الصراع الأوسع وتداخل التدخلات الخارجية مع الأزمة الداخلية.
المشكلة في الحملات العسكرية التي تركز على إلحاق أكبر قدر من الضرر بالخصم هي أنها قد تخلط بين القدرة على إضعافه والقدرة على إنهائه. فالتفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي لا يقابله بالضرورة تفوق مماثل في القدرة على التحكم في النتائج السياسية داخل اليمن. وكلما اتسعت الأهداف من حماية الملاحة إلى إسقاط سلطة الحوثيين، ثم إعادة بناء الدولة، زادت المتطلبات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وارتفعت احتمالات الانزلاق إلى حرب طويلة. وإذا لم يكن هناك طرف يمني قادر على ملء الفراغ، فقد يؤدي انهيار بعض البنى العسكرية للحوثيين إلى صراع على النفوذ بين القوى المناهضة لهم، بدلاً من قيام دولة موحدة.
ولا تقل الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين أهمية عن القدرات العسكرية للحركة. فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لا تعمل في بيئة سياسية متجانسة؛ إذ تتباين حسابات القوى المحلية والإقليمية بشأن شكل الدولة ومستقبل الجنوب وتوزيع السلطة والسيطرة على الموارد. وقد أشار تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في يوليو 2026 إلى التنافس السعودي الإماراتي في اليمن، رغم وجود مخاوف مشتركة من الدعم الإيراني للحوثيين. وهذا التنافس يكشف أن وحدة الهدف المعلن، أي مواجهة الحوثيين، لا تعني بالضرورة الاتفاق على ترتيب سياسي موحد لليمن بعد الحرب.
من دون معالجة هذه التناقضات، قد تتحول أي حملة عسكرية جديدة إلى وسيلة لتغيير خطوط السيطرة لا لتغيير طبيعة الصراع. فاستعادة مدينة أو ميناء لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، والسيطرة على الساحل لا تعني القدرة على إخضاع المرتفعات، وتدمير جزء من الترسانة لا يمنع إعادة بناء قدرات أخرى إذا ظلت البيئة السياسية والأمنية تسمح بذلك. والأهم أن استمرار الحرب من دون أفق سياسي يمنح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم باعتبارهم قوة تواجه تدخلاً خارجياً، حتى عندما تكون ممارساتهم داخل مناطق سيطرتهم موضع اعتراض واسع. وهكذا يمكن للحرب أن تضعف قدراتهم في جانب، وتمنحهم أدوات تعبئة سياسية في جانب آخر.
تتجاوز المخاطر حدود اليمن أيضاً. فتهديد باب المندب لا يقتصر على السعودية أو الولايات المتحدة أو إسرائيل؛ إذ يمس حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وكلفة الشحن والتأمين، وأمن إمدادات الطاقة. وعندما يتزامن اضطراب البحر الأحمر مع اضطراب هرمز، تتضاعف أهمية الجغرافيا البحرية في حسابات الأطراف المتحاربة. وقد تصبح السفن التجارية، وموانئ التصدير، والبنية التحتية للطاقة، أهدافاً أو أوراق ضغط في صراع لا تستطيع الاقتصادات المعنية عزل نفسها عن تداعياته. غير أن توسيع نطاق الحرب البحرية يحمل في الوقت نفسه مخاطر على الحوثيين؛ إذ قد يدفع قوى دولية وإقليمية إلى تنسيق جهودها ضدهم، ويزيد عزلة المناطق الخاضعة لسيطرتهم، ويرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية على السكان.
إضعاف إيران لا يعني بالضرورة انهيار الحوثيين فالحركة تمتلك قدرات محلية وشبكات تعبئة وأجهزة أمنية تجعلها قادرة على الصمود حتى في غياب الدعم الخارجي
لهذا لا ينبغي أن تتحول حماية الملاحة إلى مبرر مفتوح لحرب بلا نهاية، كما لا ينبغي أن يصبح تجنب التصعيد ذريعة لقبول بقاء اليمن خارج سلطة الدولة. المطلوب هو الفصل بين أهداف قابلة للتحقيق العسكري، مثل حماية السفن وردع الهجمات، وأهداف سياسية لا يمكن إنجازها بالقصف وحده، مثل إنهاء الانقسام وإعادة بناء مؤسسات الدولة. فالأولى تحتاج إلى دفاع بحري فعال، وتعاون استخباراتي، وحماية للممرات التجارية، وتحديد واضح لما يستوجب الرد العسكري. أما الثانية فتحتاج إلى عملية سياسية يمنية لا تكتفي بتقاسم المناصب بين النخب، بل تعالج قضايا السلطة والموارد والأمن المحلي والتمثيل السياسي.
وتبدأ التسوية الحاسمة من بناء بديل يمني قادر على الحكم، لا من افتراض أن هزيمة الحوثيين عسكرياً ستخلق هذا البديل تلقائياً. ويتطلب ذلك توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تدريجياً تحت سلطة مدنية، ووقف استخدام الموارد العامة لتمويل شبكات النفوذ المتنافسة، وتوفير ضمانات سياسية للمناطق والفئات التي تخشى العودة إلى مركزية قسرية، وإطلاق مسار تفاوضي يربط وقف إطلاق النار بترتيبات قابلة للتحقق بشأن السلاح والموانئ والإيرادات. كما يحتاج إلى تفاهم إقليمي يحد من استخدام اليمن ساحة لتصفية الحسابات، ويجعل أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب مصلحة مشتركة لا رهينة للمواجهة بين طهران وخصومها.
أما إيران، فإن أي تفاهم مستدام معها بشأن أمن المنطقة ينبغي ألا يقتصر على منشآتها النووية أو قدراتها الصاروخية، بل يتناول أيضاً دورها في دعم الجماعات المسلحة، مع إدراك أن الاتفاقات التي لا تتضمن آليات تحقق واضحة قد تترك أسباب التصعيد قائمة. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة طهران بتغيير سلوكها الإقليمي فيما تظل الحرب مفتوحة بلا قواعد أو مسار تفاوضي محدد. فالتفاوض ليس مكافأة لطرف مسلح، كما أن الردع ليس بديلاً عن السياسة؛ كلاهما وسيلة لتحقيق نتيجة يمكن الحفاظ عليها بعد توقف العمليات العسكرية.
من فيتنام إلى أفغانستان واليمن، لا تكمن العبرة في أن الجيوش النظامية عاجزة عن هزيمة خصوم أقل منها تسليحاً، بل في أن التفوق العسكري لا يضمن وحده تحويل النتائج الميدانية إلى نظام سياسي مستقر. وقد تستطيع الولايات المتحدة إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات الإيرانية، وقد تتراجع قدرة طهران على دعم حلفائها، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال اليمني الأهم: من سيحكم بعد الحرب، وبأي شرعية، وبأي مؤسسات، وتحت أي ضمانات تمنع عودة السلاح إلى فرض السياسة؟
إن الهزيمة العسكرية للحوثيين، إذا أصبحت هدفاً معلناً، لا يمكن أن تكون معيار النجاح الوحيد. فالنجاح الحقيقي هو أن يفقد أي طرف القدرة على فرض إرادته بالسلاح، وأن يصبح اليمن أقل قابلية للاستخدام في صراعات الآخرين، وأن تتحول حماية باب المندب من مهمة عسكرية متكررة إلى نتيجة لاستقرار سياسي قابل للاستمرار. وما لم يتحقق ذلك، فإن إضعاف إيران قد يغير موازين القوة، لكنه لن ينهي بالضرورة الحرب التي جعلت من اليمن إحدى أكثر ساحات التنافس الإقليمي حساسية.