على ضفاف دجلة، حاملين المكانس والمجارف، انتشر المشاركون في فعالية تنظيف ضفاف النهر، بينهم مجموعة ترتدي زيَّ وزارة الداخلية وآخرون من الشرطة النهرية. المؤثرون حاضرون بالطبع، يفتتح الناشط البيئي والمؤثر مهدي ليث ريلز موعظة من المكان بـ: «مثل ما تحافظون على نظافة بيتكم، داخل بيتكم وتتعاركين مع أولادج إذا يذبون (يرمون) وسخ داخل البيت. نفس الشي لازم يكون عندج نفس الهمة ونفس المسؤولية ونفس الغيرة تجاه بلدج ..»  يقف مهدي ملقياً موعظته على ضفة  لا تصلها النساء وفي أحسن الأحوال تمر بجانبها مروراً سريعاً، مثلما يمر هذا الحديث داخل السيل اليومي من المقاطع المصورة لمؤثرين-ات «المحتوى غير الهابط» التي لا تختلف كثيراً عن حديث المعلمين-ات في المدارس الابتدائية، الحديث نفسه يتكرر بصيغ مختلفة من أشخاص مختلفين. رغم أن ما تحمله هذه «الموعظة» أثقل من مجرد نصيحة بيئية وجمالية عابرة وبائسة للحفاظ على ضفاف دجلة بلونه المُوحل الذي يحمل نفايات مياه الصرف الصحي لبغداد ومستشفياتها وحتى بعض جوامعها، ملوثاً بالبراز والمخلفات الطبية، فإن جملة واحدة يقولها شخص لا تستحق كل هذا التوقف خاصةً من مهدي الذي رفض التحدث عن جريمة تحرش جماعي بطفلة في البصرة خلال احتفالات رأس السنة الميلادية 2025-2026 بصفته «مؤثراً» لأنّ الحديث عنها يشوه سمعة العراق برأيه كما أورد في ستوري إنستغرام، ومن مسؤوليته عدم المساهمة في عملية «تشويه السمعة» هذه. ما يشغلني أن هذه الجملة مألوفة إلى درجة أنها تمر في كل مرة ويشجع عليها عند الكثيرين-ات وأن هذا الاعتياد نفسه هو ما يستحق أن يُساءل . لماذا يُصدق في مجتمعاتنا وثقافتنا بهذه السهولة أن نظافة البلد وفضاءه العمومي شأن مؤنث؟

في كتابها الوضع البشري (The Human Condition) تؤصل حنة آرنت (Hannah Arendt) مفهوماً للفضاء العام عبر إقامة فصل هيكلي بين المجال العام «السياسي» والمجال الخاص «المنزل» بما تسميه بالعالم المشترك كساحة للحرية والتعددية يتجاوز فيها الإنسان البقاء البيولوجي. هذا العالم يتوسط البشر، كما تتوسط الطاولة الجالسين-ات حولها، فهو شيء يجمعهم-ن في مشهد واحد ويمنحهم-ن في الوقت ذاته شأناً مشتركاً ومسافة تجعل ظهورهم-ن أمام بعضهم-ن ممكناً. وعندما تختفي هذه الطاولة يفقد الأفراد الشكل الذي يسمح لهم-ن أن يظهروا-ن عبر «الفعل» و«القول» كذوات متمايزة ومتساوية. ولكي يتحقق هذا الفضاء السياسي، يُشترط التحرر من سلطة الضرورة البيولوجية والعمل المادي اليومي. لذا تُنفَى منه الاحتياجات التي غالباً ما تُصنّف أنها رعائية إلى فضاء «خاص»، وهو المنزل، حتى يبقى الفضاء العمومي مخصصاً للتداول السياسي والحرية المجردة.

