إيمان درنيقة الكمالي*..المصدر: النهار
انتقل الصراع الأميركي-الإيراني خلال المرحلة الأخيرة من استهدافٍ مباشر للترسانة الصاروخية والقدرات العسكرية التقليدية لطهران، إلى استراتيجية استنزاف اقتصادي تستهدف الشريان الحيوي لإيران عبر تعطيل حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز وخنق تجارتها البحرية.
وقد راهنت واشنطن على أن هذا التحول سيكون كفيلاً بدفع النظام الإيراني إلى الرضوخ والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروطها، لكن هذا الرهان فتح الباب أمام إشكالية مركزية تتعلق بمدى قدرة الحصار الشامل على كسر إرادة طهران، وبالمقابل على حجم الكلفة التي ستدفعها الولايات المتحدة نفسها جراء هذا المسار.
وقد بدت تداعيات الحصار قاسية في أرقامها الأولية، إذ أشارت تقارير “فايننشال تايمز” و”وول ستريت جورنال” إلى تراجع الصادرات النفطية الإيرانية عبر مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى نحو 90%، وتراجع الواردات بحوالى 35%، وانخفاض الصادرات الإجمالية بنسبة تقارب 75%، ما يعني فقدان طهران لقرابة 65% من إجمالي عائداتها التصديرية مقارنة بمرحلة ما قبل الحصار.
وفي سياق ترسيخ سياسة العزل الاقتصادي، لوحت وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات ثانوية على أي جهة أو دولة تتعامل تجارياً مع إيران، وشملت تهديداتها بنوكاً وشركات في مصر والإمارات وتركيا على خلفية تعاملاتها مع كيانات تابعة للحرس الثوري.
غير أن ارتدادات هذه الاستراتيجية لم تقتصر على الداخل الإيراني، بل انعكست بشكل مباشر على الاقتصاد الأميركي والأسواق العالمية. فقد ظلت أسعار النفط تتحرك قرب حاجز 100 دولار للبرميل، ما انعكس على ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.15 دولارات للغالون بزيادة تقارب 30% عن مستويات ما قبل التصعيد، فيما سجل سعر الديزل مستوى قياسياً بلغ 5.85 دولارات للغالون، وهو ما فاقم الضغوط التضخمية وأثار سخطاً شعبياً متزايداً. وعلى الصعيد العسكري، كشفت تقارير منشورة عن استنزاف هائل للترسانة الأميركية خلال شهر واحد فقط من المواجهة، تمثل في إطلاق أكثر من 850 صاروخ توماهوك وأكثر من 1000 صاروخ اعتراضي من منظومتي باتريوت وثاد، وهو ما أثار هواجس جدية داخل الكونغرس والبنتاغون حول قدرة واشنطن على الحفاظ على مخزونها الاستراتيجي، في ظل احتمال انخراطها في مواجهات مستقبلية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين.
وفي ظل هذه المعطيات انقسمت النخبة الاستراتيجية الأميركية بين مقاربتين: الأولى يتبناها ديبلوماسيون سابقون مثل جيمس جيفري وترى أن عامل الزمن يصبّ في مصلحة واشنطن، وأن استمرار الضغط كفيل بإنهاك الخصم قبل أن تنهار قدرة الولايات المتحدة على التحمل. أما المقاربة الثانية فترى أن إيران اختارت طريق “التحمل” ورفع الكلفة، وأنها لن تقبل الخضوع بل سترد عبر توسيع دائرة التوتر وزيادة الضغط على الملاحة والمصالح الأميركية في الإقليم، خصوصاً مع ما أشارت إليه تسريبات “فايننشال تايمز” عن تلقي طهران دعماً عسكرياً وتقنياً روسياً شمل إرسال مهندسين لتطوير دقة صواريخها البعيدة المدى وسرعتها.
في المحصلة، إنّ ما نشهده اليوم ليس انتصاراً لأي من الطرفين بقدر ما هو حالة من الاستنزاف المتبادل والجمود الاستراتيجي. لقد سقط الرهان الأميركي على أن الاقتصاد سيحسم المعركة، كما أن الصمود الإيراني وحده لم ينجح في فتح أفق تفاوضي. وبالتالي لم يعد السؤال المطروح: من سيركع أولاً؟ بل أصبح: من يملك القدرة على دفع فاتورة الاستمرار مدة أطول؟ والإجابة على هذا السؤال لن تحدد مصير إيران فحسب، بل ستحدد أيضاً إلى أي مدى لا تزال الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها في الشرق الأوسط من دون أن تدفع ثمناً يفوق حجم المكاسب التي تسعى إلى تحقيقها.
*أستاذة جامعية – باحثة في الشؤون السياسية
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة “النهار” الإعلامية