عصام حوج.. كاتب سوري
غدًا تمرّ ذكرى الجلاء، والجلاء ليس حدثاً عابراً في روزنامة وطن، بل سؤال مفتوح على جراحه: ماذا تبقّى من ذلك اليوم الذي خرج فيه آخر جنديٍّ فرنسي، ودخل السوريون زمنهم بأحلامٍ أكبر من حدود الجغرافيا؟
ماذا لو نطق تمثال يوسف العظمة؟
هل سيحدّق في وجوه المارّة، يبحث عن معنى الانتماء والتضحية في زمنٍ صار فيه الوطن وجهة نظر؟
وماذا لو تكلم سلطان الأطرش في ساحة القريّا؟
أيُعقل أن يرى من يرفع راية المحتل الجديد، أو يدنّس صورته باسم الطائفة، فيسألهم: ألهذا قاتلنا؟ ألهذا وحّدنا الدم حين كان الوطن أكبر من كل الانتماءات الضيقة؟
وماذا لو نطقت شواهد قبور شهداء حامية البرلمان؟
أولئك الذين رفضوا إنزال العلم عام 1945، ودفعوا حياتهم ثمنًا، تحت قصفٍ لم يفرّق بين حجرٍ وإنسان.
وماذا لو نهض كل من عبد الرحمن الشهبندر أو فارس الخوري من قبره؟
بماذا كان سيخاطب الساسة والنخب والكفاءات هل كان سيعاتبهم لأنهم تراجعوا خطوة حين كان المطلوب أن يتقدموا؟ أم صمتوا على ما حل بإرثهم، أم لأنه صار فيهم من يساوم على الفكرة التي وُلدت من وحدة المصير، ومحاكاة تجارب الدول على أنقاض الطوائف والاقوام ووالآديان؟
هل أخطأ من صنعوا الاستقلال، كما يدّعي الخطاب المتلبرل المهزوم، المرتبك، وهو يحاول أن يعيد تعريف التاريخ ويعيد صياغته على مقاس هزيمته؟
هل كان خطأهم أنهم حلموا بوطنٍ حر، لا تابع، لا مستعار، لا مُلحق؟
وهل أخطأ آلاف الساسة والكتّاب والشعراء والفنانين، الذين صاغوا ملامح الهوية السورية، حين آمنوا أن الوطن فكرة تستحق الحياة؟
المشكلة لم تكن يومًا في الاستقلال والتحرر كما يروّج باعة الدم والضمير، والقتلة واللصوص في كل خنادق الأمر الواقع، الذين يلهثون وراء إرضاء المستعمرون الجدد، المشكلة في أننا لم نُكمل رسالته، في أننا لم نفهم آليات الاستعمارالجديد في أننا توقفنا عند لحظة الجلاء والاستقلال السياسي، ولم نبنِ عليها ما يحميها في الاقتصاد والديمقراطية والثقافة والتكنولوجيا
الجلاء ليس ورقةً في كتاب تاريخ، إنه “فعل كينونة”. هو أن ندرك أن استكمال الرسالة لا يكون بنبش القبور لإلقاء اللوم على الروّاد الاوائل، أو النيل منهم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بل بالوقوف على أكتافهم لنبصر المستقبل.
غدًا ليس مجرد ذكرى.
إنه امتحان.
إما أن نكون امتدادًا لأولئك الذين بدأوا الحكاية، أو نكون انقطاعًا مؤلمًا عنها، فالجلاء ليس ماضياً…
سلامٌ على الأوائل.. وسلام على من ما زال قابضاً على الجمر، وسلامٌ على سوريا التي لم تكتمل بعد فينا.