قد نحسب أنّ هذه حكاية رجلٍ واحد، غير أنّ لها صدى عند الشاعر قسطنطين كفافيس، وقد جعل بطلها مدينةً كاملة، ففي قصيدته “في انتظار البرابرة” يحتشد أهل المدينة في الساحة، لأنّ البرابرة سيصلون اليوم. يتوقّف المجلس عن التشريع، فما جدوى القوانين إن كان القادمون سيسنّونها؟ ويجلس الإمبراطور عند البوّابة متوّجًا، ويلبس القناصل أثوابهم المطرّزة، ويغيب الخطباء، فالبرابرة يضجرون من الخطب. ثمّ يحلّ المساء ولا يصل أحد، ويعود رجالٌ من الحدود يقولون إنّه لم يعد هناك برابرة. تتفرّق الجموع حائرةً؛ وتتركنا خاتمة القصيدة أمام سؤال قاسٍ: ماذا سنفعل الآن بلا برابرة؟ ثمّ يختم الشاعر بسخريةٍ حزينة قائلًا ما معناه: لقد كان أولئك القادمون حلًّا من الحلول! قد تكون لنا، نحن أيضًا، ساحاتٌ ننتظر فيها خصومنا: زميلٌ نحصي زلّاته، وقريبٌ نحتفظ له بجملةٍ لم تُقل بعد، وفريقٌ نكرهه أكثر ممّا نحبّ فريقنا، وحسابٌ نفتحه كلّ صباح ونحن نعرف أنّنا سنغضب. نشكو منهم، ونتمنّى أن يغيبوا، وقد يضيق بنا اليوم حين يغيبون، فما الذي يمنحه لنا العدوّ حتّى نخاف غيابه أكثر من حضوره؟
لو سألتم أبا سالم عمّا كان يفعله كلّ فجر، لقال إنّه كان يحرس أرضه. وما كان ليخطر له أنّ السور صار يمنحه، مع الأيام، سببًا للنهوض. للعدوّ هذه الموهبة الغريبة؛ يرتّب يومنا من دون أن نطلب منه ذلك، ويشغلنا بما قاله وبما ينبغي أن نردّ به، وباللقاء المقبل الذي نستعدّ له كأنّه موعدٌ مع مصيرنا. ومن فرط انشغالنا به، نأخذ في التعرّف إلى أنفسنا من الجهة المقابلة، ونجد جوابًا سهلًا عن سؤالٍ شاقّ: مَن نحن؟ فإذا كان متكبّرًا فنحن المتواضعون، وإذا كان مخادعًا فنحن أهل الصدق، ومع كلّ عيبٍ نكتشفه فيه، نشعر كأنّ فضيلةً أُضيفت إلينا، من غير أن نبذل عناء اكتسابها. وقد نمضي في هذا الاطمئنان بعيدًا، فلا نعود نسأل عمّا نفعله؛ يكفينا أنّنا لا نفعل ما يفعله هو.
لكنّ هذه الصورة المريحة تخفي شيئًا، فقد رأى كارل يونغ أنّ أشدّ ما يثير غضبنا في الآخرين غالبًا ما يكون شيئًا نعرفه فينا ونتجنّب النظر إليه. سمّى ذلك “الإسقاط”: نأخذ ما لا نحتمل رؤيته في أنفسنا، من أنانيةٍ أو غيرةٍ أو ضعفٍ، فنضعه في وجه خصمٍ نستطيع أن نكرهه بلا حرج. وهكذا يتحوّل الخصم إلى مرآةٍ مقلوبة لا نرى فيها وجهنا، بل ما نخبّئه من وجهنا، ولهذا ربّما نخاف أن يغيب العدوّ، فمعه يغيب المكان الذي كنّا نحمّله ما لا نريد أن نحمله.
