انعدام الشفافية هو أبو نظرية المؤامرة، ونقص الحرية أمّها. أمّا الشعبوية، فهي عائلتها الكبيرة التي تقيم في غرف فسيحة داخل منتجع وسائل التواصل الاجتماعي. هذا ما تعيد تأكيده حادثة طائرة “فلاي دبي” (الأربعاء الماضي)، ذلك أنه نادراً ما اجتمعت هذه العناصر في قصة واحدة كالتي كان مساعد الطيار همام الهمامي رمزها، بعدما حاول تنفيذ عملية انتحارية لإسقاط الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب بركابها الـ174، و166 منهم إسرائيليون. معظم عناصر الخبر عربية: الانتحاري وهو مساعد الطيار، عُماني، وشركة الطيران إماراتية، والسعودية هي التي حطّت فيها طائرة “بوينغ 737 ماكس 8″، ومع ذلك، لا معلومة عربية واحدة مفيدة ولو كانت اسم مساعد الطيار إلا بعدما كشفت وسائل إعلام أميركية بالدرجة الأولى، ثم إسرائيلية معظم التفاصيل.
والفضول ينقلب على وسائل التواصل الاجتماعي غالباً إلى مخيّلة مؤامراتية ناتجة عن انعدام شفافية في مصادر المعلومات وعن إمساك أشهر رجلَي مؤامرات، دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بخيوط قصة الطائرة الناجية. وليس هناك من وسيلة لتغذية نظريات المؤامرة أفضل من مسارعة الحكواتي ترامب إلى إخبارنا ببهلوانياته وحركات يديه وتعابير وجهه ومبالغاته وتلفيقاته وتخيلاته كيف أنّ سبّاكاً إسرائيلياً لم يسبق له أن دخل قمرة قيادة في حياته، عرف كيف يعيد طائرة كانت تهبط بمعدل نحو 16 ألف قدم في غضون 30 ثانية إلى مسارها الصحيح لأنه اعتاد مشاهدة برنامج على “يوتيوب”، ليُنهي حدّوته بسالفة حرفيتها: “… وكما تعلمون، السبّاكون الإسرائيليون لا يسافرون في العادة”. وحكاية ترامب تزداد لا معقوليّتها عندما يعترف بأن مصدرها نتنياهو، بطل العالم في شؤون كثيرة، من بينها القتل والإبادة والبخل والكذب طبعاً، وفوق هذه كلها انتهاز أي حدث لمصلحته، هو “الحيوان السياسي” الذي يتنفس استغلال الفرص وحبك المكائد وارتكاب كل ما يمكن أن ينزع عنه أي صفة بشرية متبقية.
وعندما يجتمع انعدام الشفافية مع منع الوصول إلى المعلومة، وهما تقليدان عريقان في البلدان العربية، في حادثة حسّاسة ومثيرة وغريبة كرحلة فلاي دبي رقم 1073، وشعبويَّين من صنف ترامب ونتنياهو، تكون النتيجة نظرية مؤامراتية تجد في بلدان المنطقة تربة خصبة قادرة على تحويل الأبيض أسود في مخيال فاقدي القدرة على التفكير والتحليل والاستيعاب. مع كل هذه العناصر، يصبح لجنسية همام الهمامي العُمانية ألف تفسير خرافي من رغبة في توريط إيران إلى تذكير بتهديدات ترامب لمسقط. ويمسي لهوية والدة الهمامي السورية أيضاً معنى أسطوري في تصورات رواد “السوشال ميديا”، مثلما تصير لاضطرار الطائرة إلى الهبوط في تبوك لا في الأردن، مع أنها كانت في أجواء هذا البلد عندما تعرّضت لمحاولة إسقاط، أبعاد لم تخطر في بال أبرع سينمائيي الخيال العلمي.
ومَن أحجم عن استعراض داء نظرية المؤامرة في كوكب وسائل التواصل الاجتماعي، كان مرضه أشد خطورة بالإعراب عن أمنيات بنجاح العملية الانتحارية، إذ امتزجت جنسية غالبية الركاب (الإسرائيليين) مع هوية البلد الذي تنتمي إليه الطائرة (الإمارات) في رؤوس مجاهرين بأملٍ في مقتل 174 مدنياً لأن 166 منهم إسرائيليون ولو كانوا مدنيين، من دون اعتبار أخلاقي أو إنساني، ولا تفكير في ما قد يحلّ في المنطقة لو تمكن همام الهمامي من إسقاط الطائرة وتحقق حلمه بتقليد مثاله الأعلى أيمن الظواهري الحاضر في فيديو نشره القبطان العُماني على حسابه في “لينكد إن” حسب رواية قناة “سي أن أن” الأميركية. هؤلاء أنفسهم إما احتفلوا على الأرجح بجريمة 11 سبتمبر قبل 25 عاماً، أو أنهم يندبون حظهم اليوم لأنهم لم يكونوا قد وُلدوا أو كانوا أطفالاً وقت الحادث الفظيع وحُرموا من الاحتفاء به.
المفارقة أنّ الذين تمنوا موت الركّاب المدنيين لطائرة “فلاي دبي”، هم أنفسهم يشتمون العالم صبحاً ومساءً لأنه لا يفعل شيئاً إزاء قتل مدنيين فلسطينيين.