لكن هذا النموذج الآرنتي، المنطلق من النموذج الإغريقي القديم للفضاء العام، بقي حبيساً لـ«العقد الجنسي» (The Sexual Contract)، وفق كارول بايتمان (Carole Pateman)، ويغفل عن الحقيقة المادية التي جعلت حضور «المواطن الذكر/الرجل» في الفضاء العام ممكناً، إذ لم يكن له أن يُمارس سيادته في الفضاء العام ولم يكن لينجح لولا احتجاز المرأة في الخاص لتتحمل مجاناً أعباء العمل الرعائي. إن العقد الاجتماعي الليبرالي (هوبز لوك روسو)، الذي بنى هذا الفضاء الحر، والذي وقعت في فخه آرنت أيضاً بحسب بايتمان يُخفي أيضاً عقداً جنسياً يضمن السيادة الذكورية ويجعل من النساء الشرط الصامت لقيام المجتمع، باعتبار الرجل أو الفاعل السياسي الحر يُمثّل حريته خلال الفضاء العمومي ولا يملك أي التزامات في «الخاص»، على الرغم من أن اليومي والمعاش خلف أبواب الخاص، والسيطرة على الأجساد والعمل الرعائي المُنهك، هي أولى أماكن تشكّل الصراع السياسي.

ولأن العراقيات لا يدخلن إلى الدولة، وبالتالي إلى الفضاء العمومي، بوصفهنّ مواطنات، فهن يعشن أقرب إلى النموذج الآرنتي المُقصى، ليس لأنهن اخترن هذا النموذج، أو سحبن نفسهن من الطاولة،  بل لأنهنّ لم يجلسنَ على الطاولة أساساً، لأن المواطن، كما عرّفته دولة ما بعد 2003، هو الذكر/الرجل المعياري. ويأتي ذلك في استمرار لما بدأ يتشكل قبل سقوط النظام، من صعود البُنى الأهلية ما قبل الحديثة على حساب الدولة، فالرجل يدخل إلى الدولة، والفضاء العام بمعناه الآرنتي، عبر البُنى ما قبل الحديثة العائلة والقبيلة والطائفة والإثنية والهوية القومية وأحياناً الجغرافيا أيضاً. التي تُعيد إنتاجه فاعلاً سياسياً مُعترفاً به، عبر امتيازات الذكورة أولاً وتتبعها كل البُنى الأخرى وفق حجم الامتياز الذي تعطيه. وفي داخل هذه البنى، يُستغل جسد المرأة ووجودها كرأس مال رمزي ومحدّد لشرف الجماعة، يُحرس ويُطوع لإنشاء التحالفات بين الرجال أنفسهم وبذلك تُصبح المرأة شرطاً صامتاً لقيام هذه التحالفات التي لا تكون داخل هذه البُنى «غير مواطنة» بالمعنى الهيكلي، تلك البنى التي تُعيد توزيع الحقوق، وتعترف بالمرأة كجسد فقط، يجب تطويعه أو إخفاؤه لا كفاعله سياسية معترف بها، فلا تدخل إلا تَبَعَاً للرجل، أو مهيئة لمقتضيات وجوده فيه.

أُلفة هذا الحديث، الذي بدأ من المدرسة حتى وصل إلى (reels) مهدي، هو تطويع للمخيال الاجتماعي الذي يملأ فراغات هذه البنى الأهلية، التي تعمل في الوقت ذاته بوصفها مصنعاً لإنتاج الاعتراف بالجسد نفسه. فالمخيال لا يقتصر على تصورات نظرية مجردة، هو أيضاً يُنتَج عبر تفاصيل الحياة المعاشة ليصوغ بديهيات الهيمنة حتى الرمزي منها، ويُعيد توزيع الأدوار الاجتماعية. إن الاستدعاء «غير المجازي» للمنزل لإعادة تشكيل الفضاء العمومي، حين يُخاطب «المؤثر» النساء بوصفهن أمهات، بضرورة حماية الفضاء العام بالحرص المجاني والمشاعري نفسه المبذول داخل جدران البيت، يُفعِل النموذج الأولي (Archetype) الذي يُوكل وظيفة التنظيف والرعاية للمرأة، بينما يحفظ للذكر/الرجل المعياري مجالات الإدارة والتشريع والسيادة والسياسة. هذا الإسقاط للعبء هو الشكل الأكثر فجاجة للخراب البنيوي للدولة، حين تتلاشى مسؤوليتها المباشرة، وحين تُضلِّل، عبر «مؤثريها»، مأساوية الكارثة البيئية التي يشهدها النهر، فتُختزل في قذارة مرمية على ضفافه، وتُحمَّل النساء مسؤولية التقصير الأخلاقي عن قذارة ليست منفصلة، بطبيعتها، عن ذات الفعل السياسي الذي يُعرّف الأفراد كمواطنين كاملي الأهلية.