إنّ في اختيار الجار دلالةً لا تقلّ عن الخصومة نفسها، فنحن نظنّ أنّ العداوة تنشأ بين المتباعدين، والحقيقة أنّها تنشأ في الغالب بين المتجاورين: أخوان على ميراث، وشريكان في مشروع، وبيتان يفصل بينهما سور. وقد لاحظ فرويد أنّ أشدّ الخصومات تقع بين الأقربين، وسمّى ذلك “نرجسيّة الفروق الصغيرة”؛ فما إن يضق الفرق بيننا وبين غيرنا حتّى نتشبّث بما بقي منه ونضخّمه ونبني عليه عداوتنا. ورأى المفكّر رينيه جيرار شيئًا قريبًا من ذلك: حين يرغب اثنان في الشيء نفسه، مكانًا كان أو مكانةً أو اعترافًا، فإنّ كلًّا منهما يصير مرآةً للآخر، وتذوب الفروق بينهما حتّى يغدوا كالتوأمين، فيشتدّ العداء بقدر ما يشتدّ الشبه. ولعلّ أبا سالم وجاره لم يكونا نقيضين كما ظنّا، بل كانا رجلين متشابهين في العناد وحبّ الأرض، وكانا أقرب إلى بعضهما بعضًا أكثر ممّا كان كلٌّ منهما يحتمل أن يعترف به.
أيضًا للعدوّ فائدةٌ أخرى أخفى: أنّه يصلح عذرًا، إذ تتعثّر حياتنا فنجد اسمه حاضرًا: لولا منافسي لنلتُ الترقية، ولولا مكائد الزملاء لبلغ مشروعي مداه، وقد تكون هذه الأقوال صحيحةً في جزءٍ منها. لكنّها تُبقي السؤال الأقسى مؤجّلًا، السؤال الذي لا يجيب عنه أحدٌ سوانا: ماذا كنت سأفعل بحياتي لو لم يكن هناك خصم؟ ولعلّ أبا سالم لم يسأل نفسه هذا السؤال قطّ. ثلاثون عامًا منذ الفجر، لو لم تُنفَق على السور، فبماذا كانت ستُنفق؟ لقد كان الجار، على قسوته، أرحم من السؤال.
لكنّ الحكاية تتّسع حين يصير للسور فريقان، ففي تجربة “كهف اللصوص”، التي أجراها مظفّر شريف وزملاؤه عام 1954، تكوّنت جماعتان من الصبية في مخيّم صيفيّ، ثمّ أدخلهما الباحثون في منافساتٍ على مكافآت. اشتدّ التحيّز، وتبادل الفريقان الإهانات والاعتداءات، وحين انتقلا إلى مهمّات تستلزم تعاونهما – بينها معالجة مشكلةٍ دبّرها الباحثون في إمدادات الماء – أخذ العداء يتراجع عبر تجارب مشتركة متتابعة. لم تكشف التجربة حاجةً حتميّة إلى عدوّ. لكنّها كشفت مقدار ما تصنعه شروط العلاقة بأصحابها، فالصبية الذين اجتمعوا على هزيمة الآخرين استطاعوا، حين تغيّر ما يسعون إليه، أن يجتمعوا معهم على إنجاز شيء.
لا يعني هذا كلّه أنّ كلّ عدوٍّ وهم، فللظلم وجوهٌ حقيقيّة، وللعدوان ضحايا حقيقيّون، ومن يُصادَر بيته أو يُسلَب حقّه لا يحتاج إلى عالم نفسٍ ليعرف من يعاديه، وليس في النظر إلى دواخلنا ما يطالب المظلوم بأن يصافح من ظلمه، أو يقنعه بأنّ خصمه مرآته. إنّما السؤال في موضعٍ آخر: بين عدوٍّ نواجهه لأنّه يهدّد حياتنا أو كرامتنا، وعدوٍّ نتمسّك به لأنّه يريحنا. الأوّل يزول حين يزول سببه، ونطمح نحن إلى زواله. أمّا الثاني فتزول أسبابه ويبقى، لأنّنا نحتاج إليه أكثر ممّا يحتاج هو إلى عداوتنا. وربّما كان أصدق ما نميّز به بينهما أن نسأل أنفسنا بصدق: لو انتهى هذا الخصم غدًا، فهل أرتاح، أم أفتقده؟
إنّ من يتأمّل حوله يجد هذه الحاجة تعمل في كلّ مكان، فكم مرّة وجد أهل بلدٍ أو حيٍّ أو شركة أنفسهم متماسكين فجأة، لا حول فكرةٍ جمعتهم، بل حول اسمٍ اجتمعوا على الغضب منه؟ وكم من “ترند” يلتفّ الناس حوله أيّامًا كأنّه القضيّة الكبرى، ثمّ يُنسى حين يظهر اسمٌ آخر؟ وقد رأى جيرار في ذلك قاعدةً قديمة عُرفت عنده باسم “آليّة كبش الفداء”، وشرحها في كتابه “العنف والمقدّس”: حين تشتدّ التوتّرات داخل جماعةٍ حتّى تهدّد تماسكها، تنصرف كلّها إلى واحدٍ تُحمّله مسؤوليّة ما أصابها، فيعود إليها السلام بإجماعها عليه؛ يرتاح الجميع، ويسلم الجميع من النظر في أنفسهم، ويدفع واحدٌ الثمن عن كلّ الباقين. وأغرب ما في الأمر أنّ الجماعة لا تعلم أنّها تفعل ذلك، فهي ترى الضحيّة مذنبةً حقًّا، وترى نفسها بريئة.