يتغذى هذا المخيال الاجتماعي يومياً من التكرار السلس للمحتوى الذي يلوم النساء على كل شيء تقريباً في فضاء لا مكان لهنّ فيه، ويمنح القمع والأبوية شرعية النوايا الحسنة، ويجعل من القمع نفسه ممارسة سليمة يصعب مراجعتها. ويبدأ ذلك بتحديد مواطنة النساء بكونها مواطنة رعائية مشروطة، لا تمنحهنّ حق الجلوس على الطاولة السياسية بوصفهنّ فاعلات مستقلات وصاحبات قرار، ويُشتَرط حضورهنّ في الشارع بهدف تنظيف آثار الرجل وخدمته حتى رمزياً عبر التربية، ليظل الفضاء العمومي نادياً مغلقاً للرجال المعياريّن يتشاركون فيه سيادته ومكتسباته وفق امتيازات ما قبل حديثة وطبقية. هذا الاشتغال على المخيال الاجتماعي ينفي فاعلية النساء السياسية، ويحوّل وجودهن في المجال العام إلى مجرد أداة لإعادة إنتاج البنية القائمة ذاتها.

قذارة الفضاء العام كفعل سياسي سلبي

ينطلق الكاتب والمعماري العراقي رفعة الجادرجي، في تنظيراته المعمارية، من فكرة أن العمارة لا تُبنى لمجرد الاحتواء المادي أو تلبية حاجة نفعية صرفة فحسب؛ فالمبنى عنده يحمل دائماً مطلباً جمالياً يجعله يتجاوز كونه غلافاً وظيفياً ليُصبح فضاءً يحاور الحواس. ويُنشئ علاقة حية بين الإنسان وبيئته. وهذا المطلب الجمالي لا يتوقف عند حدود التشكيل الشكلي أو الزخرفة، إنما يمتد ليشكل لغة بصرية يقرأها الفرد في لحظة تجواله، فيشعر بأن المكان يُخاطبه، لا أنه يحتويه وحسب. العمارة عند الجادرجي ترفض الانفصال بين الوظيفة والمعنى، فالمبنى عنده هو ذلك الذي يلبي حاجة الجسد، في الوقت ذاته الذي يُشبع حاجة الذات إلى الجمال والانتماء. لكن هذا الحوار الجمالي لا يكتمل دون حاجة رمزية، حيث يتوقع الفرد من المكان أن يكون أكثر من مجرد مساحة يمر فيها أو يستخدمها، بل يريد أيضاً أن يجد دلالات تربطه بتاريخه وثقافته وتجربته الجماعية، فتُصبح الحاج الرمزية شرطاً لوجوده المريح داخل الفضاء، ليكون كل زقاق وساحة وشارع وضفة نهر حاملة لقصص تُذكّر الفرد بأنه جزء من نسيج أكبر من مجرد ذاته المنفردة. هذه الحاجة الرمزية تجعل المكان يتجاوز الإحداثيات الجغرافية، ليصير موضعاً للوجود، أي فضاءً يستطيع الفرد فيه أن يتعرف إلى نفسه ويعترف بالآخرين. وعندما تغيب هذه الدلالات كلها، يكون المكان غلافاً فارغاً لا يحمل ما يشبع حاجة الفرد إلى الانتماء والاستقرار النفسي. وعند تحقق الرابط الرمزي، يتحول المكان إلى انعكاس يشعر الفرد فيه بانعكاس ذاته وامتداد وجوده، فيرى أن المكان يعرفه ويحمله، ولا يكون فيه مجرد عابر في فضائه. والهوية التي تظهر في هذا الانعكاس هي ليست صفة ثابتة تُلصق بالمكان من الخارج، بقدر ما هي عملية تشاركية يساهم فيها الفرد بتجربته اليومية فيترك في المكان أثره، ويأخذ منه في الوقت ذاته، لتنشأ حلقة متبادلة من الاعتراف المتبادل بين الذات والمكان؛ الفرد يُنتج المكان، والمكان يُعيد إنتاج الفرد في آن وآحد. وهكذا يصبح الفضاء العمومي امتداداً طبيعياً للذات لا غريباً عنها.

لكن هذا الانعكاس ينكسر عندما يُقصى الفرد من البُنى التي كانت تُنتجه مواطناً معترفاً به، تلك البنى الما قبل حديثة التي تتشكل من العائلة والقبيلة والطائفة والإثنية والهوية القومية. والفرد الذي لا يجد له موضعاً في هذه البُنى يجد نفسه منسلخاً عن الفضاء العمومي من جهتين؛ عمارة لا تعكس هويته، ولا حتى حاجته النفعية في كثير من الأحيان، ولا تحمل أيَّ دلالات رمزية؛ ومن جهة أخرى بُنى أعطته امتياز الذكورة وحده، لكنها تختلف فيما بينها على الامتيازات الأخرى. ووجود هذا الاغتراب المزدوج لا يبقى حبيساً في نفسية الفرد وحده، لكنه يجد طريقه للخروج عبر سلوكيات يومية تبدو بريئة لكنها تحمل رفضاً ضمنياً للمكان. الفرد المغترب مكانياً واجتماعياً لا يرى في الشارع ساحة يملكها، ولا في الضفة امتداداً لذاكرته، فيتعامل مع الفضاء العمومي كأنه فضاء مسلوب منه سياسياً وهوياتياً. فرميُ النفايات في الشارع أو في النهر أو على ضفته ليس مجرد سلوك فوضوي أو سطحي ناتج عن نقص التربية. إنما هو فعل تخريبي لا واعي يُعبر عن غياب الارتباط الهوياتي والسياسي بالمكان، الفرد يخرب «بمعنى يلوّث» لأنه لا يملك المكان، ولا يملك حق التصرف فيه كفاعل سياسي كامل الأهلية. والتخريب هنا هو الشكل المادي للاغتراب، إذ يُصبح الفضاء العمومي ساحة للتصرفات العدائية تجاهه، والقذارة ما هي إلا دليل على انسلاخ جماعي عن فضاء لم يعُد يحملهم.

تتحمل النساء هنا اعباءً مضاعفة لا تنتهي عند حدود الإقصاء الأول. فهنّ مقصيات من الفضاء العمومي، ويُطلب منهن إصلاح ما لم يُسمح لهن بالوجود فيه، وتنظيف ما لم يُمنحنَ حق التصرف فيه. غير أن هذا العبء المضاعف يتجاوز ذلك إلى مواجهة عدائيةِ ذكور/رجال معياريين هم أنفسهم ضحايا للبنية نفسها، رجال أدخلتهم البنى ما قبل الحديثة بوصفهم مواطنين مشروطين لكونهم رجال فوجدوا أنفسهم خارج دائرة الاعتراف السياسي الكامل لأن امتيازات ما فوق الذكورية متآكلة أو محجمة. هؤلاء الرجال يُعبرون عن اغترابهم المكاني بأفعال تخريبية تجاه فضاء لا يشعرون بأنه يعكسهم. والنساء في أسفل هذه الهرمية، يحملن مهمة تطهير الفضاء من آثار عدائيتهم.

التنظيف هنا ليس مجرد عمل رعائي مجاني يُستغل فيه جسد المرأة كرأس مال رمزي، إنما هو تمويه يُخفي إقصاء النساء من الفضاء العمومي، ويخفي في الوقت ذاته فشل البنى ما قبل الحديثة في إنتاج مواطنين-ات كاملي-ات الأهلية. فالقذارة التي تُحمَّل النساء تنظيفها هي قذارة فاعلين سياسيين سلبيين أنتجتهم بنية واحدة تعيد توزيع الحقوق بحيث يبقى الجميع خارج الطاولة السياسية، ويغدو الفضاء العمومي مكاناً لممارسة كل أشكال العداء للآخر وللمكان ذاته.