لم تعد الحاجة إلى العدوّ شأنًا نفسيًّا واجتماعيًّا فحسب، بل صارت في زماننا سوقًا، فالمنصّات التي نفتحها كلّ صباح لا تكافئ الهدوء ولا الإنصاف. إنّها تميل في كثيرٍ من الأحيان إلى رفع ما يثير الغضب، لأنّ الغاضب يعلّق ويشارك ويعود. أمّا المتّفق مع غيره فيمرّ ويمضي. ومن ثمّ صار للعدوّ أنصارٌ يعتاشون على بقائه: حساباتٌ تتغذّى على الخصومة، وبرامج تصنع كلّ ليلةٍ خصمًا جديدًا، وجهاتٌ تجد في عدوٍّ بعيدٍ ما يؤجّل أسئلتها الداخليّة، فصار الغضب بضاعة، وصار العدوّ رأس مال.
غير أنّ ذلك كلّه لا يأتينا مجّانًا، فمن يطيل الاشتباك مع خصمه قد يستعير لغته وأساليبه، حتّى يغدو الذي يرفضه شريكًا في تحديد ما يقول ويفعل. وقد حذّر نيتشه، في الشذرة 146 من كتابه “ما وراء الخير والشر”، مَن يقاتل الوحوش من أن يصير وحشًا بدوره. ثمّ إنّ العمر لا يتجدّد، فكلّ فجرٍ أنفقه أبو سالم على السور كان فجرًا لا يعود، وكلّ ساعة نستغرقها في مراقبة خصمٍ تُقتطع من فرص انتباهنا إلى سائر الحياة. نربح معنىً جاهزًا، ونخسر الوقت الذي كنّا سنصنع فيه معنىً آخر.
ليس الثمن علينا وحدنا؛ فقد تُورَّث الخصومة كما تُورَّث الأرض. قد يكبر أبناء أبي سالم وهم لا يكلّمون أبناء الجار، ويعرفون عنهم حكمًا يسبق معرفتهم بأسمائهم. يسمعون نبرة الأب حين يُذكر البيت المقابل، ويرون الوجه الذي يشيح، فيتعلّمون مَن ينبغي الحذر منه قبل أن يعرفوا لماذا. تمضي الحادثة، ويبقى منها استعدادٌ للريبة، وقد يأتي خلافٌ صغير فيجد تاريخًا كاملًا ينتظره. هكذا يصل السور إلى جيلٍ لم يضع حجرًا فيه، ثمّ يُطلب منه أن يواصل الحراسة.
في النهاية، حين نعود إلى ساحة كفافيس، بعد أن خلت من البرابرة، يبقى السؤال معلّقًا: ماذا سنفعل الآن؟ ولعلّ الجواب أبسط وأصعب ممّا توقّعنا: أن نبدأ. أن نجلس عند العتبة التي جلس عندها أبو سالم، ونسأل أنفسنا سؤالًا لم تكن للعدوّ يدٌ فيه: مَن كنت سأكون لو لم يكن؟ ثمّ نمهل أنفسنا حتّى نعثر على جوابٍ يتجاوز الردّ عليه، فربّما كان ذلك الفراغ الموحش في الغرفة التي خلت من أثاثها القديم أوّل مساحةٍ تتّسع لأبي سالم منذ ثلاثين عامًا.