الأمومة المواطنة

تقوم أطروحة نيرا يوفال ديفيس على أن المرأة تُدمج في الجماعة الوطنية عبر ثلاثة مستويات متداخلة، بيولوجياً وثقافياً ورمزياً، وعند إسقاط هذا التصوُّر على السياق العراقي، تبدو الدولة التي تستدعي المرأة لأداء هذا «التكاثر الرمزي» كما يفعل مهدي ليث وغيره حين يُطالِبون النساء بأن يحملن الغيرة نفسها التي يحملنها تجاه بيوتهن، هي الدولة نفسها العاجزة عن أداء وظيفتها الإدارية الأساسية في تنظيف الشارع وصيانة البنية التحتية وضبط الأمن. وحين تنهار هذه المؤسسات الرسمية، أو غالبا هي منهارة أساساً، يُستدعى الجسد الأنثوي وحده لتغطية الفشل. من هنا يتقاطع مفهوم نيرا للمواطنة المشروطة مع هذا الشكل من خصخصة للفشل العام العراقي. إذ تتحول الأمومة من دور اجتماعي إلى بند في عقد ضمني غير مكتوب تُطالَب المرأة بموجبه بحل كل ما تُخفِق الدولة في تدبيره، من نظافة الشارع، وأمنه، واستقراره الأخلاقي. من غير أن تُستشار في صياغة هذا البند أو أن تُمنح مقابلاً سياسياً حقيقياً عليه. وما مُنِح لها في الأصل كان تعديلاً لقانون الأحوال الشخصية، ثم المدونة الجعفرية، التي لم تكتفي بتعريف النساء ووجودهنَّ على أنهن لسنَ أكثر من أدوات جنسية لأزواجهنّ. بل حرمتهنَّ من الميراث، والنفقة، والأطفال أيضاً.

حملات التنظيف هذه هي مسرح مُصغّر يُعاد فيه صياغة شروط المواطنة المؤنثة. فكلما فشلت فيها الإدارات المحلية وخصوصاً في بغداد في ضبط الشوارع ، تُدعى النساء إلى تنظيف النهر «مجازياً»، مثلما يُدعى الأبناء لتأديبهم، وفي كلا الحالتين يُصاغ الفعل النسائي استمراراً لواجب الرعاية المنزلية في فضاء عام تملك فيه المرأة سلطة الاعتناء بما قرره غيرها دون سلطة المشاركة في القرار نفسه. هذا الاعتناء رغم كونه مرئياً، ويُحتفى به إعلامياً، يُعاد توظيفه فوراً ليصبح دليلاً إضافياً على أن المرأة موجودة للرعاية فقط. وهذا ما يُغلق الدائرة التي رُسِمت لها، ويعيد إنتاج الشرط الأصلي الذي انتقدته يوفال ديفيس، إذ يبقى حضور المرأة في الفضاء العام مرتبطاً دائماً بخدمة الجماعة، بعيداً عن حقها المستقل في شغل هذا الحيّز بذاته.

هذا التوظيف لا يقف عند حدود الأمومة الفردية، فهو يتغذى على شبكة أوسع من الفضائل الأنثوية المتوقعة. من الحياء والحشمة إلى النظافة، ليصنع من كل امرأة حارسة صغيرة على الفضاء العام دون أن تُمنح سلطة تحديد ما يستحق أن يُحرس أصلاً. أطروحة يوفال ديفيس تتقاطع أيضاً مع وجود المرأة على كورنيش أبو نؤاس موقع تصوير الموعظة، فما دامت المرأة هناك لتنظيف النهر فهي بطلة وطنية شجاعة، أمّا لو كانت هناك لتجلس على الضفة من غير أي غاية وظيفية فإن وجودها سيُعامل كخرق أخلاقي يستدعي التأديب، خصوصاً أن الضفة لا يفصلها عن منطقة السعدون، «حيث تباع المشروبات الكحولية» سوى حديقة  وشارع. المكان واحد، لكن الفارق يخصّ وظيفة هذا الجسد في السردية المطلوبة منه في تلك اللحظة بعينها.
يقترب هذا كله من فكرة حنة آرنت عن فضاء الظهور، ذلك الحيّز الذي لا يكتمل وجود الفاعل السياسي فيه إلا بحضوره العاري من أي وظيفة يُقدمها لسواه، وهو الفضاء الذي بينت بايتمان أنه لم يكن يوماً محايداً جندرياً. فعندما يُشترط ظهور المرأة في الشارع بخدمة تؤديها له أو لجماعته، يُصادَر عنها الحق الآرنتي نفسه في أن تظهر لأنها موجودة، لا لأنها نافعة. هكذا يتحول فضاء الظهور من حق أصلي إلى مكسب مشروط، تسحبه السلطة كما تمنحه. فالفضاء العمومي كله ساحة صراع دائم على من يُسمح لها بالوجود فيه، من غير أن  تقدّم مبرراً لغيرها.